Sharh Nayl al-Muna fi Nadhm al-Muwafaqat lil-Shatibi

شرح نيل المنى في نظم الموافقات للشاطبي

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1436 ہجری

پبلشر کا مقام

بيروت

شرح نيل المنى في نظم الموافقات للشاطبي
للعلامة القاضي أبي بكر محمد ابن عاصم الغرناطي (٧٦٠ هـ - ٨٢٩ هـ)
تأليف
أبي الطيب مولود السريري

1 / 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
خطبة الشارح
الحمد لله رافع الأقدار بالأقدار، ومنيل المرجو من الحاجات والأوطار، والموفق لموافق الخير من الأبرار، والمضل لمن ضل من ذوي الأوزار والأشرار، منزل الشرائع ذات الحكم والأسرار، فقرت بها وحقت مصالح الخلق على مدى الأزمان، والأعصار، باعث الرسل مصادر الأنوار، وأئمة الهدى القادة الأخيار، الذين ختموا بمن نظمت رسالته الأوطان والأقطار، في سلك الهداية وإزالة الغشاوة عن البصائر والأبصار، محمد بن عبد الله ﷺ ما قرت عين المتهجد بنفحات الأسحار، وتعطرت مجالس الفضلاء بطيب المذاكرة والأذكار، وعلى آله من أذهب عنهم الرجس فكانوا من الطيبين والأطهار، وعلى آله المجاهدين من المهاجرين والأنصار، ومن لحق بجمعهم فنشط من عقال جحد الحق والإنكار، وانضم إلى أمة هذا النبي المختار.
أما بعد:
فإن العلوم إذا قرنت بخشية مالك الملك رب الأرباب أردية أولى الألباب، وحلية أهل الفضل والمراتب العلى بلا ارتياب، إذ يجزى عنها بدرك حسن المئاب، والإنجاد من العذاب والتباب، ورفع القدر يوم الحساب، ودرك الجزاء والفضل والثواب، وغير ذلك من المنح والعطايا التي نص عليها في السنة والكتاب.
وبذلك انكب أولو الأيدي والأبصار، وذوو النهى والأنظار على طلبها بالدرس والمدارسة آناء الليل وأطراف النهار، وعكفوا على قنص فوائدها

1 / 3

ومسائلها من الدواوين والأسفار، آخذين لها مهذبة مصححة من أفواه الراسخين في العلم مستنيرين بالقواعد العلمية في مجاري النظر والاعتبار، معملين لها بمهارات واقتدار، حتى قامت بهم الملكات العلمية قيام النار بالمرخ والعفار والماء بالأنوار والأزهار، فسالت أودية أذهانهم بالعلوم الغزيرة وأثمار الأنظار، ودقائق المعاني بلا حد ولا انحصار، ثم أودعت في بطون الصحائف والزبر مرشدة إلى الهدى والإبصار، تمنح من أتاها بلا من ولا إقتار، ورغبة مني - وأنا العبد الفقير، الذي لا يعد في ميدان العلوم من العير ولا من النفير - في خدمة ما تيسرت خدمته من نتاج وغلات هؤلاء العلماء، وفي الانتساب إلى السير على سبيلهم بوجه ما، سعيت إلى أن أضع شرحا على منظومة العلامة الشيخ القاضي محمد بن محمد أبي بكر القيسي الغرناطي، التي سماها "نيل المنى في نظم الموافقات" للإمام الشاطبي - رحمه الله تعالى - وهو هذا الشرح الذي أمامك أيها القارئ الكريم، دعاني إليه ما ذكرت والطمع في نيل أجر ناشر العلم، ثم ما بدا إلي من أن منفعة ما تحصل لطلبة العلم الشرعي بذلك، ومن أن هذا الأمر قد يكون فيه حفظ ونشر لها للاستفادة منها على وجه أتم، وأحسن.
وأما النهج المسلوك في هذا الشرح فإنه يرد ذكره - بإيجاز - في المقدمة الموالية -: مقدمة الشرح.
أسأل الله العلي العظيم بأسمائه الحسنى أن يجعل هذا العمل عملا متقبلا عنده بقبول حسن، وسعيا مدخرا تقر به العين يوم الدين.

