Nuzhat al-Albab fi Qawl al-Tirmidhi wa fi al-Bab

نزهة الألباب في قول الترمذي وفي الباب

ناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٢٦ هـ

پبلشر کا مقام

المملكة العربية السعودية

ـ[نزهة الألباب في قول الترمذي «وفي الباب»]ـ
المؤلف: حسن بن محمد بن حيدر الوائلي
تقريظ: عبد الله بن محمد الحاشدي
الناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية
الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ
عدد الأجزاء: ٦ (في ترقيم مسلسل واحد)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

نامعلوم صفحہ

جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى، ١٤٢٦ هـ
حقوق الطبع محفوظة © ١٤٢٦ هـ
لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن منه استرجاع الكتاب أو ترجمته إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر
دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية
الدمام - شارع ابن خلدون ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٩٣ ــ فاكس: ٨٤١٢١٠٠
الرياض ت: ٤٢٦٦٣٣٩/ ٠١
الإحساء ت: ٥٨٨٣١٢٢
جدة ت: ٦٥٠٤٨٨٢ - ٦٨١٢٧٠٦/ ٠٢
جمهورية مصر العربية
القاهرة محمول: ٠١٠٠٦٨٢٣٧٨٣ - تليفاكس: ٠٢٤٣٤٤٩٧٠
البريد الإلكتروني: Aljawzi@hotmail.com
موقع الدار على الإنترنت: www.aljawzi.com

1 / 3

* قال أبو الفرج ابن هندو:
لا يؤيسنَّك من مجدٍ تباعدُه ... فإن للمجد تدريجًا وترتيبا
إن القناة التي شاهدت رفعتها ... تنمو وتنبت أنبوبًا فأنبوبا
* * *
* قال ابن هشام:
ومن يصطبر للعلم يظفر بنيله ... ومن يخطب الحسناء يصبر على البذل
ومن لا يذل النفس في طلب العلى ... يسيرًا يعش دهرًا طويلًا أخا ذل

1 / 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلّى الله وسلم على سيدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإنّه لا يخفى على أهل العلم وطلابه مكانة كتاب "الجامع" للإمام الحافظ أبي عيسى محمّد بْن عيسى بْن سورة التّرمذيّ -رحمه الله تعالى- الّذي هو أحد الكتب الستة الأمهات، والذي قد جعله بعض العلّماء "ثالث الأمهات الست" (١) تاليًا لصحيح مسلم مُقَدَّمًا على بقية السنن، وقد نقل أبو علي منصور بن عبد الله الخالدي عن الإمام الترمذي أنه قال: "صنف هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم" (٢). اهـ.
* وقال الحافظ أبو الفضل ابن طاهر المقدسي ﵀ في شروط الأئمة الخمسة:
"سمعت الإمام أبا إسماعيل: عبد الله بن محمّد الأنصاري بهراة، وجرى بين يديه ذكر أبي عيسى الترمذي وكتابه، فقال: كتابه عندي أنفع من كِتَابَي البخاريّ ومسلم؛ لأن كتَابَي البخاريّ ومسلم لا يقف على الفائدةُ منهما إِلا المتبحر العالم، وكتاب أبي عيسى يصل إلى فائدته كلّ أحد من الناس" (٣). اهـ.
* وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": "كتابه الصحيح أحسن الكتب وأكثرها فائدة، وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب، ووجوه الاستدلال، وتَبِيْينِ أنواع

(١) كشف الظنون (١/ ٥٥٩).
(٢) "جامع الأصول" (٤/ ١١١)، و"تذكرة الحفاظ" ص (٦٣٤)، و"تهذيب التهذيب" (٩/ ٣٨٩).
(٣) "شروط الأئمة الخمسة" ص (١٠١) من مجموع رسائل بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ﵀.

