شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك
شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك
ایڈیٹر
طه عبد الرءوف سعد
ناشر
مكتبة الثقافة الدينية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1424 ہجری
پبلشر کا مقام
القاهرة
[خطبة الشارح]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
خُطْبَةُ الشَّارِحِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْلَعَ شُمُوسَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي سَمَاءِ السَّعَادَةِ، وَأَشْرَقَ أَقْمَارَ صَنِيعِهِمْ فِي أَرْقِعَةِ مَرْفُوعَاتِ السِّيَادَةِ، وَوَصَلَ حَبْلَ انْقِطَاعِهِمْ إِلَيْهِ فَأَدْرَجَهُمْ مَعَ الصِّدِّيقِينَ وَأَثَابَهُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً، وَأَرْسَلَ فِينَا رَءُوفًا رَحِيمًا بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ الْمُنْقَادَةِ، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ عَلَى تَوَاتُرِ آلَائِهِ رَاجِيًا الزِّيَادَةَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ الْمُرْسَلُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فَوَطَّأَ الدِّينَ الْمَتِينَ فَاقْتَبَسْنَا الْهُدَى مِنْ كَوَاكِبِ أَنْوَارِهِ الْوَقَّادَةِ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ نُجُومِ الْهُدَى الْفَائِزِينَ بِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ الْحَسَنِ فَسَلْسَلَ عَلَيْهِمْ إِسْعَادُهُ، فَوَقَفُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَى نَصْرِ شَرِيعَتِهِ وَمَهَّدُوا إِرْشَادَهُ، صَلَاةً وَسَلَامًا أَرْجُو بِهِمَا فِي الدَّارَيْنِ قُرْبَهُ وَإِمْدَادَهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْعَاجِزَ الضَّعِيفَ الْفَانِيَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ يُوسُفَ الزَّرْقَانِيَّ لَمَّا مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ الْمُوَطَّأِ بِالسَّاحَاتِ الْأَزْهَرِيَّةِ، وَكَانَ الِابْتِدَاءُ فِي عَاشِرِ جُمَادَى الْأُولَى لِسَنَةِ تِسْعٍ بَعْدَ مِائَةٍ وَأَلْفٍ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، بَعْدَمَا هُجِرَ بِمِصْرَ الْمَحْمِيَّةِ، حَتَّى كَادَ لَا يُعْرَفُ مَا هُوَ، كَتَبْتُ عَلَيْهِ مَا أَتَاحَهُ لَهُ ذُو الْمِنَّةِ وَالْفَضْلِ، وَإِنْ لَمْ أَكُنْ لِذَلِكَ وَلَا لِأَقَلَّ مِنْهُ بِأَهْلٍ؛ لِأَنَّ شُرُوحَهُ وَإِنْ كَثُرَتْ عَزَّتْ بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ مِنْهَا فِي بِلَادِنَا إِلَّا مَا قَلَّ وَجَعَلْتُهُ وَسَطًا لَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، وَأَتَيْتُ فِي ضَبْطِهِ بِمَا يَشْفِي - لِلْقَوَاصِرِ مِثْلِي - الْغَلِيلَ، غَيْرَ مُبَالٍ بِتَكْرَارِهِ كَبَعْضِ التَّرَاجِمِ لِمَا عُلِمَ مِنْ غَالِبِ حَالِنَا مِنَ النِّسْيَانِ، ثُمَّ إِنِّي لَا أَبِيعُهُ بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ بَلْ هِيَ كَثِيرَةٌ لَا سِيَّمَا لِأَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ، لَكِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَاسِدٍ يَدْفَعُ بِالصَّدْرِ، فَهَذَا لِلَّهِ لَا لِزَيْدٍ وَلَا لِعَمْرٍو، وَاللَّهُ أَسْأَلُ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ، مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ بِحَبِيبِهِ الْكَرِيمِ، أَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ وَيُسَهِّلَ بِالتَّمَامِ، وَأَنْ يَجْعَلَهُ وُصْلَةً إِلَى خَيْرِ الْأَنَامِ، وَأَنْ يَأْخُذَ بِيَدِي فِي الدُّنْيَا وَيَوْمِ الْقِيَامِ، وَيُمَتِّعَنِي بِرُؤْيَتِهِ وَرُؤْيَةِ حَبِيبِهِ فِي دَارِ السَّلَامِ.
1 / 51
وَحَيْثُ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الْحَافِظِ فَمُرَادِي خِتَامُ الْحُفَّاظِ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ.
وَاللَّهُ حَسْبِي وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ، مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَكُلَّ أَمْرِي لَهُ أَسْلَمْتُ وَفَوَّضْتُ.
