مقدمة ابن الصلاح
علوم الحديث
ایڈیٹر
عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين الفحل
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
ـ[معرفة أنواع علوم الحديث]ـ
المؤلف: عثمان بن عبد الرحمن، أبوعمرو، تقي الدين المعروف بابن الصلاح (المتوفى: ٦٤٣هـ)
المحقق: عبد اللطيف الهميم - ماهر ياسين الفحل
الناشر: دار الكتب العلمية
الطبعة: الأولى
سنة النشر: ١٤٢٣ هـ / ٢٠٠٢ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي]
أعده للشاملة: أسامة بن الزهراء، فريق عمل المكتبة الشاملة
الكتاب مرتبط بنسخة شاملة أخرى (ت عتر)
ومرتبط بـ ٤ نسخ مصورة
١ - الموافقة لترقيمه (ط العلمية، تحقيق ماهر الفحل)
٢ - الموافقة لـ ط نور الدين عتر
٣ - مقدمة ابن الصلاح والتقييد والإيضاح للعراقي، تعليق محمد راغب الطباخ
٤ - مقدمة ابن الصلاح، ومحاسن الاصطلاح للبلقيني، تحقيق بنت الشاطئ
نامعلوم صفحہ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
«ونشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه وسفيره بينه وبين عباده، المبعوث بالدين القويم، والمنهج المستقيم، أرسله الله رحمة للعالمين، وإمامًا للمتقين، وحجةً على الخلائق أجمعين» (١).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوْتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُوْنَ﴾.
آل عمران: ١٠٢.
﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً واتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءلُوْنَ بهِ وَالأَرْحَامِ إنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيْبًا﴾. النساء: ١.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُوْلُوا قَوْلًا سَدِيْدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ويَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوْبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا﴾. الأحزاب: ٧٠ - ٧١.
أما بعد:
فقد اصطفى الله تعالى هذه الأمة، وشرّفها إذ اختار لها هذا الدين القويم، وجعل أساسها المشيد وركنها الركين «كتابه العزيز»، وهيَّأ هذه الأمة لتضطلع بتلك المهمة، ألا وهي حفظ هذا الكتاب الذي تعهد الله ﵎ سلفًا بحفظه، فقال:
﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾. الحجر: ٩، فرزقها جودة الفهم وقوة الحافظة، ووفور الذهن، فلم يتمكن أحد - بحمد الله - من أن يجرأ فيزيد أو ينقص حرفًا أو حركةً منه.
(١) من مقدمة زاد المعاد ١/ ٣٤ للعلامة ابن القيم.
1 / 5
ولما تعهَّد الله تعالى بحفظ القرآن الكريم، كان مما احتواه هذا العهد ضمنًا حفظ سنة رسول الله ﷺ، ومن ذلك حفظ أحاديث المصطفى ﷺ بأسانيدها فكان الإسناد أحد الخصائص التي اختص الله تعالى بها أمة صفيِّه ﷺ.
ولقد أدرك الصدر الأول أهمية ذلك، فروى الإمام مسلم (١) وغيره عن محمد ابن سيرين أنه قَالَ: «إنَّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم» وروى (٢) عنه أنه قال: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة، قالوا: سمّوا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم».
ومن ثَمَّ افتقر الأمر إلى معرفة ضبط الراوي وصدقه، فكانت الحاجة ماسة إلى استكمال هذا الأمر، فكان نشوء «علم الجرح والتعديل» أو «علم الرجال».
وعلى الرغم من أن هذا العلم لم يكن فجائي الظهور، إلا أنه لا مناص من القول بأنه كان مبكر الظهور جدًا، وينجلي ذلك مما نقلناه سالفًا عن ابن سيرين، وقد كان المسلمون مطمئنين إلى أن الله تعالى يهيئ لهذا الأمر من يقوم به ويتحمل أعباء هذه المهمة الجسيمة، فقد أسند ابن عدي في مقدمة " الكامل " (٣)، وابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " (٤) أنه قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ فَقَالَ: تعيش لها الجهابذة، ﴿إنَّا نَحْنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾.
وعلم الحديث دراية ورواية من أشرف العلوم وأجلِّها، بل هو أجلها عَلَى الإطلاق بعد العلم بالقرآن الكريم الذي هو أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث هو المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعضه يستقل بالتشريع، وكثير منه شارح لكتاب الله تَعَالَى مبين له قال تَعَالَى: ﴿وأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٥) وعلم الحديث تتفرع تحته علوم كثيرة ومن تلك العلوم: علم مصطلح الحديث وهو العلم الذي
(١) مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٤ طبعة عبد الباقي.
