Principles of Invitation and Its Methods 4 - University of Madinah
أصول الدعوة وطرقها ٤ - جامعة المدينة
ناشر
جامعة المدينة العالمية
علاقے
ملیشیا
-[أصول الدعوة وطرقها ٤]-
كود المادة: IDWH٤٠٤٣
المرحلة: بكالوريوس
المؤلف: مناهج جامعة المدينة العالمية
الناشر: جامعة المدينة العالمية
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
نامعلوم صفحہ
الدرس: ١ الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الأول
(الدعوة وصلتها بالحياة وأثر الإسلام في الاجتماع)
١ - الدَّعْوَةُ وَصِلَتُهَا بِالْحَيَاةِ
الأَحْوَالُ السياسيةُ قَبْلَ الإسْلامِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وعلى آلِهِ، وأصحابِهِ، ومنِ اهتدَى بهديهِم إلى يَوْمِ الدينِ، وبَعْدُ:
فَأُرحِّبُ بِكمْ -أيُّها الأُخوةُ الكِرامُ- في هذا اللقاءِ الأولِّ في المحاضراتِ التي سأسجلُها لكم -إن شاءَ اللهُ تعالى- في مُقررِ أصولِ الدعوةِ، وهذا المُقررٌ مُهمٌّ للمسلمين؛ لأنَّه يُعطيهمْ فِكرةً واضحةً عن كثيرٍِ من المباحثِ الإسلاميةِ التي يحتاجُ إليها المسلمُ، ثم هي بعدَ ذلك تُوجِّهُهُم -بفضل الله ﵎ إلى أن يسلكوا طريقَ الأنبياءِ والمرسلينَ في الدعوةِ إلى اللهِ ربِّ العالمين، على المنهجِ الذي سَلَكَهُ نبيُّ الهُدى والرحمةِ ﵌.
والمحاضرةُ الأولى التي معنا في هذا اللقاء تحت عُنوانٍ كبيرٍ، ألا وهو: "الدعوةُ وصلتُها بالحياةِ" وهذا العنوان تحته موضوعاتٍ متعددةٍ، وهي ثلاثةٌ إذا أردتُ أن أحصرَها الآن، وسندرسُ -إن شاء الله تعالى- في كل محاضرةٍ موضوعًا منها.
والموضوعُ الأولُ في هذا اللقاء بعنوان: "أَثَرُ الإسلامِ في السياسةِ" وتحته العناصر التالية:
العنصرُ الأولُ: الأحوالٌ السياسيةُ قبل الإسلام، ويشتملُ على النقاط التالية:
أ- تعريفٌ السياسةِ: لغةً واصطلاحًا:
السياسةُ في اللغةِ: جاء في (المصباح المنير): ساسَ زيدٌ الأمرَ يسوسه أي: دبَّره وقامَ بأمرِهِ، وجاء في (لسان العرب): السُّوسُ: الزيادةُ، يقول: ساسُوهم سَوْسًا، والسياسة: القيامُ على الشيء بما يُصلِحُهُ.
هذا هو تعريفُ السياسة في اللغة.
أما تعريفُ السياسةِ اصطلاحًا فلها تعريفاتٌ متعددةٌ؛ وقبلَ أنْ أُعَرِّفَها في الاصطلاحِ، أودُّ أنْ أُشيرَ إلى أنَّ استتبابَ أيِّ أمرٍ من أمورِ أيِّ مجتمعٍ بشريٍّ لا بد فيه من عدلٍ قائمٍ، وقد أشار إلى ذلك ابنُ خلدونَ ﵀ ﵎ في مواضِعَ من مقدمته، ومما ذكرَ ﵀ من قولٍ في هذا:
1 / 9
إنَّ الاجتماعَ الإنسانيَّ ضَروريٌّ، ويعبر الحكماءُ عن هذا بقولهم: الإنسانُ مَدنيٌّ بالطبع، أي: لا بد له من الاجتماعِ الذي هو المَدنيةُ في اصطلاحهم، وهو معنى العُمرانِ ... إلى أن قالَ: ثم إنَّ هذا الاجتماعَ إذا حصلَ للبشر وتم عُمران العالَم بهم، فلا بد من وازعٍ يدفع بعضَهم عن بعضٍ.
وهذا ما أودُّ أن أشيرَ إليه في أنه: لا بد للمجتمعِ البشريِّ من عدلٍ قائمٍ يسودُهم وينطلقون من خلالِهِ، وهذا ولا شكَّ يكون بسلوكِ الصراطِ المستقيم، صراطِ اللهِ الذي له ما في السمواتِ وما في الأرضِ، وقد جاءتْ الشرائعُ الإسلاميةُ ببيانِ هذه الأمور، وتوضيحِها، ودعوةِ الناس إليها.