1 / 52
[مقدمة الشارح]
عَنِ الْكِتَابِ وَمُؤَلِّفِهِ
مُؤَلِّفُ هَذَا الْكِتَابِ إِمَامُ الْأَئِمَّةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، يَنْتَهِي نَسَبُهُ إِلَى يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ قَحْطَانَ الْأَصْبَحِيِّ، جَدُّهُ أَبُو عَامِرٍ صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ. شَهِدَ الْمَغَازِي كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَلَا بَدْرًا، كَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ نَقْلًا عَنِ الْقَاضِي بَكْرِ بْنِ الْعُلَا الْقُشَيْرِيِّ، لَكِنْ قَالَ غَيْرُهُ: أَبُو عَامِرٍ جَدُّ مَالِكٍ الْأَعْلَى، كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَلْقَهُ، سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَهُوَ تَابِعِيٌّ مُخَضْرَمٌ. قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي " التَّجْرِيدِ ": لَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْإِصَابَةِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ. وَابْنُهُ مَالِكٌ جَدُّ الْإِمَامِ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ وَعُلَمَائِهِمْ، يَرْوِي عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَحَسَّانَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ حَمَلُوا عُثْمَانَ لَيْلًا إِلَى قَبْرِهِ وَغَسَّلُوهُ وَدَفَنُوهُ. يَرْوِي عَنْهُ بَنُوهُ: أَنَسٌ وَبِهِ يُكَنَّى وَأَبُو سُهَيْلٍ نَافِعٌ وَالرَّبِيعُ. مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرْفُوعًا: " «ثَلَاثٌ يَفْرَحُ لَهُنَّ الْجَسَدُ فَيَرْبُو عَلَيْهِنَّ: الطِّيبُ وَالثَّوْبُ اللَّيِّنُ وَشُرْبُ الْعَسَلِ» " أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ وَضَعَّفَهُ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ هَارُونَ الشَّامِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ بِهِ. وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي " الضُّعَفَاءِ " وَقَالَ: هَذَا لَمْ يَأْتِ بِهِ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ يُونُسَ، وَقَدْ أَتَى بِعَجَائِبَ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ. وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ، وَيُونُسُ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَهُوَ الْإِمَامُ الْمَشْهُورُ صَدْرُ الصُّدُورِ وَأَكْمَلُ الْعُقَلَاءِ وَأَعْقَلُ الْفُضَلَاءِ، وَرِثَ حَدِيثَ الرَّسُولِ، وَنَشَرَ فِي أُمَّتِهِ الْأَحْكَامَ وَالْفُصُولَ، أَخَذَ عَنْ تِسْعِمِائَةِ شَيْخٍ فَأَكْثَرَ، وَمَا أَفْتَى حَتَّى شَهِدَ لَهُ سَبْعُونَ إِمَامًا أَنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَكَتَبَ بِيَدِهِ مِائَةَ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَجَلَسَ لِلدَّرْسِ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَةَ عَشَرَ عَامًا، وَصَارَتْ حَلْقَتُهُ أَكْبَرَ مِنْ حَلْقَةِ مَشَايِخِهِ فِي حَيَاتِهِمْ، وَكَانَ النَّاسُ يَزْدَحِمُونَ عَلَى بَابِهِ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ كَازْدِحَامِهِمْ عَلَى بَابِ السُّلْطَانِ، وَلَهُ حَاجِبٌ يَأْذَنُ أَوَّلًا لِلْخَاصَّةِ فَإِذَا فَرَغُوا أَذِنَ لِلْعَامَّةِ، وَإِذَا جَلَسَ لِلْفِقْهِ جَلَسَ كَيْفَ كَانَ، وَإِذَا أَرَادَ الْجُلُوسَ لِلْحَدِيثِ اغْتَسَلَ وَتَطَيَّبَ وَلَبِسَ ثِيَابًا جُدُدًا وَتَعَمَّمَ وَقَعَدَ عَلَى مِنَصَّتِهِ بِخُشُوعٍ
1 / 53
وَخُضُوعٍ وَوَقَارٍ، وَيُبَخِّرُ الْمَجْلِسَ بِالْعُودِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى فَرَاغِهِ تَعْظِيمًا لِلْحَدِيثِ، حَتَّى بَلَغَ مِنْ تَعْظِيمِهِ لَهُ أَنَّهُ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُحَدِّثُ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً فَصَارَ يَصْفَرُّ وَيَتَلَوَّى حَتَّى تَمَّ الْمَجْلِسُ وَلَمْ يَقْطَعْ كَلَامَهُ، وَرُبَّمَا كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ انْصَرِفْ حَتَّى أَنْظُرَ، فَقِيلَ لَهُ فَبَكَى وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ لِي مِنَ السَّائِلِ يَوْمٌ وَأَيُّ يَوْمٍ، وَإِذَا أَكْثَرُوا سُؤَالَهُ كَفَّهُمْ وَقَالَ: " حَسْبُكُمْ مَنْ أَكْثَرَ فَقَدْ أَخْطَأَ "، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُجِيبَ عَنْ كُلِّ مَسْأَلَةٍ فَلْيَعْرِضْ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُجِيبُ، وَقَدْ أَدْرَكْنَاهُمْ إِذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ فَكَأَنَّ الْمَوْتَ أَشْرَفَ عَلَيْهِ، وَسُئِلَ عَنْ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَقَالَ فِي ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي، وَقَالَ: " يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُوَرِّثَ جُلَسَاءَهُ لَا أَدْرِي لِيَكُونَ أَصْلًا فِي أَيْدِيهِمْ يَفْزَعُونَ إِلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا شَكَّ فِي الْحَدِيثِ طَرَحَهُ، وَإِذَا قَالَ أَحَدٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَبَسَهُ بِالْحَبْسِ وَقَالَ: يَصِحُّ مَا قَالَ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَكَانَ يُقَامُ بَيْنَ يَدَيْهِ الرَّجُلُ كَمَا يُقَامُ بَيْنَ يَدَيِ الْأُمَرَاءِ، وَكَانَ مُهَابًا جِدًّا إِذَا أَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَهُ مِنْ أَيْنَ؟ وَدَخَلَ عَلَى الْمَنْصُورِ الْخَلِيفَةِ الْعَبَّاسِيِّ وَهُوَ عَلَى فَرْشِهِ وَصَبِيٌّ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فَقَالَ: تَدْرِي مَنْ هَذَا؟ هُوَ ابْنِي، وَإِنَّمَا يَفْزَعُ مِنْ هَيْبَتِكَ، وَفِيهِ أَنْشَدَ:
يَأْبَى الْجَوَابَ فَلَا يُرَاجَعُ هَيْبَةً وَالسَّائِلُونَ نَوَاكِسُ الْأَذْقَانِ
أَدَبُ الْوَقَارِ وَعِزُّ سُلْطَانِ التُّقَى فَهُوَ الْمُطَاعُ وَلَيْسَ ذَا سُلْطَانِ وَكَانَ يَقُولُ فِي فُتْيَاهُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ إِلَّا كُلَّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَرَّةً وَيَقُولُ: وَاللَّهِ قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ كَثْرَةِ تَرَدُّدِي لِلْخَلَاءِ، وَيُرْخِي الطَّيْلَسَانَ عَلَى رَأْسِهِ حَتَّى لَا يُرَى وَلَا يَرَى. وَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَقَالَ: فِي عُمُرٍ يَنْقُصُ وَذُنُوبٍ تَزِيدُ.
وَلَمَّا أَلَّفَ " الْمُوَطَّأَ "، اتَّهَمَ نَفْسَهُ بِالْإِخْلَاصِ فِيهِ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ وَقَالَ: إِنِ ابْتَلَّ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهِ فَلَمْ يَبْتَلَّ مِنْهُ شَيْءٌ.
ثَنَاءُ الْأَئِمَّةِ عَلَيْهِ كَثِيرٌ.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: رَحِمَ اللَّهُ مَالِكًا مَا كَانَ أَشَدَّ انْتِقَادِ مَالِكٍ لِلرِّجَالِ، وَكَانَ لَا يُبَلِّغُ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا مَا كَانَ صَحِيحًا، وَلَا يُحَدِّثُ إِلَّا عَنْ ثِقَاتِ النَّاسِ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ: مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ آمَنُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، وَلَا أُقَدِّمُ عَلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَحَدًا، وَمَا رَأَيْتُ أَعْقَلَ مِنْهُ، قَالَ: وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي السُّنَّةِ. وَالْأَوْزَاعِيُّ إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ وَلَيْسَ بِإِمَامٍ فِي الْحَدِيثِ. وَمَالِكٌ إِمَامٌ فِيهِمَا جَمِيعًا.
سُئِلَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ فَقَالَ: السُّنَّةُ هَاهُنَا ضِدُّ الْبِدْعَةِ، فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ وَلَا يَكُونُ عَالِمًا بِالسُّنَّةِ.
1 / 54
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا الزُّهْرِيُّ فَأَتَيْنَاهُ وَمَعَنَا رَبِيعَةُ فَحَدَّثَنَا بِنَيِّفٍ وَأَرْبَعِينَ حَدِيثًا، ثُمَّ أَتَيْنَاهُ مِنَ الْغَدِ فَقَالَ: انْظُرُوا كِتَابًا حَتَّى أُحَدِّثَكُمْ مِنْهُ، أَرَأَيْتُمْ مَا حَدَّثْتُكُمْ أَمْسِ أَيُّ شَيْءٍ فِي أَيْدِيكُمْ مِنْهُ؟ فَقَالَ لَهُ رَبِيعَةُ: هَاهُنَا مَنْ يُورِدُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثْتَ بِهِ أَمْسِ، قَالَ: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: ابْنُ أَبِي عَامِرٍ، قَالَ: هَاتِ فَحَدَّثْتُهُ بِأَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْهَا، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ بَقِيَ أَحَدٌ يَحْفَظُ هَذَا غَيْرِي.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: مَالِكٌ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ. زَادَ ابْنُ مَعِينٍ: كَانَ مَالِكٌ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مُجْمَعٌ عَلَى فَضْلِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا جَاءَ الْأَثَرُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ، وَإِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ الثَّاقِبُ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مَبْلَغَ مَالِكٍ فِي الْعِلْمِ لِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ وَصِيَانَتِهِ، وَمَا أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ مَالِكٍ، وَجَعَلْتُ مَالِكًا حُجَّةً بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ، وَمَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ الْقَرِينَانِ لَوْلَاهُمَا لَذَهَبَ عِلْمُ الْحِجَازِ، وَالْعِلْمُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةٍ: مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ.
