شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة
شرح كتاب الجامع لأحكام العمرة والحج والزيارة - آداب السفر [١]
للسفر آداب ينبغي للمسلم أن يتحلى بها، سواء كان هذا السفر للحج والعمرة والغزو أو غير ذلك من الأسفار المباحة، والسفر مدرسة لتلقي الصبر والحلم والرفق بالغير؛ لأن السفر فيه مشقة، فجدير بالمسلم أن يتعلم الآداب من مدرسة السفر، حتى ينال الأجور العظيمة.
1 / 1
آداب السفر للحج والعمرة وغيرهما
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
الأدب في الحج والعمرة والسفر هام جدًا، فكل إنسان يحب أن يخرج مسافرًا في حج أو عمرة أو زيارة ينبغي له أن يتعلم آداب السفر التي جاءت في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكما جاء عن النبي ﷺ: (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة).
فالمؤمن الذي يحج أو يعتمر يحاول قدر المستطاع أن يتقن في عمله، وأن يخلص، وألا يسيء إلى أحد في سفره، فلا يسيء إلى نفسه ولا إلى غيره.
قال الله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، فهذه آداب قرآنية يذكرها الله ﷿ لنا فيقول: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧]، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة.
قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة:١٩٧] أي: من ألزم نفسه بالحج بأن يعقد النية في قلبه، وبالتلبية على لسانه، وبلبس الإحرام في أشهر الحج، قال تعالى: «فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ»، فهنا ربنا سبحانه يذكر صيغة النفي هنا: (لا رفث)، ومعناها النهي، أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج.
والرفث: هو الجماع أو التعرض للنساء، أو ذكر الجماع بحضرة الزوجة وغيرها من النساء، والفسوق: هي المعاصي كلها، والجدال المقصود: أن الإنسان لا يماري ولا يجادل رفيقه في السفر، فيزعجه ويؤذيه بذلك.
فقوله سبحانه: «وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ» قال أهل العلم: المراد بالآية النهي عن جدال صاحبه ومماراته حتى يغضبه، وظاهر الآية النفي ومعناها النهي، أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج، إلا أنه يجوز للإنسان أن يجادل دفاعًا عن كتاب الله، وعن سنة النبي ﷺ، وعن دين الله ﷿، فهذا أمر آخر، لكن كونه يجادل ليغضب صاحبه، أو يجادل لأنه يظن أنه متمكن ويعرف يتكلم وغيره لا يعرف، فهذا لا يجوز له في أثناء الحج، فقد نهى الله ﷾ عن ذلك.
والمؤمن يوطن نفسه على عدم الجدل لا في حج ولا في غيره، ولذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقًا) أي: لمن ترك الجدل حتى لو كان محقًا، فالمؤمن قدر المستطاع لا يكثر من الكلام ومن اللغو، ولا يجادل إلا إذا احتاج إلى ذلك لنصر دين الله ﷿.
1 / 2
الاستشارة
للسفر له آداب نذكر منها ما جاء في كلام الإمام النووي ملخصًا في آداب السفر، فقد ذكر آدابًا وفيها أدلة من الكتاب ومن السنة، فنذكر هذه الآداب لعظيم فائدتها ومنفعتها.
وعلى الإنسان المؤمن أن يربي نفسه بتعلم هذه الآداب، ولا قيمة لإنسان يتعلم علومًا شرعيًا ولا يعمل بها، أو يعرف أحاديث ويعرف آيات ولا ينفذ ما أمر به فيها، فالإنسان المؤمن يربي نفسه على طاعة الله، وعلى طاعة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعلى العمل بشرع الله سبحانه.
فمن آداب السفر: إذا أراد المسلم السفر لحج أو عمرة أو أي سفر من الأسفار استحب له أن يشاور من يثق بدينه وعلمه في سفره ذلك، فيستحب له أنه يستشير في الأمور التي يجهل مسالكها ويجهل أحوالها، فقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه قال: (المستشار مؤتمن)، فإذا استشارك إنسان في شيء فتنصح له كما تنصح لنفسك، وتحب لأخيك ما تحبه لنفسك، فالمستشار مؤتمن، والله ﷿ أمر النبي ﷺ أن يشاور أصحابه، وهم مأمورون بإعطاء المشورة الصادقة والنصيحة الصحيحة فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقال سبحانه: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وكان النبي ﷺ يشاور أصحابه ويشاورونه.