1 / 5

الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرحٌ وتعديلٌ، وفي آخره كتاب العلل، قد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرُها على من وقف عليها". اهـ.
* قال الشّيخ إبراهيم الباجوري في شرحه على "الشمائل" للترمذي (ص ٥):
"وناهيك بجامعه الصحيح الجامع للفوائد الحديثية والفقهية، والمذاهب السلفية والخلفية، فهو كافٍ للمجتهد، مُغْنٍ لِلْمُقَلِّد". اهـ.
وهذا الجامع العظيم يمتاز بميزاتٍ لا توجد في بقية الأمهات، فبالإضافة إلى ما ذكره ابن الأثير من ذكر الإمام التّرمذيّ لمذاهبِ فقهاءِ الأمصارِ وأقوالهم في المسائل الفقهية، وذكره لدلائلهم وما يذكره أيضًا من تصحيح وتحسينٍ وتضعيفٍ وتعليلٍ وجرحٍ وتعديلٍ، فإنّه يمتاز أيضًا بالإشارة إلى الأحاديث التي رُويت في الباب، فبعد أن يَرْوِيَ حديثَ البابِ بسنده يذكر أسماء الصحابة الذين رُويت عنهم أحاديثُ تُنَاسِبُ وتُلائِمُ ذلك الباب، مثالُ ذلك قوله ﵀ في باب ما جاء في السِّواك -من أبواب الطهارة- بعد أن ذكر بسنده حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، "وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وعلي، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وزيد بن خالد، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وابن عمر، وأم حبيبة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وتمام بن عباس، وعبد الله بن حنظلة، وأم سلمة، وواثلة بن الأسقع، وأبي موسى". اهـ.
فقد أشار الإمام الترمذي ﵀ هنا إلى سبعة عشر حديثًا عن سبعة عشر صحابيًّا ومعرفة هذه الأحاديث المشار إليها والوقوف على أسانيدها ومتونها من أصعب الأمور، كما يعرف ذلك المشتغلون بهذا الفن الشريف.
* قال الشيخ أحمد شاكر ﵀ في مقدمة شرحه للترمذي:
"وهذا أصعب ما جاء في الكتاب على من يريد شرحه، وخاصة في هذه العصور، وقد عَدِمَت بلادُ الإسلام نبوغَ حفاظِ الحديث الذين كانوا مفاخَر العصورِ السَّالفةِ، فمن حاول استيفاء هذا وتخريج كلّ حديث أشار إليه الترمذي أعجزه، وفاته شيءٌ كثيرٌ، وقد حاول الشيخ المباركفوري ﵀ ذلك في شرحه، فلم يمكنه تخريج كل الأحاديث، وقد فكرت في أن أتبعه فيما صنع، ثم وجدته سيكون عملًا ناقصًا، ووجدتُني سأنسب أحاديث إلى كتبٍ لم أرها فيها بنفسي، وسأكون فيها مقلدًا غيري، فأبيتُ". اهـ.
* في وقال معلقًا في الهامش: "رأيت في ترجمة الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى