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؟ قَالَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: لَوْلَا مَالِكٌ وَاللَّيْثُ لَضَلَلْنَا.
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ إِذَا ذَكَرَ مَالِكًا قَالَ: عَالِمُ الْعُلَمَاءِ، وَعَالِمُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمُفْتِي الْحَرَمَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمَّا بَلَغَتْهُ وَفَاتُهُ: مَا تُرِكَ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُهُ. وَقَالَ: مَالِكٌ إِمَامٌ وَعَالِمُ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَمَالِكٌ حُجَّةٌ فِي زَمَانِهِ، وَمَالِكٌ سِرَاجُ الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا كُنَّا نَتَّبِعُ آثَارَ مَالِكٍ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ حَنْبَلٍ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي الْعِلْمِ، وَقَالَ: هُوَ إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ. وَسُئِلَ عَنْ مَنْ تُرِيدُ أَنْ تَكْتُبَ الْحَدِيثَ وَفِي رَأْيِ مَنْ تَنْظُرُ؟ فَقَالَ: حَدِيثُ مَالِكٍ وَرَأْيُ مَالِكٍ.
وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي حَدِيثٍ: " «يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ عَالِمًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ» " أَخْرَجَهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا؛ نَرَى أَنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانُوا يَرَوْنَهُ، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: يَعْنِي سُفْيَانَ بِقَوْلِهِ: كَانُوا التَّابِعِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ نُظَرَائِهِ أَوْ مِمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سُفْيَانَ: كُنْتُ أَقُولُ هُوَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، حَتَّى قُلْتُ: كَانَ فِي زَمَانِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَسَالِمٌ وَغَيْرُهُمَا ثُمَّ أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ أَقُولُ إِنَّهُ مَالِكٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَاشَ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ نَظِيرٌ بِالْمَدِينَةِ.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: لَا يُنَازِعُنَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ؛ إِذْ
1 / 55
لَيْسَ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ إِمَامٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَيَقُولُ هُوَ إِمَامِي، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّهُ صَاحِبُنَا بِشَهَادَةِ السَّلَفِ لَهُ، وَبِأَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ قَالَ عَالِمُ الْمَدِينَةِ وَإِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ مَالِكٌ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عُلَمَائِهَا.
قَالَ عِيَاضٌ: فَوَجْهُ احْتِجَاجِنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: تَأْوِيلُ السَّلَفِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَالِكٌ وَمَا كَانُوا لَيَقُولُونَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ.
الثَّانِي: شَهَادَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَهُ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَقْدِيمِهِ، يَظْهَرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ إِذَا لَمْ تَحْصُلِ الْأَوْصَافُ الَّتِي فِيهِ لِغَيْرِهِ وَلَا أَطْبَقُوا عَلَى هَذِهِ الشَّهَادَةِ لِسِوَاهُ.
الثَّالِثُ: مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ طَلَبَةَ الْعِلْمِ لَمْ يَضْرِبُوا أَكْبَادَ الْإِبِلِ مِنْ شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا إِلَى عَالِمٍ وَلَا رَحَلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْآفَاقِ رِحْلَتَهُمْ إِلَى مَالِكٍ:
فَالنَّاسُ أَكْيَسُ مِنْ أَنْ يَحْمَدُوا رَجُلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجِدُوا آثَارَ إِحْسَانِ
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الْمُثَنَّى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: " مَا بِتُّ لَيْلَةً إِلَّا رَأَيْتُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا بِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ مَالِكٍ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكٌ؟ فَقَالُوا: هَذَا، فَجَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَقَالَ: (هَاتُوا مَالِكًا، فَأُتِيَ بِكَ تَرْعَدُ فَرَائِصُكَ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَكَنَّاكَ وَقَالَ: اجْلِسْ. فَجَلَسْتَ فَقَالَ: افْتَحْ حِجْرَكَ. فَفَتَحْتَ فَمَلَأَهُ مِسْكًا مَنْثُورًا. وَقَالَ: ضُمَّهُ إِلَيْكَ وَبُثَّهُ فِي أُمَّتِي. فَبَكَى مَالِكٌ طَوِيلًا وَقَالَ: الرُّؤْيَا تَسُرُّ وَلَا تَغُرُّ، وَإِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ فَهُوَ الْعِلْمُ الَّذِي أَوْدَعَنِي اللَّهُ.
وَلْنُمْسِكْ عِنَانَ الْقَلَمِ فَهَذِهِ لُمَعٌ ذَكَرْتُهَا تَبَرُّكًا وَتَذْكِرَةً لِلْقَاصِرِ مِثْلِي، وَإِلَّا فَتَرْجَمَتُهُ تَحْتَمِلُ عِدَّةَ أَسْفَارٍ كِبَارٍ، وَقَدْ أَفْرَدَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ بِالتَّصَانِيفِ الْعَدِيدَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَلَّفَ النَّاسُ فِي فَضَائِلِهِ كُتُبًا كَثِيرَةً.
وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ عَلَى الْأَشْهَرِ. وَقِيلَ: سَنَةَ تِسْعِينَ. وَقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ وَهِيَ الْعَالِيَةُ بِنْتُ شُرَيْكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَزْدِيَّةُ. وَقِيلَ: إِنَّهَا (طَلْحَةُ) مَوْلَاةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ ثَلَاثَ سِنِينَ عَلَى الْمَعْرُوفِ وَقِيلَ: سَنَتَيْنِ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَسَارِيُّ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ طَوِيلًا عَظِيمَ الْهَامَةِ أَصْلَعَ أَبْيَضَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ أَبْيَضَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ إِلَى الشُّقْرَةِ. وَقَالَ مُصْعَبُ الزُّبَيْرِيُّ: كَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْلَاهُمْ عَيْنًا وَأَنْقَاهُمْ بَيَاضًا وَأَتَمِّهِمْ طُولًا فِي جَوْدَةِ بَدَنٍ. وَقِيلَ: كَانَ رَبْعَةً، وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ.
1 / 56
مَرِضَ مَالِكٌ يَوْمَ الْأَحَدِ فَأَقَامَ مَرِيضًا اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَمَاتَ يَوْمَ الْأَحَدِ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ. وَقِيلَ: لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعِ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَقَالَ سَحْنُونٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ: تُوُفِّيَ مَالِكٌ وَهُوَ ابْنُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: بَلَغَ تِسْعِينَ سَنَةً، وَأَقَامَ مُفْتِيًا بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ سِتِّينَ سَنَةً. وَتَرَكَ مِنَ الْأَوْلَادِ يَحْيَى وَمُحَمَّدًا وَحَمَّادًا وَأُمَّ أَبِيهَا. قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ: وَيَحْيَى يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ نُسْخَةً مِنَ الْمُوَطَّأِ، وَيُرْوَى عَنْهُ بِالْيَمَنِ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَدِمَ مِصْرَ وَكَتَبَ عَنْهُ، حَدَّثَ عَنْهُ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، انْتَهَى.
وَلِمُحَمَّدٍ ابْنِ الْإِمَامِ ابْنٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ سَمِعَ جَدَّهُ مَالِكًا وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، ذَكَرَهُ الْبَرْقَانِيُّ فِي كِتَابِ " الضُّعَفَاءِ "، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ، وَبَلَغَتْ تَرِكَةُ الْإِمَامِ ثَلَاثَةَ آلَافِ دِينَارٍ وَثَلَاثَمِائَةِ دِينَارٍ وَنَيِّفًا. قَالَ بَكْرُ بْنُ سُلَيْمٍ الصَّوَّافُ: دَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ فِي الْعَشِيَّةِ الَّتِي قُبِضَ فِيهَا فَقُلْنَا: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا أَنَّكُمْ سَتُعَايِنُونَ غَدًا مِنْ عَفْوِ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابٍ، قَالَ: ثُمَّ مَا رُحْنَا حَتَّى أَغْمَضْنَاهُ. رَوَاهُ الْخَطِيبُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ تَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ. وَرَأَى عُمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ لَيْلَةَ مَاتَ مَالِكٌ قَائِلًا يَقُولُ:
لَقَدْ أَصْبَحَ الْإِسْلَامُ زُعْزِعَ رُكْنُهُ ... غَدَاةَ ثَوَى الْهَادِي لَدَى مُلْحَدِ الْقَبْرِ
إِمَامُ الْهُدَى مَا زَالَ لِلْعِلْمِ صَائِنًا ... عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ فِي آخِرِ الدَّهْرِ
قَالَ: فَانْتَبَهْتُ وَكَتَبْتُ الْبَيْتَيْنِ فِي السِّرَاجِ وَإِذَا بِصَارِخَةٍ عَلَى مَالِكٍ ﵀.
الرُّوَاةُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ:
وَالرُّوَاةُ عَنْهُ فِيهِمْ كَثْرَةٌ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ رُوَاةٌ كَرُوَاتِهِ. وَقَدْ أَلَّفَ الْخَطِيبُ كِتَابًا فِي الرُّوَاةِ عَنْهُ أَوْرَدَ فِيهِ أَلْفَ رَجُلٍ إِلَّا سَبْعَةً. وَذَكَرَ عِيَاضٌ أَنَّهُ أَلَّفَ فِيهِمْ كِتَابًا ذَكَرَ فِيهِ نَيِّفًا عَلَى أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ اسْمٍ، وَعَدَّ فِي مَدَارِكِهِ نَيِّفًا عَلَى أَلْفٍ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا ذَكَرْنَا الْمَشَاهِيرَ وَتَرَكْنَا كَثِيرًا، فَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ مِنْ شُيُوخِهِ مِنَ التَّابِعِينَ:
ابْنُ شِهَابٍ مَاتَ قَبْلَ مَالِكٍ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَأَبُو الْأَسْوَدِ يَتِيمُ عُرْوَةَ مَاتَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ مَاتَ قَبْلَهُ بِتِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرَبِيعَةُ بِثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بِثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ، وَنَافِعٌ الْقَارِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، وَأَبُو النَّضْرِ سَالِمٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِثَلَاثِينَ، وَسُلَيْمَانُ الْأَعْمَشُ، وَخَلْقٌ.