(٢) المصدر السابق ١/ ١٥.
(٣) ١/ ١٩٢.
(٤) ١/ ٤٦.
(٥) النحل: ٤٤
1 / 6
يكشف عن مصطلحات المحدِّثين التي يتداولونها في مصنفاتهم ودروسهم، وكتاب ابن الصلاح هذا كان واحدًا من أحسن الكُتُب التي أُلِّفَتْ في علم مصطلح الحديث. قال الحافظ العراقي: «أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح كتاب علوم الحديث لابن الصلاح» (١)، وربما كان ذَلِكَ لما حبا الله به ابن الصلاح من فطنة عالية، وجودة ذهن، وحسن قريحة، وسلاسة أسلوب، واستفادته من لَمِّ شتات كتب من سبقه بهذا الباب، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: «من أول من صنف في ذَلِكَ (٢) القاضي أبو مُحَمَّد الرامهرمزي كتابه " الْمُحَدِّث الفاصل " لكنه لَمْ يستوعب، والحاكم أبو عبد الله النيسابوري، لكنه لَمْ يهذب ولم يرتب، وتلاه أبو نعيم الأصبهاني، فعمل عَلَى كتابه مستخرجًا وأبقى أشياء للمتعقب. ثُمَّ جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي، فصنف في قوانين الرواية كتابًا سماه " الجامع لآداب الشَّيْخ والسامع ...، ثُمَّ جاء بعدهم بعض من تأخر عن الخطيب فأخذ من هذا العلم بنصيب: فجمع القاضي عياضٌ كتابًا لطيفًا سماه " الإلماع " وأبو حفص الميانجي جزءًا سماه " مالايسع الْمُحَدِّث جهله " وأمثال ذَلِكَ من التصانيف التي اشتهرت وبسطت ليتوفر علمها واختصرت ليتيسر فهمها إلى أن جاء الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن الصلاح عبد الرحمان الشهرزوري نزيل دمشق - فجمع لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية - كتابه المشهور، فهذَّب فنونه وأملاه شيئًا بعد شيء؛ فلهذا لَمْ يحصل ترتيبه عَلَى الوضع المتناسب، واعتنى بتصانيف الخطيب المتفرقة فجمع شتات مقاصدها وضمَّ إليها من غيرها نخب فوائدها، فاجتمع في كتابه ما تفرَّقَ في غيره، فلهذا عكف الناس عليه وساروا بسيره، فلا يحصى كم ناظم له ومختصر ومستدرك عليه ومقتصر ومعارض له ومنتصر» (٣).
ونحن نكتفي بقول الحافظ ابن حجر عن سوق أقوال أئمة آخرين في بيان أهمية وجودة هذا الكتاب، وعَلَى الرغم من نفاسة هذا الكتاب وأهميته البالغة فإنه لم يطبع
(١) التقييد والإيضاح: ١١.
(٢) يعني: المصطلح.
(٣) نزهة النظر: ٤٦ - ٥١، تحقيق: علي الحلبي.
1 / 7
طبعة علمية محققة تتجلى من خلالها نصوص الكتاب، وتضبط بالشكل، ويتكلم في إيضاح مسائله وغوامضه والتنكيت والتعقيب على بعض ما انتقد عَلَى المصنف. من هنا شمّرنا عن ساعد الجدِّ في تحقيق نص الكتاب وضبطه وضبط نص الكتاب عَلَى ثلاث نسخ خطية مع الإفادة من الطبعات المتداولة، وكان من أفضل الطبعات السابقة لهذا الكتاب:
أولًا: طبعة الدكتور الفاضل نور الدين عتر: سنة ١٩٦٦، نشر المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، وهي طبعة جيدة قياسًا عَلَى سوابقها، لكن مع الجهد الذي قام به الدكتور الفاضل إلاَّ أنَّهُ حصل في نشرته بعض سقط وزيادات وتصحيفات وراجع عَلَى سبيل المثال تعليقنا على الصفحات الآتية:
٧١، ٧٣، ٧٤، ٧٦، ٩٥، ٢٣٢، ٢٤٤، ٢٥٠، ٢٦٣، ٢٦٤، ٢٧١، ٢٨٦، ٢٩٠، ٢٩٧، ٢٩٨، ٣٠٦، ٣٠٩، ٣١٣، ٣١٩، ٣٢٠، ٣٢١، ٣٢٣، ٣٢٥، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣١، ٣٣٣، ٣٣٤، ٣٣٥، ٣٣٧، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٧، ٣٥١، ٣٥٣، ٣٥٤، ٣٥٥، ٣٦٧، ٣٨٤، ٣٩٢، ٣٩٥، ٤٠١.