1 / 6

سنة (٨٥٢) أنه ألف كتابًا سماه: "الباب في شرح قول الترمذي وفي الباب"، ولم أره ولا أعلمه موجودًا في مكتبة من المكاتب، ولو وجد هذا الكتاب أغنى عن كثير من العناء، وأفاد أكبر الفائدةِ لِحْفظِ مؤلفه وسَعِة اطلاعه والثقةِ بنقله". انتهى.
* قُلْتُ: اسم كتاب ابن حجر: "العجاب في تخريج ما يقول فيه الترمذي وفي الباب" ولم يُتِمَّه كما ذكر تلميذه الحافظ السخاوي، حيث قال في كتابه "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر" جـ ٢ ص ٦٦٦، في سياق سرد مؤلفات الحافظ ابن حجر:
"تخريج ما يقول فيه الترمذي وفي الباب، كتب من أوله قَدْرَ سِتَّةِ كراريس، لو كَمُلَ لجاء في مجلد ضخم، سماه: "العجاب في تخريج ما يقول فيه الترمذي وفي الباب"". انتهى كلام السخاوي.
لذلك كله ولمكانة جامع الترمذي، ومكانة مؤلفه، وأهمية موضوع ما يقول فيه الترمذي: "وفي الباب" وكثرة ذلك، قام أخونا العزيز، فضيلة الشيخ/ حسن بن محمد بن حيدر الوائلي، حفظه الله ورعاه، بهذا العمل الجليل: "تخريج ما يقول فيه الترمذي: "وفي الباب"".
والشيخ حسن يحفظ جامع الترمذي كاملًا بالأسانيد (وهذا مما يندر في هذا الزمان)، وله عناية خاصة بجامع الترمذي، فمنذ عرفته مما يقرب من ربع قرن من الزمان وهو لا يكاد يفارق جامع الترمذي، ومن ذلك الوقت وهو يجمع مادة هذا العمل، فكان عملًا عظيمًا، وخدمةً جليلةً لجامع الترمذي خصوصًا، وللحديث النبوي عمومًا.
وقد بذل فضيلة الشّيخ حسن جهدًا جبارًا في ذلك، فخرج كل ما قال فيه الترمذي: "وفي الباب" من مصادره الأصلّية الّتي تروي الحديث بسنده، وبيّن الطرق، وذكر وجوه الاختلاف في الأسانيد وعللها، ولم يفته من تخريج ما ذكره الترمذي إِلَّا أقل من عشرة أحاديث.
هذا، وإنه لا يعلم مقدار الجهد الذي بذله الشيخ حسن في هذا العمل إِلَّا من عرف هذا الفن، واشتغل به.
ولينظر القارئ الكريم مثالًا لذلك ما ذكرتُه أولًا مما قاله الترمذي، في باب، ما جاء في السواك، فقد خرج الشيخ حسن كُلَّ تلك الأحاديث التي أشار إليها الإمام الترمذي عن

1 / 7

أولئك السبعة عشر من الصحابة، وبين طرقها عن كل صحابي، وما وقع في بعضها من الاختلاف، والعلل، وقد وقع مجموع الأحاديث في الكتاب كله حوالي أربعة آلاف حديث.
أسأل الله تعالى أن يجزي أخانا الشيخ حسنًا خير الجزاء على ما قدم، وأن ينفع بعمله هذا الإسلام والمسلمين، وأن يزيدنا وإياه علمًا وتوفيقًا، وأن يثبتنا على الحق حتى نلقاه، وأن يتوفانا وهو راضٍ عنا، إنّه ولي ذلك والقادر عليه، آمين اللَّهُمَّ آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى عفو الله وغفرانه
عبد الله بن محمد الحاشدي
أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الإيمان،
ومركز الدعوة العلمي بصنعاء
بتاريخ العاشر من شهر ذي القعدة عام ١٤٢٥ هـ

1 / 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إنّ الحمد لله نحمده ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له. ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إِله الله. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ وأدى ونصح وأوجب ذلك على من بعده إذ قال: "بلغوا عنى" الحديث.
وقد امتثلت أمته ﵊ ذلك تمام الامتثال، فليس ثم أمة من الأمم الأوّل أودعت لأجيالها كهذه الأمة وكان منشأ ذلك أمرين:
الأوّل: وضع الأسانيد:
وكان ذلك من القرن الأول امتثالًا لقوله ﷺ: "تسمعون ويسمع منكم" الحديث وذلك نصف العلم كما قاله ابن المدينى والمعلوم أن الألفاظ النبوية لا يجوز أن تنمى إليه ﷺ: بدون ذلك ولا يجوز أن يطلق عليها ذلك إِلَّا بذلك فإذا كان ذلك كذلك فيجب على بعض هذه الأمة الحفاظ على ذلك وإلا وقعوا في غير ذلك فلذا لا تجد فئة تسامى أهل الحديث وهم الذين عناهم سيدهم ﷺ: بقوله: "لا تزال طائفة" الحديث وقد قضى بذلك ابن المدينى كما في شرف أصحاب الحديث للخطيب ص ١٠ والإمام أحمد كما في المعرفة للحاكم ص ٢ والإمام البخاري كما في جامعه ١٣/ ٢٩٣.
وقال ابن حبّان: إنهم أحق الناس بقوله ﷺ: "أولى الناس بى يوم القيامة أكثرهم على صلاة" وانظر جامع الترمذي ٢/ ٣٥٤.
ويفهم من قوله ﷺ: "من كذب على متعمدًا" الحديث أن من يذب عنه ذلك أنه يتبوأ منزلًا خلاف المنزل الذى تبوأه الكاذب.
وسر ذلك أنهم لا يخافون في الله لومة لائم إذ نجد المحدث منهم يتكلم في أعز الناس لديه.
فهذا ابن المدينى يضعف أباه ففي التهذيب ٥/ ١٧٥ وقال الحاكم: حدثونا عن قتيبة