1 / 3
الاستخارة
إذا عزم المرء على السفر استخار الله ﷾، فيصلي ركعتين من غير الفريضة، ويدعو بدعاء الاستخارة الذي نحفظه عن النبي ﷺ وفيه: (اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -وتذكر الأمر الذي ستخرج له أو الذي تريده- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به، قال: ويسمي حاجته)، فيستخير الله سبحانه، فإذا ترجح في نفسه أمر من هذه الأمور، بأن ترجح له أنه يسافر في طائرة، أو يسافر في باخرة، أو يسافر في سيارة، فليسافر كما يشاء الله ﷾.
ولا يشترط في صلاة الاستخارة أن يرى رؤيا، كما يظن الكثيرون أنه لابد أن يرى رؤيا، فلم يأت عن النبي ﷺ لا رؤيا ولا غيرها، ولكن قد يرى المرء رؤيا تشجعه على هذا الأمر أو تحسن له هذا الأمر، فيستريح نفسيًا، ويمضي في الشيء فيجده ميسرًا ومسهلًا، فعلى ذلك ينفذ الاستخارة ونفسه مطمئنة لأمر من الأمور.
1 / 4
التوبة إلى الله تعالى ورد المظالم وقضاء الديون
إذا استقر عزم المرء على السفر لحج أو لعمرة أو لغيرها فينبغي أن يبدأ بالتوبة إلى ﷾؛ لأن المسافر قد يرجع وقد لا يرجع، والدنيا سفر إلى الآخرة، فيتذكر بسفره هذا سفره في هذه الدنيا إلى الله ﷿ إلى الآخرة، فيتوب إلى الله ﷾، ويرد المظالم إلى أصحابها إذا كان قد ظلم إنسانًا، ويخرج عن هذه المظالم ويعيدها إلى أهلها، ويقضي ما عليه من ديون، فإذا لم يقض ولم يقدر على القضاء ولم يتمكن من ذلك يكتب ذلك ويشهد على ذلك: علي ديون لفلان وفلان، ويكتب وصيته بهذا الشيء، ويوكل من يقضي عنه الدين إذا لم يتمكن من الرجوع، أو حدث له حادث في سفره ذلك.
1 / 5
استئذان الوالدين عند إرادة السفر
ينبغي للمرء أن يسترضي والديه عند إرادة السفر، فإذا تعين عليه الحج أو العمرة أو غيرهما من الأسفار وصار هذا السفر فرض عين عليه فيستحب أن يستأذن الوالدين، لكن إذا لم يكن فرض عين عليه فيجب عليه أن يستأذن الوالدين، ولهما أن يمنعاه مما ليس واجبًا عليه.
فإذا كان قد حج قبل ذلك وأراد أن يحج مرة ثانية حج تطوع وليس فريضة، فلابد من إذن الوالدين في ذلك، أما إذا كان حجه وعمرته فرض عين عليه فعلى ذلك يستأذن والديه استحبابًا حتى يرضيهما.
1 / 6
النفقة الحلال
ينبغي للمرء أن يحرص أن تكون نفقته حلالًا إذا خرج لحج أو لعمرة أو لسفر في غزوة وغيرها، فلا ينفق من حرام، والإنسان الذي ينفق من حرام جاء في حديث النبي ﷺ أنه عندما يرفع يديه إلى الله بالدعاء لا يستجاب له، فيقول: (يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له؟) أي: كيف يستجاب له على ذلك؟ فالذاهب للحج أو للعمرة ذاهب ليغفر الله ﷿ له ذنوبه، ذاهب ليقول: لبيك اللهم لبيك، فهو ينتظر المغفرة، فإذا كان طعامه، وشرابه، وماله ويقول: يا رب! يا رب! فكيف يستجاب له؟! إذًا: ينبغي له أن ينقي ماله من الحرام وأن يخرجه من ماله فيتصدق به إذا لم يعرف صاحبه، أما إذا كان له صاحب فيعيد المال إلى صاحبه، ويحج بنفقة حلال.
كذلك لو أنه حج أو اعتمر أو غزى بمال حرام، من مهنة محرمة، أو بمال كان مغصوبًا عنده، فيجب عليه أن يعيد هذا المال إلى صاحبه، لكن هل حجه يكون صحيح أو ليس صحيحًا إذا حج بمال حرام؟ هناك فرق بين أن يكون العمل صحيحًا، وبين أن يكون مقبولًا، فهو صحيح بمعنى أنه سقط عنه الفرض، ولا يلزم بإعادته مرة ثانية، هذا هو الصحيح، لكن المقبول بمعنى أنه يعذب وقد لا يقبل الله ﷾ العمل؛ لأن النبي ﷺ قال: (فأنى يستجاب له؟) إذًا: فهذا الإنسان ليس عليه أن يحج مرة ثانية، لكن لا نقول: إن حجه مقبول عند الله ﷿؛ لأنه لم يذكر لنا النبي ﷺ أن مثل هذا الإنسان يقبل عمله، بل قال: (فأنى يستجاب له؟).
