معجم ما استعجم من أسماء الأمكنة والبقاء

معجم ما استعجم من أسماء الأمكنة والبقاء

ناشر

عالم الكتب

ایڈیشن

الثالثة

اشاعت کا سال

١٤٠٣ هـ

پبلشر کا مقام

بيروت

اصناف
human geography
•
علاقے
اسپین
•
سلطنتیں اور عہد
عباسی
عبد الله بن عبد العزيز البكريّ الأندلسي
أبو عبيد عبد الله بن أبي مصعب عبد العزيز بن أبي زيد محمد بن أيوب بن عمرو البكريّ. وهو لغوي من الطّراز الأول في الأفق الأندلسي. وقد اختلفوا في تاريخ ولادته فقال البعض أنه ولد في سنة ٤٠١ هـ وقال آخرون أنه ولد في سنة ٤٣٢ هـ. وأما عن تفاصيل حياته فلا نملك معلومات كافية. هاجر مع والده إلى قرطبة في سنة ٤٤٣ هـ وأخذ فيها يتلقى العلوم والمعارف حيث كانت آنذاك من المراكز الثقافية المهمة حتى سمي بالقرطبي أيضًا إلا أن شهرته هي الأندلسي.
تتلمذ على يد أبي مروان بن حيّان، وأبي بكر المصحفي، وأبي العباس العذري، وأبي عمر يوسف بن عبد البر النّمري.
تسلم منصب الوزارة لمدة في بلاط محمد بن معن الصمادحي صاحب المريّة، الذي اصطفاه وقربه، ورفع مرتبته، ووسع راتبه، ثم عاد إلى قرطبة واشتغل بالعمل الأدبي حتى توفي فيها عام ٤٨٧ أو ٤٩٦ هـ. ويبدو أن تأليفاته ونشاطاته العلمية كلها كانت في قرطبة.
يعتقد البعض أنه لم يرحل إلى الشرق وحتى إلى أفريقية الشمالية أو إلى مناطق أخرى إلا أنه كتب كتابًا تحت عنوان «المغرب في ذكر بلاد أفريقية والمغرب» يصف فيه بلدان أفريقية الشمالية.
آثاره
للبكرىّ مؤلفات كثيرة، أشهرها هذا المعجم، وكتاب المالك والممالك.

نامعلوم صفحہ

[الجزء الاول]
مقدمة*
وصف المعجم، وبيان قيمته العلمية، وتاريخه*
هذا معجم ما استعجم من أسماء المواضع والبلاد، لأبى عبيد البكرىّ. وهو معجم لغوىّ جغرافىّ، يصف جزيرة العرب، ويتقرّى ما بها من المعالم والمشاهد، والبلدان والمعاهد، والآثار والمحافد، والمناهل والموارد؛ ويتتبّع هجرة القبائل العربية من أوطانها، واضطرابها فى أعطانها، وتردّدها بين مصايفها ومرابعها، ومباديها ومحاضرها؛ ويذكر أيامها ووقائعها، وأنسابها وعشائرها.
وهو أثر نفيس من صميم التّراث الأدبى والعلمىّ، ممّا خلّفه العرب إبّان نضجهم العقلىّ، وارتقائهم العلمىّ، ولا نكاد نجد له نظيرا فى معاجم البلدان، التى وصلت إلى أيدينا سليمة من أحداث الزمان، فهو يبذّها جميعا: غزارة موادّ، وكثرة تفاصيل، واكتمال عناصر، ودقة مناهج، وتمام ضبط، وجمال أسلوب، وتحرير عبارة.
سبق البكرىّ إلى التأليف فى جغرافية جزيرة العرب، أبو محمد الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف بن داود الهمدانىّ اليمنى، المعروف بابن الحائك، المتوفى بصنعاء من اليمن سنة ٣٣٤ هجرية، وكتابه «صفة جزيرة العرب»، الذي نشره المستشرق مولّر سنة ١٨٨٤ بمطبعة بريل بليدن، من أنفس كتب الجغرافيا القديمة: اعتمد فيه على مشاهداته الخاصة، وما عاينه فى أثناء رحلاته فى جزيرة العرب، لا على النقل من الكتب؛ لكنّه مع هذه المزية الظاهرة، لا يبلغ مبلغ معجم البكرىّ، لشدة إيجازه.
وقلة تفاصيله، إلا فيما يخص جغرافية بلاده، وهى القسم الجنوبى من جزيرة العرب، فقد حشد له كل جهوده؛ ولأنه لم يرتّب كتابه ترتيب المعاجم، وإنما رتبه على أبواب وفصول.
على أن البكرىّ قد انتفع من كتاب الهمدانىّ هذا كثيرا، فكان من مصادره المهمّة، ينقل عنه، ويستند إليه، وخاصة إذا أظلم ليل الشّبهة وغامت سماء الشكوك.
وممن ألف بعد البكرى معجما عامّا فى البلدن وذكر جزيرة العرب، ياقوت بن عبد الله الرومى الحموى. (٥٧٢- ٦٢٦ هـ) صاحب معجم البلدان، وهو من أجل هذه المعاجم خطرا،