1 / 4

المقدمة
من المقطوع به أنّ منتهى الطلب والغاية المعرفية من دراسة العلوم الشرعية وما به يقتدح زند العقل وتتسع به مدارك الأنظار وتظهر به جميع جهات المنظور فيه على تمام، وما به تتصور ماهيته كما هي في واقع الأمر، وتنكشف به الأغراض من الكلام وتظهر به، هو تحصيل النظر الفقهي المستتم في المنظور فيه، حكما كان، أو دليلا، أو محكوما عليه، أو محكوما فيه، أو علة حكم، أو حكمة، أو مقصدا شرعيا، وإدراك الحكم الصحيح على ثلَج صدْرٍ وطمأنينة نفس. وأنت خبير بأن ما يصيب النظر من الآفات ويجره إلى التعسفات كثير، قد انتشر منه تقصير الأنظار على جهات في موطن النظر، والانكفاف عن اعتبار ما سواها وإن كانت جديرة بالاعتبار، وسحب مقتضى السبر عليها بل وإن كانت أقوى وأرجح ما اعتبر واعتد به، وذلك قد يكون عن جهل أو قلة اطلاع، وقصور في الإدراك، وقد يكون عن هوى ورعونات في الأنفس، وغلبة الشهوات وهذا أدهى وأمرّ.
وكل ذلك لا يذهب غِشاوتَه ثم يمتد إلى إزالة الأود في طريقة النظر وبناء الأحكام إلا تهذيب النفوس وترويضها بإرغامها على العمل بمقتضى القواعد العلمية والقيم السامية التي بها جَوْحُ الصوارف عن استداد عمل الأذهان واستقامته، وتزكية البواطن من أدرانها.
وقيام هذا الهذب بالنفوس يبديه حصول ملكة التصرف في هذه العلوم في النفس وصيرورتها قائد النظر وحركة الذهن، وما به الترقي إلى درك التصور الصحيح، والحكم الصائب. وأي امرئ يكون ذهنه خِلْوًا من هذا فإنه لا يثمر إلا حشفا ودقلا من الأفكار والآراء لا مبالاة بها عند أهل التحقيق، والعقول الراجحة القوية الإدراك.
وإذا تقرر هذا لديك، أدركت أنه لا مناص في سبيل درك تلك الغاية من الارتواء من هذه العلوم وتلقيها باستيعاب وتمام تحصيل.
والطريق الأحب إلى ذلك هو ليُّ الركب والانكباب على دراسة ما انطوت

1 / 5

عليه بطون الأسفار من أثمار أنظار أولي النهى، ومن قواعد وضوابط وقيم يهتدى بها إلى استخراج مضامين مآخذ الأحكام، ومكنونات الأدلة، وتتقوم بها الأنظار وتستقيم بها على المنهج المسترشد فيه بمعالم وأعلام ثابتة بالبراهين الشرعية والعقلية والعادية التي تزول الراسيات ولا تزول هي، كما تحرر بها الأذهان من ضيق الإدراك وقصر النظر وغلبة المزاج وقهر العوائد الصارفة عن الاعتبار التام الواسع الشامل لكل ما تقتضي العقول الراجحة وواقع الحال جريان حكم الاحتمال المعتبر عليه.
ومن عيون هذه الأسفار "كتاب الموافقات " للإمام أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، وهو كتاب جليل القدر عالي المستوى، قد أثنى عليه جمع من أهل الفضل والعلم، وحلوه بما هو به جدير من أوصاف الشرافة وعظم القدر، وحسن النظم وجمال السبك، وكثرة غلل الأنظار، والجمع بين اعتبار اللفظ الشرعي والمقاصد الشرعية والأسرار، وغير ذلك مما قام به من أوصاف وأحوال، ذكرها من تقدموا، فلا حاجة إلى اجترار ذكرها في هذا المقال.
غير أنه يجب أن نسوق للإفادة ما به يتصور حال هذا الكتاب في الأذهان من ملامح ومميّزات قامت به في بنائه وفيما يصوغ عليه نفوس من ارتووا منه عقولهم من صورة في شأن فهم وضع الشريعة، وفي بناء أحكامها وما يتعلق بذلك. والقول الجملى في ذلك إن هذا الكتاب متضمنه: التنبيه على وجوب الاعتناء بأمور وقعت الغفلة عنها، والتغيير لمفاهيم يجب أن تتغير، والإضاءة لمسالك فقهية معتبرة ينبغي أن تسلك. والأخذ بأمور تربي على ضبط النظر والفهم، وأمور تحمي من سلطان رعونات النفوس وقهر أمزجتها.
هذه أهم ملامح هذا الكتاب بإيجاز وإجمال وَمن تشوّف إلى التفصيل فإن له ملامح تفصيلية متعدّدة:
أحدها: إبرازه لكون دليل العناية جاريا في الأحكام الشرعية وبنية الشريعة فهو قائم بها.
فالعناية الإلهية تخالل وضع الشريعة وتركيبها وما هي عليها من حال.
وَهذا مدرك بأدنى تأمل في كونها موضوعة على صورة روعيت فيها أحوال