أما الحديث الذي جاء عنه ﷺ وفيه: (من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله ﷿: لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك) فهذا حديث ضعيف، لكن قد يحبس دعاؤه للحديث الآخر الذي قال النبي ﷺ فيه: (فأنى يستجاب له؟)، والحج كله دعاء، فهو يقول: ليبك ويدعو ربه سبحانه، ويقف عند الصفا وعند المروة ويدعو الله، ويطوف بالبيت ويدعو الله، ويقف في عرفات ويدعو الله، والمناسك كلها توحيد وذكر لله سبحانه ودعاء.
1 / 7
حمل الزاد والإكثار منه
يستحب للمسافر في حج أو غيره أن يحمل معه الزاد وأن يستكثر منه، فهذا من أدب السفر؛ لأنه في أثناء الطريق يحتاج إلى الطعام والشراب، فيستحب أن يستكثر من ذلك؛ لأنه قد يجد مسكينًا محتاجًا، وقد يجد رفيقًا فيهدي إليه، فتؤجر على ذلك.
وليكن زاده طيبًا، لقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فلابد أن يطيب طعامه وشرابه وزاده ويخرج في الطريق ومعه شيء زائد ليعطي من في الطريق ممن يحتاجون إلى ذلك.
1 / 8
ترك المساومة في البيع في أمور العبادة
يستحب للمسافر ترك المساومة فيما يشتريه لأسباب سفره في حجه وعمرته، والإنسان من طبيعته المساومة، حتى لو كانت السلعة تسوى الثمن الذي تباع به، وهذا المال الذي ينفقه في حجه وفي عمرته هو مأجور عليه.
وليس المعنى أن الإنسان يكون ساذجًا مغفلًا في بيعه وشرائه فيخدع، ولكن لا يعود نفسه كثرة المساومة، وقد يكون عارفًا ثمن السلعة، لكن يعجبه المساومة، وقد يعرف أن البائع لا ينقص من الثمن فيظل يساوم، فإذا كان لأمر من أمور الحج أو العمرة أو لأمر العبادة فلا يستحب المساومة في ذلك؛ لأنه كلما زادت النفقة كلما زاد الأجر من الله ﷿، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال لـ عائشة ﵂: (إنما حجك على قدر نفقتك وتعبك).
1 / 9
عدم مشاركة الغير في الزاد والنفقة
يستحب للمسافر ألا يشارك غيره في الزاد والراحلة والنفقة؛ لأن المشاركة مع الغير تدفع الإنسان إلى الشح، لكن عندما يكون مالك معك وجاء فقير فمن السهل أن تعطيه، لكن عندما يكون مالك مع مال المجموعة التي معك فستقول له: حتى يرضوا، فلا تدفع لا من مالك ولا من مال غيرك، فلذلك يستحب للإنسان ألا يشارك في مجموع المال، ولكن يجوز أن يأكل ويشرب مع غيره، بأن يجمعوا الأكل ويجلسوا للطعام معًا، فهذا جائز، لكن كونه يشارك غيره في الراحلة والزاد والنفقة بمعنى أنهم يجمعون النقود ويجعلونها مع واحد منهم، فإذا جاء إنسان فقير يسأل فيكون المسئول عن الرحلة هو الذي يعطيه، ولعل المسئول عن الرحلة يبخل، ولعلك تريد أن تعطي، لكن لما كان مالك مع غيرك بخلت وبخل هذا الغير.
أما اجتماع الرفقة على طعام يجمعونه في كل يوم، فهذا حسن ولا شيء فيه، وهو غير المسألة التي نتكلم عنها، فقد جاء عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده: (أن أصحاب النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله! إنا نأكل ولا نشبع، فقال النبي ﷺ: فلعلكم تفترقون، فقالوا: نعم، قال: فاجتمعوا على طعامكم، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم فيه)، فكأن من السنة في وقت الطعام أن تجتمع المجموعة ليأكلوا جميعًا، خاصة إذا كان الطعام قليلًا، فالله ﷿ يبارك في الطعام القليل بسبب الاجتماع عليه.
1 / 10