1 / 9

قال: دخلت بغداد واجتمع الناس وفيهم أحمد وعلى فقلت حدثنا عبد الله بن جعفر فقام حدث من المجلس فقال: يا أبا رجاء ابنه عليه ساخط حتى يرضى عليه". اهـ. وقد جزم بهذه القصة ابن حبان في الضعفاء وذكر عن ابن المدينى قصة أخرى مثل هذه وانظر الضعفاء له ٢/ ١٥ وقال العباس بن محمّد الدورى: دخل وكيع بن الجراح البصرة فاجتمع الناس عليه وقالوا: حدثنا، فحدثهم حتى قال: حدثنى أبى وسفيان: فصاح الناس من كل جانب، وقالوا: لا نريد أباك، حدثنا عن الثورى فقال: حدثنا أبى وسفيان، فقالوا: لا نريد أباك حدثنا عن الثورى، فأطرق مليًّا ثم رفع رأسه فقال: "يا أصحاب الحديث من بلى بكم فليصبر" هامش تهذيب المزى ٤/ ٥٣٠ فما حدث وكيع عن أبيه منفردًا بل ضم إليه أمير المؤمنين في الحديث ومع ذلك كانت العاقبة منهم ما قاله وكيع وهذا ابن أبى أنيسة زيد يكذب أخاه يحيى كما في مقدمة مسلم وهذا أبو داود يكذب ولده أبا بكر مع أنه لا يسلم له وقصة ابن معين مع بعض أهل الحديث ذكرها السخاوى في الإعلان بالتوبيخ وخلاصتها أن صديقًا له من أهل الحديث أضافه وأحسن ضيافته مع نفر من أهل الحديث فلما خرج من عنده سئل عنه فأجاب بأنه أحسن ضيافته إِلا أنه ضعيف.
فلما كان الشأن فيهم ما سبق مكنهم المولى في أرضه فلا يرفع إِلَّا من رفعوه ولا يوضع إِلا من وضعوه، ومن تكلم منهم في راوٍ ما بغير حق ردوا عليه قوله فلا محاباة عندهم لأحد ما، إذ ذلك القول عندهم شأنه كما قال: أبو زرعة الرازى في كتاب الضعفاء ٢/ ٣٢٩ "كل من لم يتكلم في هذا الشأن على الديانة، فإنما يعطب نفسه، كل من كان بينه وبين إنسان حقد أو بلاء يجوز أن يذكره كان مالك والثورى يتكلمون في الشيوخ على الدين، فنفذ قولهم، ومن لم يتكلم فيهم على الديانة يرجع الأمر عليه". اهـ.
وفى مسند على بن الجعد ص ١٦٥ بسنده إلى يحيى بن أبى كثير أنه قال: في قتادة: "لا يزال أهل البصرة بشر ما أبقى الله فيهم قتادة، وكان قتادة يقول: متى كان العلم في السماكين؟ قال: أبو سلمة: يعرض بيحيى بن أبى كثير يعنى كان أهل بيته سماكين". اهـ. فيصدق على قولهما ما سبق عن أبى زرعة.
وقد صبروا في الدفاع عن الأسانيد صبرًا لم تصبره أي فئة أخرى والحديث عن ذلك يطول جدًّا أكفى من ذلك بما ذكره ابن عساكر في تاريخه في ترجمة الحسن بن سفيان