1 / 6

الخلق كلها بحيث وضع لكل حال منها السبيل الموافق له إصلاحا، وتعبدا، كما اعتبر فيها وضع السبيل الذي بسلوكه يجمع بين الأخذ بالحظوظ النفسية المباحة، والإتيان بالواجبات الشرعية، بحيث يعطى لكل ذي حق حقه من غير إفراط ولا تفريط.
وهذا يوخذ منه أمران:
أ - أن دليل العناية كما هو قائم بالخلق، فإنه - كذلك - قائم بهذه الشريعة، فكلاهما قام به برهان عقلي يقضي بأن هذا كله تقدير العزيز العليم.
ب - أن هذه الشريعة مبنية على وفق طبيعة الخلق الظاهرة والباطنية، ولعل هذا من الأسرار الموجبات لخلود هذا الدين، وانتشاره، وجريان حلاوة شعائره وشرائعه في النفوس.
ثانيها: ضبط معاني ومفاهيم الألفاظ التي تتعلق بها أحكام شرعية وحد ماهياتها، ويسلك في ذلك مسلك الذكر لكل معنى يستعمل فيه اللفظ الذي قصد إلى ضبط مفهومه الشرعي، باسطا في ذلك الكلام على وفق ما يقتضيه المقام وعلى قدر ما يتضح به المراد، ثم بعد ذلك يذكر ما به الحكم الشرعي من المعاني قاصدا إلغاء اعتبارها في هذا الشأن - تعلق الحكم الشرعي - والى إبقاء المعنى الذي يتعلق به الحكم الشرعي مبينا ذلك بالحجة والبرهان، على طريقة السبر والتقسيم المعروفة.
وهذا ما جرى عليه - رحمه الله تعالى - في لفظ "المشقة" و"الصحة" و"البطلان" و"الرخصة" و"المصلحة" و"المفسدة" وما ماثل ذلك من الألفاظ من جهة تعلق الأحكام الشرعية بها.
وما أتى به - رحمه الله تعالى - في هذا الشأن يزول به الغبش على البصيرة فيه، وتنفصل به المعاني بعضها عن بعض، كما يظهر التباين والاختلاف بين أحكامها على ثلج صدر، وصفاء نظر، وبذلك يعلم موطن الحكم الشرعي في ذلك مما سواه بينا واضحا.
وأنت خبير بأن ما يوقع في الحيرة والخطأ هو الجهل بمفاهيم ومعاني الألفاظ الشرعية التي تدل على معان وصفية تتعلق بها الأحكام الشرعية.

