589

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

والمتمسكون بالسبر والتقسيم لا يشترطون إثبات التعليل في كل نص بل يكفي عندهم أن الأصل في النصوص التعليل وأن الأحكام مبنية على الحكم والمصالح إما وجوبا كما هو مذهب المعتزلة وإما تفضيلا كما هو مذهب غيرهم ولو سلم عدم الكلية فالتعليل هو الغالب في الأحكام وإلحاق الفرد بالأعم الأغلب هو الظاهر, ولا يشترطون في بيان الحصر إثبات عدم الغير بنص أو إجماع لحصول الظن بدون ذلك على ما بيناه, وأما على ما ذكره المصنف رحمه الله تعالى فيكون هذا من المسالك القطعية بمنزلة النص والإجماع ويكون مرجعه إليهما, وكذا الكلام في تنقيح المناط. قال ابن الحاجب إن الإخالة هي المناسبة وهي المسمى بتخريج المناط أي تنقيح ما علق الشارع الحكم به ومآله إلى التقسيم بأنه لا بد للحكم من علة وهي إما الوصف الفارق أو المشترك لكن الفارق ملغى فيتعين المشترك فيثبت الحكم لثبوت علته وذكر الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أن النظر والاجتهاد في مناط الحكم أي علته إما أن يكون في تحقيقه أو تنقيحه أو تخريجه, أما تحقيق المناط فهو النظر والاجتهاد في معرفة وجود العلة في آحاد الصور بعد معرفتها بنص أو وهو باطل عندنا ففسره بعضهم بأنه وجود الحكم في كل صور وجود الوصف وزاد بعضهم العدم عند العدم وشرط بعضهم قياس النص في الحالين ولا حكم له نظيره أن المرء إذا قام إلى الصلاة وهو متوضئ لا يجب عليه الوضوء وإذا قعد وهو محدث يجب فعلم أن الوجوب دائر مع الحدث.

وبالدوران وهو باطل عندنا ففسره بعضهم بأنه وجود الحكم في كل صور وجود الوصف وزاد بعضهم العدم عند العدم وشرط بعضهم قياس النص في الحالين" أي في حال وجود الوصف وعدمه "ولا حكم له نظيره أن المرء إذا قام إلى الصلاة وهو متوضئ لا يجب عليه الوضوء وإذا قعد وهو محدث يجب فعلم أن الوجوب دائر مع الحدث" فإنا قد وجدنا وجوب الوضوء دائرا مع الحدث وجودا وعدما, والنص موجود في الحالين أي حال وجود الحدث وحال عدمه ولا حكم له; لأن النص يوجب أنه كلما وجد القيام إلى الصلاة وجب الوضوء وكلما لم يوجد لم يجب أما عند القائلين بالمفهوم فظاهر وأما عندنا فلأن

...................................................................... ..........................

إجماع أو استنباط, ولا يعرف خلاف في صحة الاحتجاج به إذا كانت العلة معلومة بنص أو إجماع, وأما تنقيح المناط فهو النظر في تعيين ما دل النص على كونه علة من غير تعيين بخلاف الأوصاف التي لا مدخل لها في الاعتبار كما بين في قصة الأعرابي أنه لا مدخل في وجوب الكفارة لكونه ذلك الشخص أو من الأعراب إلى غير ذلك حتى يتعين وطء المكلف الصائم في نهار رمضان عامدا.

وهذا النوع وإن أقر به أكثر منكري القياس فهو دون الأول, وأما تخريج المناط فهو النظر في إثبات علة الحكم الذي دل النص أو الإجماع عليه دون علته كالنظر في إثبات كون السكر علة لحرمة الخمر وهذا في الرتبة دون النوعين الأولين ولهذا أنكره كثير من الناس.

قوله: "بالدوران" احتج بعض الأصوليين على علية الوصف بدوران الحكم معه أي ترتبه عليه وجودا ويسمى الطرد وبعضهم وجودا وعدما ويسمى الطرد والعكس كالتحريم مع السكر فإن الخمر يحرم إذا كان مسكرا وتزول حرمته إذا زال إسكاره بصيرورته خلا وشرط البعض وجود النص في حالتي وجود الواصف وعدمه, والحال أنه لا حكم له أي للنص وذلك لدفع احتمال إضافة الحكم إلى الاسم وتعين إضافته إلى معنى الوصف فإن الحرمة تثبت للعصير إذا اشتد ويسمى خمرا وتزول عند زوال الشدة والاسم, فإذا كان الاسم قائما في الحالين ودار الحكم مع الوصف زال شبهة علية الاسم وتعين علية الوصف وإلا لما تخلف الحكم عن النص.

قوله: "لكن جعل هذا الحكم حكم النص مجازا" جواب عما يقال إن هذا الاشتراط لا يصح عند من لا يقول بمفهوم المخالفة إذ لا يكون النص قائما عند الوصف المنصوص عليه, ولا يكون له حينئذ موجب لا نفيا, ولا إثباتا, ولا يتناول أصلا مثلا إذا لم يقم إلى الصلاة بل قعد لم يتناوله النص إلا عند القائلين بمفهوم الشرط, وأما عند غيرهم فيكون عدم وجوب الوضوء مبنيا على عدم دليل الوجود فيجعل من حكم النص المذكور بطريق المجاز حيث عبر بعدم الوجوب المستند إلى النص عن مطلق عدم الوجوب.

صفحہ 163