المقدمة / 1

وأعظمها قدرا، ومن أحسنها ضبطا، وأحفلها مادّة، وأعمها فائدة، إلا أنّه مع كل هذه المحاسن لا يوازن بمعجم البكرىّ فى ضبطه وتحرّيه؛ فإن البكرىّ لغوىّ دقيق الحسّ، كامل الأداة، من النحو، والصرف، واللغة؛ ريّان من علوم الرواية: الأشعار، والأخبار، والأنساب؛ إلى علوم الدين: الحديث، والتفسير، والفقه، وغيرها من أطراف الثقافة الإسلامية. كما أنه لا يفوقه استيعابا وإحاطة؛ وهو أمر يبدو غريبا، ولكنه الحقيقة سافرة: فإن معجم البكرىّ ليس من المعاجم العامّة للبلدان، وإنما هو معجم لغوىّ.
خاصّ بتحقيق أسماء المواضع التى وردت فى الشعر العربىّ، وفى الأحاديث، وفى كتب السّير، والتواريخ القديمة، وأيام العرب، وما إلى ذلك؛ فهو فى هذا النوع الخاصّ، أكثر جمعا لأسماء المواضع العربيّة، من معجم البلدان لياقوت. وكم عثرت عند البكرىّ، بل عند الهمدانىّ، على أسماء بلدان وأماكن، لم أجدها عند ياقوت، لأنّ معجم ياقوت معجم عام فى الجغرافيا: يصف البلدان المشهورة، فى أرجاء المعمورة.
أما غير الهمدانىّ وياقوت من أصحاب كتب الجغرافيا، فليس يعنينى أن أقف عندهم، موازنا بين البكرىّ وبينهم، فقد ظهر فضله على جميعهم، بتفوّقه على زعمائهم؛ وكفى بالهمدانىّ وياقوت عالمين، ومؤلفين رئيسين.
أخصّ مزايا معجم البكرىّ كما قلت الضّبط: فإنّه لهذا الغرض ألّف، وقد أبان هو عن ذلك فى مقدمته، إذ رأى كثيرا من أسماء البلدان التى ترد فى الأحاديث والأشعار والسير والتواريخ، قد دبّ إليها التصحيف والتحريف، وضرب لذلك أمثلة كثيرة؛ وكان هذا التحريف داء قديما، لم يسلم من آفته حتى أئمة الرّواة وكبار العلماء، كالأصمعىّ من علماء اللغة، ويزيد بن هارون من المحدّثين، فراعه ذلك، وأوحى إليه بتأليف كتابه.
والبكرىّ يضبط الكلمات بالعبارة لا بالحركات، وهذه إحدى مزاياه، ولولا ذلك لاختل المعجم، وضاعت قيمته، ولم يسلم من شوائب التحريف، التى ذهبت بكثير من محاسن غيره.
ويعوّل المؤلف فى الضبط على الشعر العربى أولا، فيأتى بالشعر الذي ورد فيه اسم المكان، ويسنده إلى الراوى الذي نقله من العلماء، ويوازن بين الروايات، ويرجّح رواية الثقات، ويعتمد فى ذلك على النسخ الفذّة، التى كتبها العلماء نفسهم بأيديهم، أو التى

