584

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه

قوله: "ثم لا يخلو" أي الحكم بعد التعليل لا يخلو من أن يكون مقرونا بشهادة الأصل أو لا يكون ففي الكلام حذف والمراد بشهادة الأصل أن يكون للحكم المعلل أصل معين من نوعه يوجد فيه جنس الوصف أو نوعه وإنما قلنا المراد أنه لا يخلو من أن يكون له أصل أو لا يكون لما ذكر أن كلا من اعتبار النوع في الجنس واعتبار الجنس في الجنس قد يوجد بدون شهادة الأصل, فصار الحاصل أن كلا من اعتبار النوع في النوع واعتبار الجنس في النوع يستلزم شهادة الأصل وهو معنى العموم والخصوص المطلق, وأما اعتبار النوع في الجنس أو الجنس في الجنس فلا يستلزم شهادة الأصل بل قد يجتمعان, وقد يفترقان وهذا معنى العموم والخصوص من وجه فالتعليل بالوصف الذي اعتبر نوعه أو جنسه في نوع الحكم يكون قياسا لا محالة; لأن الحكم المعلل مقيس, والأصل الشاهد مقيس عليه, وكذا التعليل بالوصف الذي اعتبر نوعه في جنس الحكم أو جنسه في جنسه إذا كان مع شهادة الأصل, وأما إذا كان بدونها فهو تعليل مشروع مقبول بالاتفاق لكن عند بعضهم يسمى قياسا وعند بعضهم يكون استدلالا بعلة مستنبطة بالرأي بمنزلة ما قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن التعليل بالعلة المتعدية يكون قياسا وبالعلة القاصرة لا يكون قياسا بل يكون بيان علة شرعية للحكم, وقال شمس الأئمة رحمه الله تعالى: الأصح عندي أنه قياس على كل حال فإن مثل هذا الوصف يكون له أصل في الشرع لا محالة ولكن يستغنى عن ذكره لوضوحه وربما لا يقع فالتعليل بهما بدون الشهادة حجة ويسمى عند البعض تعليلا لا قياسا وعند البعض هو قياس أيضا وإذا وجد شهادة الأصل بدون التأثير لا يكون حجة عندنا ويسمى غريبا أيضا.

"فالتعليل بهما بدون الشهادة حجة ويسمى عند البعض تعليلا لا قياسا وعند البعض هو قياس أيضا وإذا وجد شهادة الأصل بدون التأثير لا يكون حجة عندنا ويسمى غريبا أيضا" اعلم أن التعليل بأولى الأربعة لا يكون إلا مع شهادة الأصل لما قلنا إنها أعم فيكون التعليل بكل منهما قياسا اتفاقا والتعليل بأخيري الأربعة إذا وجد مع شهادة الأصل يكون قياسا اتفاقا وإذا وجد بدون شهادة الأصل فعند البعض قياس وعند البعض لا ويسمى تعليلا لكنه مقبول اتفاقا وإنما الخلاف في تسميته قياسا وشهادة الأصل قد توجد بدون الأولين; لأنها أعم من كل منهما مطلقا وقد توجد بدون أخيري الأربعة; لأنها أعم من كل منهما من وجه فإذا وجدت بدون التأثير لا يقبل عندنا ويسمى غريبا أي يسمى الوصف الذي يوجد في صورة يوجد فيها نوع الحكم من غير تأثير غريبا فالغريب نوعان أحدهما مقبول وهو الوصف

...................................................................... ..........................

الاستغناء عنه فيذكر فعلى هذا لا يكون الخلاف في مجرد تسميته قياسا على ما ذهب إليه المصنف رحمه الله تعالى بل عند البعض يكون التعليل بالوصف المؤثر مستلزما لشهادة الأصل لكنه قد يذكر, وقد لا يذكر وحينئذ يصح أن يحمل قوله ثم لا يخلو من أن يكون له أصل معين على ظاهره.

قوله: "وإذا وجد شهادة الأصل بدون التأثير" يعني أن شهادة الأصل قد توجد بدون كل من الأنواع الأربعة للتأثير وحينئذ يسمى الوصف غريبا لعدم تأثيره فلا يقبل عندنا أي لا يجب قبوله; لأن شرط وجوب القبول هو التأثير أو المراد أنه لا يقبل ما لم يكن ملائما فإن قلت الملائم يجب أن يعتبر جنسه في جنس الحكم فهو أحد الأنواع الأربعة فالغريب لا يكون ملائما قلت أحد الأنواع هو اعتبار الجنس القريب في الجنس القريب على ما مر في تفسير المؤثر. والمعتبر في الملائم هو الجنس البعيد فالغريب بمعنى غير المؤثر يجوز أن يكون ملائما فظهر أن اسم الغريب يطلق على نوعين من الوصف أحدهما اعتبر نوعه في نوع الحكم على ما سبق من أن البعض يسمي أول الأربعة غريبا والثلاثة الباقية ملائمة وهو مقبول بالاتفاق, وثانيهما ما يوجد جنسه أو نوعه في نوع ذلك الحكم لكن لا يعلم اعتباره, ولا إلغاؤه في نظر الشارع وهو مردود إذا لم يكن ملائما خلافا لأصحاب الطرد, وأشار المصنف رحمه الله تعالى في أثناء كلامه إلى إثبات شهادة الأصل بدون التأثير بأنها قد توجد بدون الأولين يعني اعتبار النوع أو الجنس في النوع لكونها أعم منها مطلقا وبدون الأخيرين يعني اعتبار النوع في الجنس أو الجنس في الجنس لكونها أعم منهما من وجه فتوجد بدون التأثير في الجملة لانحصاره في الأنواع الأربعة وما يتركب منها وفيه نظر; لأن التحقق بدون كل واحد من الأربعة لا يستلزم جواز التحقق بدون المجموع فيجوز أن يكون أعم من الأولين باعتبار أن يوجد في الأخيرين وبالعكس فبمجرد ذلك لا يلزم أن يوجد بدون التأثير.

صفحہ 158