ثانيًا: طبعة الدكتورة الفاضلة عائشة عبد الرحمان (بنت الشاطئ): فقد حققت الدكتورة الفاضلة عائشة كتاب "محاسن الاصطلاح" للبلقيني سنة ١٩٧٤ م، وطبعت معه كتاب "معرفة أنواع علم الحديث" لابن الصلاح، وجعلته متنًا في الأعلى وجعلت المحاسن في الحاشية، وهذه الطبعة دون الطبعة السابقة، وقد حصل فيها كسابقتها بعض سقط وتصحيف وزيادات، راجع على سبيل المثال الصفحات الآتية:
٧١، ٧٣، ٧٤، ٧٥، ٧٦، ٧٧، ٧٨، ٨٢، ٨٥، ٨٧، ٩٧، ٢٤٢، ٢٤٦، ٢٥٣، ٢٥٦، ٢٥٨، ٢٦٢، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٦٧، ٢٦٨، ٢٧١، ٢٧٤، ٢٧٥، ٢٧٨، ٢٧٩، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٧، ٢٨٨، ٢٩٣، ٢٩٤، ٢٩٧، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٧، ٣٠٩، ٣١١، ٣١٢، ٣١٤، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٨، ٣٢٢، ٣٢٤، ٣٢٦، ٣٢٩، ٣٣٢، ٣٣٤، ٣٣٦، ٣٤٥، ٣٤٨، ٣٥٢، ٣٦٢، ٣٦٥، ٣٦٧، ٣٦٩، ٣٧٢، ٣٧٣، ٣٧٥، ٣٧٧، ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٨٩، ٣٩١، ٣٩٢، ٣٩٥، ٣٩٨، ٤٠١، ٤٠٩.
1 / 8
كان هذا وأمثاله هو الدافع الوحيد الذي جعلنا نعيد تحقيق الكتاب عَلَى أحسن الطرق العصرية في تحقيق النص وضبطه مزدانًا بالشكل التام للكلمات مع التخريج الوافر والتعليق النافع مع تتبع من عقَّب ونكَّت على ابن الصلاح، بالإضافة إلى تحلية الكتاب بالفهارس المتنوعة المتقنة.
وقد رأينا أن نقدَّم لهذا الكتاب بدراسة متوسطة دالة على سيرة ابن الصلاح ومنهجه في هذا الكتاب، وقد جعلناها في أربعة فصول:
تكلمنا في الفصل الأول عن سيرته، وتناولنا في الفصل الثاني ثقافته، وذكرنا في الفصل الثالث دراسة وافية عن الكتاب، وختمناه بالفصل الرابع الذي تكلمنا فيه عن تحقيق الكتاب والمنهج الذي سرنا عليه.
وبعد:
فهذا كتاب " معرفة أنواع علم الحديث " لابن الصلاح، نقدمه لمحبي المصطفى ﷺ السائرين على هديه الراجين شفاعته يوم القيامة، قد خدمناه الخدمة التي توازي تعلقنا بسيدنا المصطفى ﷺ، بذلنا فيه ما وسعنا من جهد ومال ووقت، ولم نبخل عليه
بشيء، وكان الوقت الذي قضّيناه فيه كله مباركًا.
وآخِر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين
المحققان
١/ ٩ / ٢٠٠١
1 / 9
الفصل الأول: سيرته
المبحث الأول: اسمه ونسبه وكنيته
هو تقي الدين أبو عمرو عثمان بن صلاح الدين أبي القاسم عبد الرحمان بن عثمان ابن موسى بن أبي نصر النصري الكردي الشرخاني الشهرزوري الأصل، الموصلي النشأة، الدمشقي الموطن والوفاة، الشافعي المذهب (١).
والنَّصْري: بفتح النون وسكون الصاد المهملة وبعدها راء مهملة أيضًا؛ نسبة إلى جدِّه «أبي نصر» (٢).
