النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية
النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية
ایڈیٹر
الدكتور جمال الدين الشيال [ت ١٣٨٧ هـ]
ناشر
مكتبة الخانجي
ایڈیشن
الثانية
اشاعت کا سال
١٤١٥ هـ - ١٩٩٤ م
پبلشر کا مقام
القاهرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي من علينا بالإسلام وهدانا بالإيمان الجاري على أحسن نظام، وأنعم علينا بشفاعة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، وجعل سير الأولين عبرة لأولي الأفهام، وتقلبات الأحوال قاضية على كل أمر حادث بالإنصرام، كيلا يغتر ذو جمال حسن ولا ييأس من لعبت بأحواله أكف السقام وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تشفي القلوب من لظى الأوام وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي فتح للهداية أبوابًا يلج المستفتحون لها بمفاتيح الانقياد والاستسلام، صلى الله عليه وعلى آله صلاة دائمة ببقاء الأيام وبعد فإني لما رأيت أيام مولانا السلطان، الملك الناصر جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، منقذ بيت المقدس من أيدي المشركين خادم الحرمين الشريفين أبي المظفر يوسف بن أيوب بن شاذي سقى الله ضريحه صوب الرضوان، وأذاقه في مقر رحمته حلاوة نتيجة الإيمان، قد صدقت من أخبار
1 / 25
الأولين ما كذبه الاستبعاد، وشهدت بالصحة لما روي من نوادر الكرام الأجواد، وحققت وقعات شجعان مماليكها ما قدحت فيه الشكوك من أخبار الشجعان، ورأيت بالعيان من الصبر على المكاره في ذات الله ما قوى به الإيمان، وعظمت عجائبها عن أن يحيط بها خاطر أو يجنها جنان، وجلت نوادرها أن تحد ببيان لسان، أو أن تسطر في طرس ببنان، وكانت مع ذلك من قبيل لا يمكن الخبير بها إخفاؤها، ولا يسع المطلع عليها إلا أن تروي عنه أخبارها وأنباؤها، ومسني من رق نعمتها، وحق محبتها وواجب خدمتها، ما يجب علي به إبداء ما حققت من حسناتها، ورواية ما علمت من محاسن صفاتها. رأيت أن أختصر من ذلك على ما أملاه علي العيان، أو الخبر الذي يقارب مظنونه درجة الإيقان، وذلك جزء من كل، وقل من جل، ليستدل بالقليل على الكثير، وبالشعاع على المستطيل بعد المستطير، وسميت هذا المختصر من تاريخها: النوادر السلطانية، والمحاسن اليوسفية.
1 / 26
وجعلته قسمين أحدهما في مولده ﵀ ومنشئه وخصائصه وأوصافه وأخلاقه المرضية، وشمائله الراجحة في نظر الشرع الوفية، والقسم الثاني في تقلبات الأحوال به ووقائعه وفتوحه، وتواريخ ذلك أيام حياته قدس الله روحه، والله المستعان في الصيانة عن هفوات اللسان والقلم، وجريان الخاطر بما فيه مزلة القدم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
1 / 27
القسم الأول
في ذكر مولده وخصائصه وأوصافه وشمائله وخلاله
1 / 28
كان مولده ﵀ على ما بلغنا من ألسنة الثقات الذين تتبعوه حتى بنوا عليه تسيير مولده على ما تقتضيه صناعة التنجيم في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة وذلك بقلعة تكريت، وكان والده أيوب بن شاذي رحمه الله تعالى واليًا بها وكان كريمًا أريحيًا حليمًا حسن الأخلاق مولده ببدوين ثم اتفق له الانتقال من تكريت إلى الموصل المحروسة وانتقل ولده المذكور معه وأقام بها إلى أن ترعرع وكان والده محترمًا هو وأخوه أسد الدين شيركوه عند أتابك زنكي واتفق لوالده الانتقال إلى الشام وأعطي بعلبك وأقام بها مدة فنقل ولده المذكور إلى بعلبك المحروسة وأقام بها في خدمة والده يتربى تحت حجره ويرتضع ثدي
1 / 31
محاسن أخلاقه حتى بدت منه أمارات السعادة، ولاحت عليه لوائح التقدم والسيادة، فقدمه الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى وعول عليه ونظر إليه وقربه وخصصه، ولم يزل كلما تقدم قدمًا تبدو منه أسباب تقتضي تقديمه إلى ما هو أعلى منه حتى بدا لعمه أسد الدين ﵀ الحركة إلى مصر المحروسة وذهابه إليها. وسيأتي بيان ذلك مفصلًا مبينًا إن شاء الله تعالى.