وَمِنْ أَقْرَانِهِ:
1 / 57
السُّفْيَانَانِ، وَالْحَمَّادَانِ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَشُعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَاتَ قَبْلَهُ بِثَلَاثِينَ سَنَةً، وَابْنُ لَهِيعَةَ، وَشَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ.
الدَّارَقُطْنِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِمَّنْ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ اجْتَمَعَ لَهُ مَا اجْتَمَعَ لِمَالِكٍ، رَوَى عَنْهُ رَجُلَانِ حَدِيثًا وَاحِدًا بَيْنَ وَفَاتَيْهِمَا نَحْوٌ مِنْ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً. الزُّهْرِيُّ شَيْخُهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَأَبُو حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ تُوُفِّيَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَرَوَيَا عَنْهُ حَدِيثَ الْفُرَيْعَةِ بِنْتِ مَالِكٍ فِي سُكْنَى الْمُعْتَدَّةِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ رَوَوْا عَنْهُ الْمُوَطَّأَ فَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: مَعْنُ بْنُ عِيسَى الْقَزَّازُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ الْقَعْنَبِيُّ الْمَدَنِيُّ ثُمَّ الْبَصْرِيُّ بِمُوَحَّدَةٍ سَمِعَ مِنَ الْإِمَامِ نِصْفَ الْمُوَطَّأِ وَقَرَأَ هُوَ عَلَيْهِ النِّصْفَ الْبَاقِي، وَأَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْحَارِثِ الزُّهْرِيُّ، وَبَكَّارٌ وَمُصْعَبٌ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ، وَعَتِيقُ بْنُ يَعْقُوبَ الزُّبَيْرِيُّونَ، وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ ابْنَا أَبِي أُوَيْسٍ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَيُّوبُ بْنُ صَالِحٍ وَسَكَنَ الرَّمْلَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ دَاوُدَ، وَمُحْرِزٌ الْمَدَنِيُّ. قَالَ عِيَاضٌ: وَأَظُنُّهُ ابْنَ هَارُونَ الْهُدَيْرِيُّ - بِضَمِّ الْهَاءِ مُصَغَّرٌ -، وَيَحْيَى بْنُ الْإِمَامِ مَالِكٍ ذَكَرَهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَغَيْرُهُ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْإِمَامِ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُنَيْنِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْأَنْصَارِيُّ. ذَكَرَهُمُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ نَاصِرٍ سَبْعَةَ عَشَرَ.
وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ - بِفَتْحِ الْقَافِ وَالزَّايِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ -، وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ حَفِظَ الْمُوَطَّأَ بِمَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ فِي تِسْعِ لَيَالٍ. وَقِيلَ: فِي ثَلَاثِ لَيَالٍ ثُمَّ رَحَلَ إِلَى مَالِكٍ فَأَخَذَهُ عَنْهُ.
وَمِنْ أَهْلِ مِصْرَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ - بِضَمِّ الْبَاءِ مُصَغَّرٌ - وَقَدْ يُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ فِي " الدِّيبَاجِ " أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ مَالِكٍ الْمُوَطَّأَ سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً، وَسَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَفَاءٍ، مُصَغَّرٌ - الْأَنْصَارِيُّ وَيُنْسَبُ إِلَى جَدِّهِ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ خَالِدٍ، وَحَبِيبُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَقِيلَ: مَرْزُوقٌ كَاتِبُ مَالِكٍ وَأَشْهَبُ، ذَكَرَهُمُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ - بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَالنُّونِ وَإِسْكَانِ التَّحْتِيَّةِ - وَأَصْلُهُ دِمَشْقِيٌّ، وَذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ. عَدَّهُمُ ابْنُ نَاصِرٍ أَحَدَ عَشَرَ.
وَمِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ النَّصْرِيُّ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ سَهْلٍ الْهَرَوِيُّ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلٍ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - الْبَلْخِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ الْحَنْظَلِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى الطَّبَّاعُ - بِطَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ - الْبَغْدَادِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ بُرْدٍ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ - بْنِ نَجِيحٍ التُّجِيبِيُّ، وَأَبُو حُذَافَةَ - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ فَمُعْجَمَةٌ فَأَلِفٌ فَفَاءٌ - أَحْمَدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السَّهْمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ سَمَاعُهُ لِلْمُوَطَّأِ صَحِيحٌ وَخَلَطَ فِي غَيْرِهِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ شَرُوسٍ
1 / 58
الصَّنْعَانِيُّ، وَأَبُو قُرَّةَ السَّكْسَكِيُّ - بِضَمِّ الْقَافِ وَشَدِّ الرَّاءِ - وَاسْمُهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَرَّانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ الصُّورِيُّ، وَبَرْبَرٌ - بِمُوَحَّدَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَعْدَ كُلِّ رَاءٍ بِلَا نَقْطٍ الْمُغَنِّي - بِضَمِّ الْمِيمِ وَمُعْجَمَةٌ - نِسْبَةً إِلَى الْغِنَاءِ بَغْدَادِيٌّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الْمَوْصِلِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَجُوَيْرِيَّةُ بْنُ أَسْمَاءَ - بِلَفْظِ تَصْغِيرِ جَارِيَةٍ -، وَأَبُو الْوَلِيدِ الطَّيَالِسِيُّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْبَصْرِيُّونَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ الْكُوفِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى السَّبَئِيُّ الْيَمَانِيُّ، وَالْوَلِيدُ بْنُ السَّائِبِ الْقُرَشِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ صَدَقَةَ الْفَدَكِيُّ، وَالْمَاضِي بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ الْغَافِقِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ شِبْلٍ الْبَاهِلِيُّ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَيْشِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْحَضْرَمِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشِيرٍ الْمَغَافِرِيُّ النَّاجِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ مُضَرَ الْقَيْسِيُّ ذَكَرَهُمُ ابْنُ نَاصِرٍ، تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ.
وَمِنْ أَهْلِ الْمَغْرِبِ مِنَ الْأَنْدَلُسِ: زِيَادُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُلَقَّبُ شَبَطُونَ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ - سَمِعَ " الْمُوَطَّأَ " مِنْ مَالِكٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى اللَّيْثِيُّ، وَحَفْصٌ وَحَسَّانُ ابْنَا عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْغَازُ - بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فَأَلِفٌ فَزَايٌ مَنْقُوطَةٌ - بْنُ قَيْسٍ، وَقُرْعُوسُ بْنُ الْعَبَّاسِ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَبِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ بِزِنَةِ فِرْدَوْسٍ، وَزُنْبُورٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدُوسٍ، وَعَبَّاسُ بْنُ صَالِحٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِنْدَ، وَشَبَطُونَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ الطُّلَيْطِلِيَّانِ - بِضَمِّ الطَّاءِ الْأُولَى - نِسْبَةً إِلَى مَدِينَةٍ بِالْأَنْدَلُسِ.
وَمِنَ الْقَيْرَوَانِ: أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ، وَخَلَفُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ فَضَالَةَ.
وَمِنْ تُونِسَ: عَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ، وَعِيسَى بْنُ شَجَرَةَ سَبْعَةَ عَشَرَ.
وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ: عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ مُسْهِرٍ الْغَسَّانِيُّ، وَعُبَيْدُ بْنُ حِبَّانَ - بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْمُوَحَّدَةِ - الدِّمَشْقِيَّانِ، وَعُتْبَةُ - بِالْفَوْقِيَّةِ - بْنُ حَمَّادٍ الدِّمَشْقِيُّ إِمَامُ الْجَامِعِ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ السَّلَمِيُّ دِمَشْقِيَّانِ أَيْضًا، وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ - بِضَمِّ الْوَاوِ وَخِفَّةِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٌ - الْحِمْصِيُّ؛ ذَكَرَ الْأَرْبَعَةَ ابْنُ نَاصِرٍ، وَخَالِدُ بْنُ نِزَارٍ الْأَيْلِيُّ - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ - سَبْعَةٌ.
قَالَ عِيَاضٌ بَعْدَ ذِكْرِ غَالِبِهِمْ: فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَقَّقْنَا أَنَّهُمْ رَوَوْا عَنْهُ الْمُوَطَّأَ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي الرِّجَالِ، وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ الْبَصْرِيَّ أَخَذَهُ عَنْهُ كِتَابَةً، وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ مُنَاوَلَةً، يَعْنِي وَهُوَ غَيْرُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ فَلَمْ يُدْرِكْ مَالِكًا، قَالَ: وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي فَرَوَاهُ عَنْ رَجُلٍ - يَعْنِي أَسَدَ بْنَ الْفُرَاتِ - عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: وَذَكَرُوا أَيْضًا أَنَّ الرَّشِيدَ وَبَنِيهِ الْأَمِينَ وَالْمَأْمُونَ وَالْمُؤْتَمَنَ أَخَذُوا عَنْهُ " الْمُوَطَّأَ "، وَأَنَّ الْمَهْدِيَّ وَالْهَادِيَ سَمِعَا مِنْهُ وَرَوَيَا عَنْهُ، وَأَنَّهُ كَتَبَ الْمُوَطَّأَ لِلْهَادِي، قَالَ: وَلَا مِرْيَةَ أَنَّ رُوَاةَ الْمُوَطَّأِ أَكْثَرُ مِنْ هَؤُلَاءِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا ذَكَرْنَا مِنْهُمْ مَنْ بَلَغَنَا نَصًّا سَمَاعُهُ لَهُ مِنْهُ وَأَخْذُهُ لَهُ عَنْهُ أَوْ مَنِ اتَّصَلَ إِسْنَادُنَا لَهُ فِيهِ عَنْهُ. قَالَ: وَالَّذِي اشْتَهَرَ مِنْ نُسَخِ الْمُوَطَّأِ مِمَّنْ رَوَيْتُهُ أَوْ وَقَفْتُ عَلَيْهِ أَوْ كَانَ فِي رِوَايَاتِ شُيُوخِنَا أَوْ
1 / 59
نَقَلَ مِنْهُ أَصْحَابُ اخْتِلَافِ الْمُوَطَّآتِ نَحْوُ عِشْرِينَ نُسْخَةً، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ نُسْخَةً، وَقَدْ رَأَيْتُ الْمُوَطَّأَ رِوَايَةَ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ غَرِيبٌ، وَلَمْ يَقَعْ لِأَصْحَابِ اخْتِلَافِ الْمُوَطَّآتِ، فَلِذَا لَمْ يَذْكُرُوا مِنْهُ شَيْئًا، انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: رَوَى " الْمُوَطَّأَ " عَنْ مَالِكٍ جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَبَيْنَ رِوَايَاتِهِمُ اخْتِلَافٌ مِنْ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ، وَأَكْبَرُهَا رِوَايَةُ الْقَعْنَبِيِّ، وَمِنْ أَكْبَرِهَا وَأَكْثَرِهَا زِيَادَاتٍ رِوَايَةُ أَبِي مُصْعَبٍ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ زِيَادَةٌ عَلَى سَائِرِ الْمُوَطَّآتِ نَحْوَ مِائَةِ حَدِيثٍ.
وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَحَادِيثُ يَسِيرَةٌ زِيَادَةً عَلَى سَائِرِ الْمُوَطَّآتِ مِنْهَا حَدِيثُ: " «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ» " الْحَدِيثَ، وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ صِحَّةُ قَوْلِ مَنْ عَزَا رِوَايَتَهُ إِلَى الْمُوَطَّأِ وَوَهْمُ مَنْ خَطَّأَهُ فِي ذَلِكَ، انْتَهَى.
وَمُرَادُهُ الرَّدُّ عَلَى قَوْلِ " فَتْحِ الْبَارِي ": هَذَا الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْمَشْهُورُونَ إِلَّا " الْمُوَطَّأَ "، وَوَهِمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي " الْمُوَطَّأِ " مُغْتَرًّا بِتَخْرِيجِ الشَّيْخَيْنِ لَهُ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، انْتَهَى. وَقَالَ فِي " مُنْتَهَى الْآمَالِ ": لَمْ يَهِمْ، فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرِّوَايَاتِ الشَّهِيرَةِ فَإِنَّهُ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَوْرَدَهُ فِي آخِرِ كِتَابِ النَّوَادِرِ. وَقِيلَ: آخِرِ الْكِتَابِ بِثَلَاثِ وَرَقَاتٍ، وَتَارِيخُ النُّسْخَةِ الَّتِي وَقَفْتُ عَلَيْهَا مَكْتُوبَةٌ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ يَسِيرَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ مَشْهُورَةٌ، وَهِيَ خَالِيَةٌ مِنْ عِدَّةِ أَحَادِيثَ ثَابِتَةٍ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ.
وَفِي " الْإِرْشَادِ " لِلْخَلِيلِيِّ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: كُنْتُ سَمِعْتُ " الْمُوَطَّأَ " مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَأَعَدْتُهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ لِأَنِّي وَجَدْتُهُ أَقْوَمَهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: سَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ مَرْزُوقٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: أَثْبَتُ النَّاسِ فِي " الْمُوَطَّأِ " عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسِيُّ بَعْدَهُ.
قَالَ الْحَافِظُ: وَهَكَذَا أَطْلَقَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ الْقَعْنَبِيَّ أَثْبَتُ النَّاسِ فِي الْمُوَطَّأِ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَهْلِ عَصْرِهِ فَإِنَّهُ عَاشَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ تَقْدِيمَهُ عِنْدَ مَنْ قَدَّمَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَمِعَ كَثِيرًا مِنَ الْمُوَطَّأِ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السَّمَاعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَثْبَتُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أَثْبَتُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَوْثَقُهُمْ مَعْنُ بْنُ عِيسَى، انْتَهَى.
وَفِي " الدِّيبَاجِ " قَالَ النَّسَائِيُّ: ابْنُ الْقَاسِمِ ثِقَةٌ رَجُلٌ صَالِحٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَحْسَنَ حَدِيثَهُ وَأَصَحَّهُ عَنْ مَالِكٍ، لَيْسَ يَخْتَلِفُ فِي كَلِمَةٍ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ أَثْبَتَ مِنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ عِنْدِي مِثْلَهُ، قِيلَ لَهُ: فَأَشْهَبُ؟ قَالَ: وَلَا أَشْهَبُ وَلَا غَيْرُهُ، وَهُوَ أَعْجَبُ مِنَ الْعَجَبِ، الْفَضْلُ وَالزُّهْدُ وَصِحَّةُ الرِّوَايَةِ وَحُسْنُ الْحَدِيثِ، حَدِيثُهُ يَشْهَدُ لَهُ، انْتَهَى.
فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنِ النَّسَائِيِّ فِي أَثْبَتِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: أَثْبَتُ
1 / 60