والشَّرَخاني: بفتح الشين المعجمة والراء المهملة والخاء المعجمة؛ نسبة إلى
«شرخان» قرية من قرى شهرزور (٣).
والشَّهْرَزُوري: بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء وفتح الراء وضم الزاي وسكون الواو وفي آخرها راء مهملة. وهي كورة واسعة بين إربل وهمدان، تنسب إلى بانيها
(زور بن الضحاك) (٤).
(١) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، والعبر ٥/ ١٧٧، ومرآة الجنان ٤/ ٨٤ - ٨٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦، وطبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤، وطبقات الحفاظ: ٤٩٩، والدارس ١/ ١٦، وطبقات المفسرين للداوودي ١/ ٣٧٧، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢٠، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢١، والأعلام ٤/ ٤٠٧.
(٢) انظر: اللباب ٣/ ٣١١، ووفيات الأعيان ٣/ ٢٤٥.
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٥.
(٤) انظر: اللباب ٢/ ٢١٦، ومعجم البلدان ٣/ ٣٧٥، ومراصد الاطلاع ٢/ ٨٢٢.
1 / 11
المبحث الثاني: مولده
اتفق كل مَنْ ترجم لابن الصلاح على أن مولده كان سنة (٥٧٧ هـ) (١)، لا خلاف بينهم في ذلك، وإنما الخلاف كان في مكان ولادته، فالجمهور على أن ولادته كانت في مدينة «شهرزور» (٢).
وانفرد تلميذه ابن خلّكان (٣) بالقول أن مولده كان في «شرخان»، وعلى الرغم من أن هذا الاختلاف ليس بذي بالٍ في إظهار خلافٍ ما، إلاَّ أن هذا الاختلاف - على تقدير وجوده - لا يلبث أن يزول إذا ما علمنا أن «شرخان» قرية تابعة إلى «شهرزور»، فمَنْ نَسَبَ إلى الأول فقد دقق، ومَنْ نَسَبَ إلى الثاني فقد اكتفى بذكر القطر الأعم، والله أعلم.
المبحث الثالث: أسرته ونشأته وطلبه للعلم
لَمْ توفّر المصادر التي بين أيادينا مادة علمية عن أفراد أسرة مترجمنا، بل قصارى ما عرفناه عنهم: ما كان يتبؤه والده من المكانة الاجتماعية والمركز العلمي المرموق. ولا ضير في أن نتعرض لترجمة مقتضبة لوالده فنقول: لَمْ يكن والده صلاح الدين أبو القاسم عبد الرحمان يعرف تاريخ مولده على وجه الدقة، بل كان يخمن أنه ولد سنة
(٥٣٩ هـ) (٤)، وطلب العلم لاسيما الفقه، وبرع فيه حتَّى «كان من جلة مشايخ
(١) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٢٤، وسير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠، وتذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠، والعبر ٥/ ١٧٧، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٣٢٦، والنجوم الزاهرة ٦/ ٣٥٤، والدارس ١/ ١٦، وشذرات الذهب ٥/ ٢٢١.
(٢) انظر: المصادر السابقة.
(٣) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤، وتابعه الزركلي في الأعلام ٤/ ٢٠٧.
(٤) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
1 / 12
الأكراد المشار إليهم» (١)، ومن ثَمَّ تقلبت به صروف الدهر ما بين موطنه والموصل، حتَّى استقر به الأمر في حلب (٢)، فتولَّى هناك التدريس في المدرسة الأسدية (٣)، حَتَّى تُوفِّي بحلب في ذي القعدة سنة (٦١٨هـ) (٤).
ولقد رعى الوالد ولده وأحسن تربيته، فلقَّن ابنه - الذي ظهرت عليه مخايل النباهة وعلوُّ الهمة وعظيم النشاط - الفقه، ومما يدل على ذلك ما روي عنه أنه أعاد قراءة كتاب " المهذب " على والده أكثر من مرة ولم يختط شاربه بعد (٥).
والذي يبدو لنا: أن الوالد لما أحسَّ بنهم ولده للعلم، اكتفى بأن أعطاه مبادئ العلوم الأولية، ومن ثم ترك لولده مهمة اختيار طبيعة دروسه، فلم يهمل الولد تنويع مصادر معرفته، فطلب على مشايخ بلده الذين كان غالبهم من الأكراد (٦).