المقدمة / 2

كتبها ورّاقوهم المعروفون، أو تلاميذهم المبرّزون، وقرءوها عليهم؛ وقد اجتمع للبكرىّ من الكتب ذوات الخطوط المنسوبة، والأصول المضبوطة، شىء كثير، من كتب أبى على القالى التى دخل بها الأندلس، ومؤلفاته التى عليها خطه أو سماع تلاميذه؛ ومن كتب غيره من العلماء، كالأصمعىّ، رواية ابن أخيه عبد الرحمن، أو أبى حاتم السجستانىّ؛ ومن كتب أبى عبيد، وابن دريد، ونفطويه، وابن السّكّيت، والسّكونىّ والهمدانىّ، والأحول والأثرم، وغير هؤلاء من الأعلام الذين لا يوجد فى أيدينا من كتبهم الآن إلا النّزر اليسير.
وكان يعتمد فى الحديث على روايات الكتب الصّحاح، وخاصة الموطّأ، والبخارىّ، وسنن أبى داود؛ وينقل كثيرا من الأحاديث عن ابن وهب وابن القاسم من شيوخ المالكية.
وينقل عن ابن إسحاق صاحب السّيرة، وعن أبى جعفر الطّبرى. ويصحح ما وقع فى كتب أولئك وهؤلاء من تحريف فى أعلام البلدان، ويخرج من المغمعة منصورا فى أكثر الأحيان.
ومعجم البكرى قليل الحشو والفضول: ذلك أنه لم يكن مما يعنيه أن يذهب مذهب ياقوت، فى قياس طول البلد وعرضه ودرجة حرارته، وذكر مياهه ونباته وحيوانه ومشاهده وآثاره وأسواقه، فإن كل هذا مما يتناوله البحث الجغرافى الخالص؛ أما البكرىّ فقد حدّد غرضه فى مقدمته بأنه لغوىّ بحت، يقوم على الضبط وتصحيح الأسماء أولا، لا على جمع الأخبار، ولذلك قلّ تعرّضه لكثير مما يتعرض له الجغرافىّ المتخصّص؛ ولم يكن كذلك مما يعنيه أن يذكر العلماء الذين خرجوا من كل بلد، مما أطال فيه ياقوت وأسهب، وهو إن لم يخل من فائدة إلى الحشو أقرب، لأن لمعرفة الرجال كتبا خاصة، وقد عابه بذلك صاحب كتاب «مراصد الاطلاع، على أسماء الأمكنة والبقاع»، الذي اختصر معجم البلدان، بعد حذف فضوله وحشوه، فى نحو ثلث صحائفه.
وليس فى معجم البكرىّ ما يعاب به عند المشارقة، سوى ترتيبه بترتيب حروف الهجاء عند المعاربة على هذا النحو: اب ت ث ج ح خ د ذ ر ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ وى ولكن مما يعاب به عند جميع الناس أنه جعل ترتيب الكلمات فى كل باب على ترتيب الحرفين الأول والثانى الأصليين من الكلمة، دون نظر إلى ترتيب ما بعدهما من