1 / 7

فالمشقة - مثلا - تطلق على صفات متعددة متفاوتة متنوعة، والرخصة لا تتعلق إلا بتوع معين منها وهو الحرج المرفوع - فمن جهله فإما أن يقول بالرخصة في غير محلها الشرعي، وإما أن ينكر جريانها في موضع هي مشروعة فيه، وهذا الحال يسري على جميع ما تتعلق به الأحكام الشرعية من الألفاظ من هذا النوع، ومن أخطوها وأهمها "المصلحة" و"المفسدة"، فضبط معنى هذين اللفظين ينير الطريق في شأن بناء الأحكام على المقاصد، فكان الضبط لها من الأمور المنيرة لسبيل التفقه في هذا الدين العظيم.
ثالثها: توسيع البحث والنظر ومده إلى جميع جهات وأحوال الموضوع المبحوث والمنظور فيه على استقصاء وتمام تفصيل، وكل ذلك قد نظم في سلك منهجي يقتضيه واقع حال ذلك الموضوع. وقد اعتمد سبيل التوسيع هذا في كل موضوع درسه في هذا الكتاب، ويظهر ذلك باهرا لفرط تشعبه في مواضع معينة كالأحكام، والأسباب، والشروط، والألفاظ التي تتعلق بها أحكام شرعية ومعنى الاجتهاد الذي جعله أنواعا، فوسعه بذلك. والأحلى والأجمل من ذلك أنه - أي الشاطبي - رحمه الله تعالى - يذكر الثمرات الفقهية والشرعية التي تؤخذ من كل جهة درست من تلك الجهات، ثم أنه يمد نظره وبحثه إلى ما يكون من أثمار الأنظار في ذلك مستشكلا، ثم يذكر وجه الاستشكال في ذلك وموجبه، ثم الوجوه النظرية والأدلة التي يكون بها تخريج الحكم في ذلك على سبيل ووجه ينفصل به عن ذلك الإشكال.
وهذا كله من الثمرات المعرفية المجتناة من الاطلاع على ما سطره - رحمه الله تعالى - في هذا الموضوع.
رابعها: التنبيه والاستحثاث على وجوب اعتبار واستحضار أحوال القلوب ومقاصدها في مجاري بناء الأحكام الفقهية، وذلك لأن القلب تجري على أفعاله الأحكام الشرعية كما تجري على سائر الجوارح، ثم أنه بما قام به من حال وقت كسب العمل بالجوارح يعرف حكم ذلك العمل ومنزلته.
وقد بسط الشاطبي - رحمه الله تعالى - القول في هذا الشأن، فما فتئ ذاكرًا له في كل موضع يتأتى له فيه ذكره، كما بين على تفصيل.

1 / 8

إنّ موافقة قصد المكلف للقصد الشرعي من شرعية الحكم في العمل هو ما به يصح ذلك العمل شرعا، ويكون به التقرب لله رب العالمين، وإن مخالفة قصد المكلف للقصد الشرعي عينا في ذلك مثمر للفساد والإثم.
وإن ما يكون مخالفا على وجه ليس فيه المخالفة العينية هو محل خلاف ونظر فقهي، فالمدار في الحكم فيه على الترجيح، وبهذا تعرف أحوال القصد المصاحب للعمل وأحكامه، ولا يخرج قصد عن هذه الأقسام.
وهذا إدراكه يثمر في النفس أمورا منها:
أ - وجوب طلب العلم بالقصد الشرعي على المكلف في كل عمل عزم على إتيانه، حتى يعلم ما يأتي وما يذر من المقاصد التي تعرض في النفس وتقوم بها.
ب - وجوب إلزام النفس بالموافقة للشرع في ذلك وترويضها عليه.
ج - كسب التبصر بأحكام القصود، وأحوالها والعلم بما يكون الحكم فيه منها معلوما قطعا، وما يكون فيه منها محل اجتهاد ونظر.
د - استفراغ الجهد في ربط القصد الشرعي بقصد المكلف في العمل، والنظر، وجعل ذلك أمرا لا ينفك عن البال في بناء الأحكام والعمل.
والمتأمل لكلام الشاطبي في هذا الكتاب، يجد هذا الأمر من أهم ما يسعى إلى نقل العقول إلى اعتباره والاعتناء بأمره.
خامسها: ضبط سبيل النظر في النصوص الشرعية وأخذ الأحكام منها وذلك بالالتزام والتقيد بحدود اللسان العربي، والانكفاف عن تخطي ذلك.
وهذا أمر قد احتج عليه بما يراه من الأدلة والحجج مثبتا له، غير أن هذا مشعر بتأثر الشاطبي بالظاهرية في هذا الشأن إذ يلمح في سبيله في هذا الموضوع ضرب من الحَجْر على النظر واتصاف بالجمود.
لكن هذا الحكم الذي يسبق إلى الأذهان في أول النظر إلى هذا الموضوع يزيله ما جرى عليه من البحث عن أسرار الشريعة وعللها ثم ما جرى عليه من منهج في اختياره لهذا الرأي، فإنه ما أتاه إلا عن اطلاع عن الأدلة التي يعتمد