وبناءً على ذلك، أُذكرُ بعضَ التعريفاتِ لكلمة السياسةِ في الاصطلاح، فقد قيل فيها: بأنها تدبيرُ شُئونِ الدولةِ الإسلاميةِ، التي لم يرِدْ بحكمها نص صريح، أو التي من شأنها أن تتغير وتتبدل بما فيه مصلحة الأمة، ويتفق مع أحكام الشريعة وأصولها العامة.
وعرفها بعضُهم بأنها: هي تحقيق الحاكم الذي يسوس أمر الأمة للمصلحة التي تُعود على الأفراد والجماعات، وذلك بتطبيق أحكام استُنبطت بواسطة أُسس سليمة، أقرتْها الشرعية، مثل: المصالح المرسلة، سد الذرائع، الاستحسان، العرف، الاستصحاب، الإباحة الأصلية، وكل ذلك فيما لم يرد فيه نصٌّ.
ب- النقطةُ التاليةُ في هذا العنصر هي بعنوان: "الحياةُ السياسيةُ خارج الجزيرة العربية قبل الإسلام":
وأَضْرِبُ في ذلك بعضَ النماذج، وأبدأ بنموذج الهند والصين قديمًا، فأقول فيما كان من سياسة في الهند: كانت تقوم على اعتبار القوة الإلهية مصدرًا لكل القواعدِ والأنظمةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ، وكانت ترتكز على قوانين:
1 / 10
"مانو" و"برهما" وتقسِّمُ المجتمعَ إلى طبقاتٍ، وعلى هذا التقسيم يتفاوتُ الأفرادُ في الحقوق والحريات السياسية والمدنية.
أما الصينُ: فكانت تقوم على أساس: أنَّ الإمبراطور يستمد سلطتَه من السماء، فهو يحكم وفقًا للحق الإلهي الذي يُخَوِّلُه سلطةً مطلقةً، فالملكُ في نظرهم: ابنُ السماء، ولكن ظهرت فيما بعد نظرياتٌ واتجاهاتٌ سياسيةٌ حقيقيةٌ على يد الفيلسوف الصيني الشهير: "كنفوشوس" وكذلك: "منشسيوس" وكان لها الأثر الكبير في توجهات الحياة السياسية في الصين قديمًا.
جـ- النقطة التالية تحت هذا العنصر هي بعنوان: "نموذجُ اليونان والرومان السياسي أيضًا":
ويتمثل النموذجُ السياسيُّ الرومانيُّ في أنَّ الفكرَ المثاليَّ المجردَّ طغى على حساب الحركة عندهم، ففشل في إيجاد دولةٍ تعبر عن حقيقة العصر، وآمالِ الشعب؛ أما الرومانُ فقد كان طُغيان الحركة مسيطرًا على الممارسة السياسية، والحركةُ عندهم تعني: القوة، ونشر النفوذ، والسيطرة على المجتمعات الأخرى، وحتى حين تنصَّرت الدولةُ الرومانيةُ على يد الإمبراطور: "قسطنطين" فإنَّ التشريعاتِ والمؤسساتِ لم تتغير هناك، وبقي الأمرُ على ما هو عليه.
د- النقطة الرابعة تحت هذا العنصر وهي: "في بيان السياسة عند العرب قبل الإسلام":
والعربُ قبل الإسلامِ قد وُجد في بعض الممالِكِ عندهم -وخاصة في جنوب الجزيرة العربية- بعضُ القواعد، أو القوانينُ، أو التنظيمُ السياسيُّ في بعض المناطق، ولكن لم يكن للعرب في بلاد الحجاز نوعٌ من الحكومات المعروفة الآن، ولم يكن لهم قضاءٌ يحتكمون إليه، أو جهازُ أمنٍ يُقرُّ النظامَ ويحافظُ عليه، ولا حتى جيشٌ يدرأ عنهم الأخطارَ الخارجيةَ، ولم يكن ثَمَّة سلطة تضرب على أيدي المعتدين، وتُوقِعُ العقاب على المجرمين، وإنما كان الرجلُ المعتدَى عليه يثأر لنفسه بنفسه، وعلى قبيلته بعد ذلك أن تشدَّ أزرَه.