1 / 32
ذكر ما شاهدناه من مواظبته على القواعد الدينية
وملاحظته للأمور الشرعية
ورد في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام. وكان رحمة الله عليه حسن العقيدة كثير الذكر لله تعالى قد أخذ عقيدته على الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء وفهم من ذلك ما يحتاج إلى تفهمه بحيث كان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولًا حسنًا وإن لم يكن بعبارة الفقهاء فتحصل من ذلك سلامة عقيدته عن كدر التشبيه. غير مارق سهم النظر إلى التعطيل والتمويه جارية على نمط الاستقامة موافقة لقانون النظر الصحيح مرضية عند أكابر العلماء، وكان قد جمع له الشيخ قطب الدين النيسابوري عقيدة تجمع جميع ما يحتاج إليه في هذا الباب. وكان شدة حرصه عليها يعلمها الصغار من أولاده حتى ترسخ في أذهانهم في الصغر ورأيته وهو يأخذها عليهم وهم يلقونها من حفظهم بين يديه.
1 / 33
وأما الصلاة فإنه كان رحمه الله تعالى شديد المواظبة عليها بالجماعة حتى أنه ذكر يومًا أن له سنين ما صلي إلا جماعة. وكان إن مرض يستدعي الإمام وحده ويكلف نفسه القيام ويصلي جماعة. وكان يواظب على السنين الرواتب، وكان له صلوات يصليها إذا استيقظ في الليل وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح ولم يكن يترك الصلاة ما دام عقله عليه. ولقد رأيته قدس الله روحه يصلي في مرضه الذي مات فيه قائمًا وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه. وكان إذا أدركته الصلاة وهو سائر نزل وصلى.
وأما الزكاة فإنه مات رحمه الله تعالى ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة وأما صدقة النفل فإنها استرقت جميع ما ملكه من الأموال فإنه ملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهمًا ناصرية وجرمًا واحدًا ذهبًا ولم يخلف ملكًا ولا دارًا ولا عقارًا ولا بستانًا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئًا من أنواع الأملاك.
1 / 34
وأما صوم رمضان فإنه كان عليه منه فوائت بسبب أمراض تواترت عليه في رمضانات متعددة وكان القاضي الفاضل قد تولى ثبت تلك الأيام وشرع ﵀ في قضاء تلك الفوائت بالقدس الشريف في السنة التي توفي فيها وقد واظب على الصوم مدة حتى بقيت عليه فوائت رمضانين شغلته الأمراض وملازمة الجهاد عن قضائها ومع كون الصوم لا يوافق مزاجه ألهمه الله تعالى الصوم وأقدره على ما قضاه من تلك الفوائت فكان يصوم وأنا أثبت الأيام التي يصومها لأن القاضي كان غائبًا وكان الطبيب يلوم وهو لا يسمع ويقول لا أعلم ما يكون فكأنه كان ملهمًا ما يراد به رحمه الله تعالى.
وأما الحج فإنه كان لم يزل عازمًا عليه وناويًا له سيما في العام الذي توفي فيه فإنه صمم العزم عليه وأمر بالتأهب وعملنا الرفادة ولم يبق إلا المسير فاعتاق عن ذلك بسبب ضيق الوقت وخلو اليد عما يليق بأمثاله فأخر إلى العام المستقبل فقضى الله ما قضى وهذا شيء اشترك في العلم به الخاص والعام.
1 / 35
وكان رحمه الله تعالى يحب سماع القرآن العظيم ويستجيد إمامه ويشترط أن يكون عالمًا بعلم القرآن العظيم متقنًا لحفظه. وكان يستقرئ من يحرسه في الليل وهو في برجه الجزءين والثلاثة والأربعة وهو يسمع. وكان يستقرئ وهو في مجلسه العام من جرت عادته بذلك الآية والعشرين والزائد على ذلك ولقد اجتاز على صغير بين يدي أبيه وهو يقرأ القرآن فاستحسن قراءته فقربه وجعل له حظًا من خاص طعامه ووقف عليه وعلى أبيه جزأ من مزرعة.
وكان رحمه الله تعالى خاشع القلب رقيقه غزير الدمعة إذا سمع القرآن يخشع قلبه وتدمع عينه في معظم أوقاته. وكان ﵀ شديد الرغبة في سماع الحديث ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير فإن كان ممن يحضر عنده استحضره وسمع عليه فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده ومماليكه المختصين به وكان يأمر الناس بالجلوس عند سماع الحديث إجلالًا له. وإن كان ذلك الشيخ ممن لا يطرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم سعى إليه وسمع عليه. تردد إلى الحافظ الأصفهاني بالإسكندرية حرسها الله تعالى وروى عنه أحاديث كثيرة.
1 / 36