1 / 10

وذلك أنه ساق بسنده إلى أبى الحسن الصفار قال: كنا عند الشيخ الإمام الزاهد الحسن بن سفيان النسفى، وقد اجتمع لديه طائفة من أهل الفضل ارتحلوا إليه، من أطباق الأرض والبلاد البعيدة مختلفين إلى مجلسه لاقتباس العلم وكتبة الحديث. فخرج يومًا إلى مجلسه الذى كان يملى فيه الحديث وقال: اسمعوا ما أقول لكم قبل أن نشرع في الإملاء، قد علمنا أنكم طائفة من أبناء النعم وأهل الفضل، هجرتم أوطانكم وفارقتم دياركم وأصحابكم في طلب العلم واستفادة الحديث، فلا يخطرن ببالكم أنكم قضيتم بهذا التجشم للعلم حقًّا، وأديتم بما تحملتم من الكلف والمشاق من فروضه فرضًا، فإنى أحدثكم ببعض ما تحملته في طلب العلم من المشقة والجهد، وما كشف الله ﷾ عنى وعن أصحابى ببركة العلم وصفوة العقيدة من الضيق والضنك"
اعلموا أنى كنت في عنفوان شبابى ارتحلت من وطنى لطلب العلم واستملاء الحديث، فاتفق حصولى بأقصى المغرب وحلولى بمصر في تسعة نفر من أصحابى طلبة العلم وسامعى الحديث، وكنا نختلف إلى شيخ كان أرفع أهل عصره في العلم منزلة" وأدراهم للحديث وأعلاهم إسنادًا، وأصحهم رواية، وكان يملى علينا كل يوم مقدارًا يسيرًا من الحديث، حتى طالت المدة وخفت النفقة ودفعتنا الضرورة إلى بيع ما صحبنا من ثوب وخرقة إلى أن لم يبق لنا ما كنا نرجو حصول قوت يوم منه، وطوينا ثلاثة أيام بلياليها جوعًا وسوء حال ولم يذق أحد منا فيها شيئًا، وأصبحنا بكرة اليوم الرابع بحيث لا حراك بأحد من جملتنا من الجوع وضعف الأطراف، وأحوجت الضرورة إلى كشف قناع الحشمة، وبذل الوجه للسؤال فلم تسمح أنفسنا بذلك، ولم تطب قلوبنا به، وأنف كل واحد منا على ذلك، والضرورة تحوج على كل حال فوقع اختيار الجماعة على كتبة رقاع بأسامى كل واحد منا وإرسالها قرعة فمن ارتفع اسمه عن الرقاع كان هو القائم بالسؤال واستماحة القوت لنفسه ولجميع أصحابه، فارتفعت الرقعة التى اشتملت على اسمى فتحيرت ودهشت ولم تسامحنى نفسى بالمسألة واحتمال المذلة فعدلت إلى زاوية من المسجد أصلى ركعتين طويلتين قد اقترن الاعتقاد فيهما بالإخلاص، أدعو الله سبحانه بأسمائه العظام وكلماته الرفيعة لكشف الضر وسياقة الفرج، فلم أفرغ بعد عن إتمام الصلاة حتى دخل المسجد شاب حسن الوجه نظيف الثياب طيب الرائحة يتبعه خادم في يده منديل فقال: من منكم الحسن بن سفيان؟ فرفعت رأسى من السجدة، فقلت: أنا الحسن بن

1 / 11

Nuzhat al-Albab fi Qawl al-Tirmidhi wa fi al-Bab | اصول