وبعد أن أدرك أبو القاسم أن تطلّعات ولده تسمو به عن أن يفي بها معلمو قريته الصغيرة، فسافر به إلى مدينة الموصل (٧) - إحدى أكبر حواضر الإسلام - ولم يطل المقام به كثيرًا فيها (٨)، فما هو إلاَّ أن اشتدَّ عوده وقوي على تحمّل أعباء الحياة، حَتَّى يمَّم وجهه صوب قبلة العلم وجوهرة الشرق دار السلام "بغداد" (٩)، التي كانت آنذاك تعجّ بمظاهر العِلْم، وصنوف أرباب المعرفة وطلابهم، فوردها تقي الدين وسمع بها من جملة من
(١) وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣.
(٢) انظر: تاريخ الإسلام وفيات (٦١٨ هـ) ص: ٣٦٤، الترجمة (٥٣٢).
(٣) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٤٨. وهذه المدرسة منسوبة إلى بانيها أسد الدين شيركوه بن شاذي. ولم يبقَ منها اليوم سوى قبلتها وقبة، وقد رمّمت فيها سنة (١٣١٦هـ) ثماني حجرات. انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣، وخطط الشام ٦/ ١٠٤.
(٤) انظر: تاريخ الإسلام وفيات (٦١٨ هـ)، وسير أعلام النبلاء ٢٢/ ١٤٨.
(٥) انظر: وفيات الأعيان ٣/ ٢٤٣.
(٦) انظر: مقدمتنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١١.
(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٠.
(٨) انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٣٠.
(٩) انظر: الدارس ١/ ١٦، وتاريخ علماء بغداد: ١٤٠.
1 / 13
المشايخ (١)، ثُمَّ بعد أن أحسَّ أن الرحلة سنة من يطلب هذا الشأن (الحديث)، شدَّ رحاله إلى بلاد العجم، ولزم فيها الإمام الرافعي (٢) وبه تفقه وبرع في مذهب الشافعي (٣).
ثُمَّ أجاب أبو عمرو داعي العلم في خراسان حيث الأسانيد العالية التي يرغب فيها أهل الحديث، فدخل نيسابور، ومرو، وهمذان، إلاَّ أن أبرز مَنْ لَقِيَ من المشايخ هناك: الإمام أبا الْمُظَفَّر السمعاني (٤)، وبعد أن سمع وحصّل «الكثير بالموصل وبغداد ودنيسر (٥) ونيسابور ومرو وهمذان ودمشق وحران» (٦)، وتأهّل لأن يكون إمامًا يشار إليه بالبنان. عاد أدراجه بعد رحلة طويلة جال فيها أهم مراكز العلم في بلاد المشرق الإسلامي، فدخل دمشق وقد ناهز السادسة والثلاثين من عمره الذي كانت عدد سنواته (ستة وستين عامًا)، وكان ذلك في حوالي سنة (٦١٣ هـ) (٧).
ثُمَّ قصد القدس فأقام بها (٨)، ودرَّس في المدرسة الصلاحية وتسمى الناصرية أيضًا (٩)، ثُمَّ لما أمر الملك المعظم بهدم سور القدس (١٠)، نزح إلى دمشق مستقرًّا بها (١١)، وذلك في حدود سنة (٦٣٠ هـ) (١٢).
ولا نُغْفِل أن أبا عمرٍو سافر إلى الحرمين حاجًّا، - قَبْلَ استقراره في دمشق وبعدها - وهو لَمْ يعدم في سفرته هذه علمًا يضيفه إلى مخزون علمه (١٣).
(١) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(٢) ستأتي ترجمته في مبحث: شيوخه.
(٣) انظر: طبقات الشافعية لابن هداية الله: ٢٢١.
(٤) ستأتي ترجمته في مبحث: شيوخه.
(٥) بضم أوله: بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة، وتدعى: قوج حصار. معجم البلدان ٢/ ٤٧٨.
(٦) طبقات الشافعية للإسنوي: ٢/ ١١٣.
(٧) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤٢.
(٨) انظر: الأنس الجليل ٢/ ١٠٤.
(٩) انظر: مرآة الجنان ٤/ ٨٥، والبداية والنهاية ١٣/ ١٤٢.
(١٠) انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/ ١٤١.
(١١) انظر: شذرات الذهب ٥/ ٢٢١.
(١٢) انظر: طبقات الشافعية للإسنوي ٢/ ١٣٣.
(١٣) انظر: مقدمتنا لشرح التبصرة والتذكرة ١/ ١٢.
1 / 14