1 / 11
وقد وُجد في مكةَ نوعٌ من الوظائفِ التي لم تكن موجودةً في بلد من البلاد العربية؛ وذلك لمركزها الديني بين البُلدان، ووفود الحُجاج إليها من كل مكان، وقد كانت هذه الوظائفُ متمثلةً -مثلًا- في الحجابة والسقاية والرفادة، وقد اعتبر العرب هذا نوعًا من أنواع السلطات السياسية، ولكنَّ الأقربَ أنها وظائفُ شرفيةٌ، تَطَلَّبْتَها طبيعةُ البلاد، وظروفُ الحجاج، وليست نوعًا من أنواع السلطة السياسية.
ومما يؤكد الفراغَ السياسيَ التي كانت تعيشه بلادُ الحجاز، ما حصل عندما جاء أبرهةُ الأشرمُ؛ لهدمِ الكعبة، فخرج له عبدُ المطلبِ، وسأله أن يردَّ عليه إبلَه، ولم يناقشْهُ في مصير مكةَ وأهلِها، كما أن مكةَ اختلفوا في وضع الحجر الأسود عند تجديد بناء الكعبة، ولو كان هناك ثَمةُ سلطة سياسية في البلاد لكانت هي المرجعُ في مثل هذه المشكلة.
وقد عَرف العرب مع هذا نوعًا من الممارسات شبه السياسية، مثل: الأحلاف، والجِوار؛ وأحلاف الجاهلية منها ما هو على الخير: كحلف الفضول، الذي تعاقدت فيه بُطونٌ من قريشِ في دار عبدِ الله بنِ جدعانَ، على ألا يجدوا في مكة مظلومًا إلا قاموا معه؛ حتى تُردَّ عليه مظلمتُه، ومنها ما هو على الشر: كتحالف بطونِ قريشٍ على حصار النبيِّ ﷺ وأصحابِه، وبني هاشم في شِعب أبي طالب.
وكان عندهم أيضًا الجوارُ: والجوار: هو الحمايةُ والمَنعةُ للمستجير، ولم يكن الجوارُ في الجاهلية مقصورًا على الحمايةِ من الظلمِ؛ بل تعدَّى بهم الأمرُ إلى إجارةِ الظالمينَ، وهو ما حرَّمه الإسلامُ، وتوعَّد فاعِلَه بالعذابِ.
ولقد كانت قبائلُ
1 / 12
العربِ قبل الإسلام متفرقةً متناحرةً، كما أخبر المولى ﷾ عنهم؛ ممتنًّا على رسوله ﷺ بقوله: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: من الآية: ٦٣).
ونحن نعلم ما كان عليه الحالُ بين الأوسِ والخزرجِ في المدينة، ولم تكن بقيةُ قبائلِ العرب بعيدةً عن هذا الواقِعِ، فقد كانتْ قلوبُهم شتَّى، تثور الحروبُ بينهم لِأتْفَهِ الأسبابِ.
أَبْرَزُ المَعالِمِ السياسيةِ الداخليَّةِ والخارجيةِ للدَّولةِ الإسلامِيةِ
أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى العنصر الثاني في هذا اللقاء، وهو بعنوان: "أَبْرَزُ المعالم السياسية الداخلية والخارجية للدولة الإسلامية" ويشتمل على النقاط التالية:
أ- النقطة الأولى: أبرز التشريعات السياسية للدولة الإسلامية:
بعد أن أشرتُ إلى الأحوال السياسية قبل الإسلام عند غير المسلمين قبل البعثة، وعند عربِ الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ، يحسنُ بنا هنا أن نوردَ بعضَ ما تضمَّنَه وما جاء به الإسلامُ من سياسةٍ فريدةٍ أسعدتْ الأفرادَ والمجتمعاتِ.
وأَبْدأُ بأبرز التشريعاتِ في ذلك فأقول:
بدأت الدولةُ الإسلاميةُ تتخذ طابعَها وتتشكل تشريعاتُها السياسية في شُئونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، وكان صاحبُ السلطةِ فيها هو رسولُ الله ﵌ وصحابتُه ﵃ هم أعوانُه ووزَراؤُه؛ شئونهم الداخلية والخارجية تحكمها الشريعةُ الإسلاميةُ، وكان من الصحابة -رضوان الله عليهم- الرضا والتسليم، وقد وصفهم ربُّهم- ﷾ بذلك بقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (النور: ٥١).