1 / 9

عليها في ذلك ونظر تام في قوتها الحجية، ثم لما بدا له أن نظره ما قضى إلا بذلك ذكره. وقد يكون غرضه من ذلك الذي يظهر أنه جمود وحجر على الأنظار هو صد أصحاب الأهواء والضلالة الداعين إلى تخطي ظواهر الألفاظ والأخذ بما يسمونه ببواطنها وأسرارها الخفية التي تدرك بالإشارات التي لا يفهمها إلا ذوو العلم "اللدني" والإلهام.
وهذا أمر محمود، فإن درء المفسدين عن حياض الإسلام وحرمه أمر واجب شرعا.
فالباطنية شرهم عظيم، ومكرهم خبيث وهم ما فتئوا في كل زمان ومكان يكيدون لهذا الدين.
وهذا الضبط يثمر في النفس لمن عنّ له أنه الصواب إدراك المنهج الموصل إلى أخذ الأحكام من أدلتها على الوجه الصحيح.
سادسها: كشف المعتبرات والمستندات الفقهية لآراء فقهية وتصرفات وأعمال عدت خارجة عن القواعد التي يقتضى حالها جريان حكمها عليها، وعن الأدلة الشرعية الشاملة أحكامها لها. وهذا متجل في مواطن:
أحدها: التوجيهات الفقهية التي يوردها بيانا وحججا على صحة تصرفات وأحوال من يسميهم بأرباب الأحوال - الصوفية -. وقد بني نظره في هذه الجزئية على أمر اختلاف أحوال النفوس، وخصائص البواطن التي يترتب عليها اختلاف القوة والضعف في إتيان الأعمال، وفي السبل المختار سلوكها في التعبد، فالمسوقون بالخوف أو المحبة أو ما يسهل عليهم مشقة العبادة من رجاء وطمع في نيل درجات التقرب لرب العالمين ومقامات الأبرار يسلكون السبيل الذي يوافق أحوالهم، فذهابهم إلى المشقة واختيار العزائم في مواطن الرخصة المباحة لا يضير أمره، بل هو فعل محمود لأنه لا تترتب عليه أي مفسدة شرعية.
وأما من ليس مثلهم في ذلك وإنما يأتي العبادة امتثالا وحظوظه النفسية غالبة عليه فإنه سلك السبيل الذي يجمع به بين تحصيل حظوظه المباحة، والالتزام بعبادة ربه.
والاعتناء بأمور البواطن واختلافها والأخذ بمقتضاها في بناء الأحكام

1 / 10

يستحث الشاطبي - رحمه الله تعالى - على عدم الغفلة عنه فهو موضوع بسط فيه الكلام إذ له به فريد عناية واهتمام للغفلة عن اعتباره والعناية بأمره - كما يرى -.
ثانيها: التوجيه والتخريج الفقهي الذي أورده في شأن ما ذهب إليه المالكية من صحة بيوع وأنكحة فاسدة، والذي بناه على اعتبار ورود وصف آخر على محل الحكم أوجب صحة تلك الأنكحة والبيوع وترتب آثارها.
وهكذا حال المغصوب فإنه قد يملك من جهة تعلق حق الغاصب به بتصرفات له فيه.
ثالثها: إظهاره لوجه صحة نكاح المحلل عند من يرى ذلك، والذي بني على أن السبب الشرعي لا يوثر فيما يترتب عليه القصد غير الشرعي وغير ذلك مما ذكره في هذا الشأن.
وغير ذلك من المسائل التي وجه آراء أهل العلم فيها وكان ذلك غامضا إلا على غائص في بحر النظر من أهل العلم مثله.
والاطلاع على هذه التخريجات والتوجيهات الفقهية يثمر في النفس ويوح في الأذهان أن تلك الآراء الفقهية التي قد ترى ساقطة الاعتبار لأنها لا مستند لها في واقع الأمر ما تخرج عليه من الاعتبارات والقواعد الفقهية.
وهذا يذهب الظن السيئ بالقائلين بهذه الآراء من أهل العلم.
ثم أنه يروض النفس على احترام الرأي الفقهي إذا كان من عالم، وإن كان يخفى علينا مستنده ودليله.
وكذلك يوسع الاطلاع على مدارك الأحكام والاعتبارات الفقهية الدقيقة.
سابعها: بيان أحوال المقاصد الشرعية ومنها: (أي تلك الأحوال) كونها منقسمة إلى أصلية وتبعية. وبذلك فإن القاصد لأحد القسمين يصح عمله إلا أن القصد إلى الموافقة الشرعية في الأصلية يكسب الثواب والأجر دون التبعية، فإن أقصى ما تثمره صحة الفعل ودرء البطلان. وقد كرر ﵀ هذا الأصل إشعارا منه بعظم فائدته، ومنفعة الاستضاءة به في بناء الأحكام الفقهية.

1 / 11

Sharh Nayl al-Muna fi Nadhm al-Muwafaqat lil-Shatibi | اصول