المقدمة / 3

الحروف. وإذا كان الحرف الثانى ألفا زائدة كألف صاحب وفاضل، أهمله ولم ينظر إليه، واعتبر الحرف الثانى ما بعد الألف، وفى هذا ما فيه من العسر والتكلف. ولذلك يضطر الباحث عن كلمة فى حرف من الحروف أن يقلّب صفحات المعجم فى هذا الحرف، حتى يعثر على ضالّته بالمصادفة، لا بأن يطلبها فى موضعها الذي ينبغى أن تستقر فيه، بحسب نظام الفهرسة الدقيقة لألفاظ المعاجم.
ولذلك كان من عملى فى هذا المعجم أن غيّرت وضع مادته، ورتبتها على حسب ترتيب حروف الهجاء فى المشرق، وعلى ما يقتضيه نظام الفهرسة الصحيح، وذلك بترتيب حروفها بحسب صورتها، لا بحسب جوهرها ومادتها، فليس مما يعنى الباحث أن يكون الحرف أصليا أو زائدا، وإنما يعنيه أن يكون موضع الكلمة التى فيها حرف الألف قبل موضع الكلمة التى فيها حرف الباء، وهذه قبل التى فيها حرف التاء، فى أى مكان وقع الحرف من الكلمة. كما يعنيه هذا الترتيب نفسه فى الأحرف التى بعد الحرفين الأوّلين، وبهذا تأخذ الكلمات أوضاعا طبيعية مسلسلة، تهتدى فيها العين إلى موضع البحث من المعجم بسرعة، وبالنظرة العجلى والخاطفة، دون كد الذهن فى قواعد الأصالة والزيادة، أو الاعتماد على الفهارس والملاحق وما إليها، فإن ذلك مما يصرف النفس عن الاستفادة من الكتاب إلى غيره مما هو أسهل منه وضعا. وكم رأيت من فضلاء الباحثين من يصرفه تعقيد كتاب القاموس المحيط للفيروزابادىّ، عن الاستفادة من جواهره ولآلئه.
وعلى الرغم من هذا تلقى العلماء المسلمون قديما وحديثا معجم البكرىّ بالقبول ووثّفوا صاحبه، ورفعوه مكانا عليّا، فوق اللغويين وأصحاب المعاجم، واعتمدوا عليه فى تحقيق المشكلات، خصوصا علماء المغاربة والأندلسيين، من المحدّثين والأخباريّين، ومن أشهرهم القاضى عياض (٤٧٦- ٥٤٤) فى مشارق الأنوار، والسّهيلى (٥٠٨- ٥٨١ هـ) فى الرّوض الأنف، فقد نقلا عنه كثيرا فى كتابيهما. أما أصحاب المعاجم اللغوية، فمعجم البكرىّ كان عندهم أعظم أصولهم، فى تحقيق أعلام البلدان العربية وضبطها، وأكثر من انتفع به منهم الفيروزابادىّ (٧٢٩- ٨١٧ هـ) صاحب القاموس، والزّبيدى (١١٤٥- ١٢٠٥ هـ) صاحب تاج العروس، وشيخه محمد بن الطّيب الفاسى (١١١٠- ١١٧٠ هـ) صاحب الحاشية على القاموس، وكثير غير هؤلاء.