وصحابةُ النبي ﵌ هم ساداتُ المؤمنين، وجاء الشرعُ بما ينظم شئونَ الإنسانِ في كل المجالات، ومن ذلك ما يتعلق بالسياسة في كل مجالاتها الداخلية والخارجية،
1 / 13
يحددُ العلاقةَ بين الراعي والرعية، وبين أفرادِ الرعية مع بعضهم، يحدد لكلٍّ مسئولياته، ويعرفه بواجباته، فجاءتِ النصوصُ الشرعيةُ من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة ببيان هذه السياسةِ، ومنها على سبيل المثال:
قولُ الله- ﵎: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية: ٣٨) وهذا فيه بيانٌ لطبيعة السلطة في الإسلام.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: ١٢٣) وفي هذا بيان لنوعٍ من العلاقة الخارجية.
وقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٩) وفي هذا حفظٌ للحدود، وإقامةٌ لها؛ كي تُحفظ النفسُ، ويُحفظ المالُ، وكلُّ ذلك في إطار تحقيق الأمن الداخلي للمجتمع.
هذه أبرز التشريعاتِ السياسيةِ للدولةِ الإسلاميةِ؛ وأعني بها: التشريعاتِ عمومًا.
ب- أَنْتَقِلُ بعد ذلك إلى النقطة التالية في هذا العنصر، وهي بعُنوان: ملامحُ السياسة الداخلية للدولة الإسلامية:
لقد كان رسول الله ﵌ يستمدُّ سياستَه الداخلية لهذه الدولة الإسلامية من وحي الله ﷾ ومن الصعب -في هذا اللقاء السريع- أن أحيطَ بجوانبِ السياسية الداخلية لهذه الدولة في عهد رسول الله ﵌ وتنظيمِها، ولكن يمكن الإشارةُ إلى شيء من هذه السياسة وهذا التنظيم، الذي كان يقوم به النبي ﵌ لتعرف الأمة شيئًا عن السياسةِ الداخليةِ للدولةِ الإسلاميةِ في عهدِها الأولِّ، وما يجب أن تكون عليه الحكوماتُ بعد ذلك:
فمن ملامحِ هذه السياسة: أن النبي ﵌ كان يقوم بمهمة البلاغِ، فكان يتلقى الوحيَ ويبلغه للناس، وكان يدعو الناسَ للإسلام مع الحرص على التأليف بينهم، وكان
1 / 14
يحذِّرُهم ﵌ من الشرك، وكان يتولَّى الفصلَ في المنازعاتِ، وتعيينِ الوُلاةِ، وجمعِ الأموال الزكوية ونحوِها، وإنفاقها في مصارفها.
وكان ﵌ يستشير أصحابَه فيما يستجدُّ له من الأمور، فقد ثبتتْ مُشاورتُه لهم في أمورٍ كثيرةٍ، والمشاورة لم تكن قاصرةً على أمور الحرب، أو الجانب العسكري فحسب؛ بل كانت تتعدى إلى ما وراء ذلك.
وكان ﵌ يستخلفُ على المدينة حين غيابِه، أو يؤمِّر على البعوث والسرايا ونحوها، إذا لم يخرج هو ﵌ كما كان يحرص على توزيع مَهام الدولة توزيعًا دقيقًا، فكان هناك صاحبُ السر، وكان هناك الكتابُ -أعني: كتابَ الوحي- وكتاب الرسائل، وكتاب العُهود، والصلح والمواثيق، وكان هناك صاحبُ الخَتْم، وغير ذلك.
والنبيُّ ﵌ جعل مسئوليةَ حمايةَ البلدِ على كل قادر من أفراد الرعية، فلم يكن هناك جيشٌ محددٌ؛ بل كان ﵌ ينادي الناسَ بالجهاد، ثم يختار منهم مَن يصلح لذلك، مع اعتنائه ﵌ الكامل باختيار من يراه الأصلحَ؛ لخوض غِمار هذه الحروب، والمَهام العسكريةِ.
هذه أبرزُ الملامحِ السياسية الداخلية للدولة الإسلامية في عهد النبي ﵌.
جـ- أَنْتَقِلُ إلى نقطة أخرى تحت هذا العنصر وهي بعنوان: العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية:
تتمثل العلاقةُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية في عهد الرسول ﵌ مع غيرِها بمظاهرَ، منها:
أولًا: الدعوةُ والجهادُ: كانت العلاقاتُ الخارجيةُ للدولة الإسلامية مع غيرها من الدول مبنيةً على أساس الدعوةِ إلى الله ﷾ ولم يكن من سياسةِ الدولة
1 / 15
الإسلامية اللجوءُ إلى الحرب إلا بعد عِدة مراحلَ، وكان من السياسة القتالية الإسلامية تحقيقُ الهدف بأدنى حد من الخسائر حتى في صُفوفِ العدوِّ، وذلك بالنهي عن قتل الشيوخ، والنساء، والأطفال، وعدم قطع الأشجار.
ويدل على ذلك أن رسولَ الله ﵌ كان إذا أَمَّر أميرًا على جيش أو سَرية أوصاهُ في خاصتِه بتقوى الله، ومَن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: «اغزوا بِسم الله في سَبيلِ اللهِ، قاتلوا مَن كَفَرَ باللهِ، اغْزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغْدِروا، ولا تَمْثُلُوا، ولا تقتلوا وَلِيدًا» وهذا في الحقيقة مظهرٌ جميلٌ من مظاهر الإسلام، وحرصِه على عدم سَفْكِ الدماء.
وكان القتالُ في الإسلام -كما هو معلوم، وسيأتي حديثٌ لذلك مستقِلٌّ إن شاء الله تعالى- له أهدافٌ يحققها، وكانت من ورائه متطلباتٌ تدعو إليه، وإذا وقَعَ بعد استنفاذ الجَهد في ذلك، كان النبي ﵌ كما جاء في هذا الحديث- يحذرُ من الغدر والخيانة، أو التمثيل بالأعداء، أو قتلِ الأطفال والنساء والشيوخ، وهذا في الحقيقة من عَظَمة دينِ الله ﵎ ونحن نردُّ به على مَن يتهمون الإسلامَ بالإرهابِ، أو العنفِ، أو ما إلى ذلك.
أيضًا من مظاهر العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية إرسالُ الرسلِ والرسائل:
حيث كان النبيُّ ﵌ يبعثُ مع بعضِ صحابتِهِ مِن الرسائل الدعوية إلى المُلوك وغيرهم، ومنها -مثلًا-: كتابه ﵌ إلى هِرقلَ عظيمِ الروم، الذي أرسل به دِحيةَ بنَ خليفةَ الكلبيَّ ﵁ وكتابه أيضًا إلى كسرى عظيمِ فارس، الذي أرسل به عبدَ اللهِ بنَ حُذافةَ السُّهميَّ، وكتابه إلى النجاشي ملك الحبشة، الذي أرسل به
1 / 16
عمروَ بنَ أميةَ الضمريَّ، وكتابه إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية، الذي أرسل به حَاطِبَ بنَ أبي بلتعةَ، إلى غير ذلك من الكُتُب التي بعث بها رسول الله ﵌ من الملوك، وغيرهم.
وكان الهدفُ منها دعوةَ هؤلاء الناس إلى الله ﵎ وهذا أيضًا في الحقيقة بيانٌ لوظيفة النبي ﵌ في البلاغ، وأنه كان يتحرَّى بدعوته الناس جميعًا.
وهذا من العلاقات الخارجية في الحقيقة للدولة الإسلامية.
ومن العلاقات أيضًا الخارجية للدولة الإسلامية العهود والمواثيق:
فالعهودُ والمواثيقُ نوعٌ من العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية مع غيرها، فقد كانت تُعقد عهودٌ ومواثيقٌ في عهد النبي ﵌ وما زال المسلمون -إلى يومنا هذا- يحتاجون إلى إجراء هذه العهود، وتِلْكُمُ المواثيقِ مع الدول الأخرى، والبلاد المختلفة.
وقد أجرى النبيُّ ﵌ صلحًا مع كفارِ قريشٍ، وقد سمَّى الحق ﵎ هذا الصلحَ فتحًا، كما في قول الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (الفتح: ١) رغم أنَّ الناظرَ في بنود هذا الصلح قد يجدُ أنَّ فيه إجحافًا بالإسلام والمسلمين، ولم يرْضَهُ في أول الأمر بعضُ الصحابة، ولكنَّ النبيَّ ﵌ الذي كان يتبع الوحيَ، وكان مؤيدًا بتأييد الله ﵎ له، أجرى هذا الصلحَ وهو يعلم أن لهذا الصلحِ -الذي أجراه- ثمارًا جليلةً عظيمةً، فقد كان صلحُ الحديبية بمثابةِ النصر للدولةِ الإسلاميةِ، وانتشارِ الإسلام بشكلٍ أوسعَ في الجزيرة العربية وما حولها.
ومن أبرز نتائجه:
أن هذا الصلحَ كان مقدمةً بين يدي الفتح الأعظم الذي أعز اللهُ به رسولَه ﵌ وجندَه، وأيضًا من نتائجه: اعترافُ قريشٍ بمكانة المسلمين كفريق قوي، تُبرَمُ معه المعاهداتُ.
1 / 17