المقدمة / 4

ومهما ذكرت المعاجم اللغوية من أسماء المواضع، فقد بقى فى معجم البكرىّ بعد ذلك كثير من أعلام الأمكنة، لم تحوه معاجم اللغة، مع أنه من صميم المادة العربية؛ ولذلك كان الكتاب ولا يزال مرجعا مستقلّا يقدره العلماء الباحثون حق قدره.
والعلماء المستشرقون من الغربيين ليسوا أقل تقديرا لهذا المعجم من المشارقة، فقد أبان العلّامة دوزى الهولندىّ عن منزلة معجم البكرىّ فى كتابه: مباحث فى التاريخ السياسى والأدبى لأسبانيا فى العصور الوسطى (الجزء الأول، الطبعة الأولى بليدن سنة ١٨٤٩ ص ٣٠٤، ٣٠٥) إذ يقول ما ملخصه:
«إن المعجم فريد فى بابه، فليس لدينا كتاب يمكن أن يوازن به من ناحية السّعة، أو من ناحية دقة التفاصيل، فهو يحتوى على عدد ضخم من أسماء الأماكن والبلاد والجبال والأنهار والمياه، مرتبة بترتيب الحروف الهجائية عند أهل المغرب، مما يرد ذكره فى الروايات العربية القديمة، وفى أحاديث الرسول، وفى الشعر على الخصوص. والمؤلف ينبه على ضبطها وتحديد أماكنها، ويقتبس كثيرا من الأشعار التى ورد ذكرها بها.
ولا شىء أجلب للعناء ولا أحوج إلى الضبط، من أسماء المواضع والأماكن التى ترد فى الشعر القديم. والكتاب يقدّم معونة لا تقدّر فى هذه السبيل، ولا غنى عنه لكل من يدرس التاريخ والشعر القديمين، والجغرافيا والوثائق التاريخية أو الشبيهة بالتاريخية.
وأقول أخيرا ما قلته أولا: إن هذا الكتاب فريد فى بابه، إذ أن كل ما بقى لنا من هذا النوع ضئيل هزيل، غير دقيق فى معظم الأحيان، إذا ووزن بهذا الكتاب الجليل، الملىء بالتفاصيل الشائقة الغريبة، والذي ألفه مؤلفه مستعينا بأصول ممتازة، تكاد تكون اليوم مفقودة.
ومؤلّفه أديب وجغرافى، كان جديرا كل الجدارة بالقيام بهذه المهمة الشاقّة، فإن غيره من الجغرافيين؟؟؟ يكدّسون الأخطاء فوق الأخطاء، ويأتون بالمتناقضات بعد المتناقضات؛ فإذا أخذت اسم مكان ورد فى قصيدة قديمة، وحاولت البحث عنه فى أى كتاب- خلا «مراصد الاطلاع، على أسماء الأمكنة والبقاع» فإنه فى هذا الباب فوق كل نقد- ونفرض أنك وجدت الاسم فيه، وذلك نادر، ووازنت بين ما يقوله ذلك الجغرافى فى كتابه، وما يقوله البكرىّ، فإنك تجد فى الغالب أن المعلومات التى يأتى بها الأول خطأ كلها، أو قل: مختلطة

المقدمة / 5

مهوّشة، على حين أن المعلومات التى يأتى بها البكرىّ صحيحة مفصّلة، وواضحة ناصعة.
ويزيد فى قيمة هذا الكتاب مقدمته التى بيّن فيها المؤلف حدود بلاد العرب، وأقسامها الجغرافية: تهامة والحجاز ونجدا واليمن، كما تحدّث فيها عن القبائل العربية، التى استقرت فى هذه الأقسام، وأرخ تنقلاتها ووقائعها وأيامها» .
أما المستشرق فردنند وستنفلد (١٨٠٨- ١٨٩٩) صاحب الفضل على المكتبة العربية، بما نشر من نفائسها وذخائرها، مثل معجم البلدان لياقوت، والسّيرة لابن هشام، والاشتقاق لابن دريد، وكثير غيرها من أمهات الكتب، فقد انتفع بتقدير العلّامة دوزى للكتاب، وأقبل عليه يدرسه، ويستجلى محاسنه، وأدهشته مقدمته، فترجمها كلها إلى الألمانية، وأنشأ على أساسها بحثا مهما فى أماكن القبائل العربية وتنقلاتها (وقد طبع كبحث مستخرج من المجلد الرابع عشر لأعمال الجمعية الملكية للعلوم سنة ١٨٦٩) .
ثم اتجهت عنايته إلى نشر المعجم، فراح يجمع له الوثائق، ويقابل نسخته التى كتبها بالنسخ المفرقة فى مكتبات ليدن، وكمبردج، ولندن، وميلان. واستخلص بالاعتماد على هذه النسخ الأربع صورة كتبها بخطه، وأذاعها بمطبعة الحجر،Lithographe.
فى مجلدين كبيرين من القدر المتوسط، بلغ مجموع صفحاتهما مع المقدمة والفهرس أكثر من ٩٠٠ صفحة، صدر المجلد الأول منهما سنة ١٨٧٦، والثانى سنة ١٨٧٧ بجوتنجن من ألمانيا.
وقد بذل وستنفلد قصارى جهد العالم الضّليع، فى الضبط والتحرّى ومقابلة النسخ، والاستيثاق من الأصول. وأضاف إلى الكتاب فهرسة شاملة للمواضع التى وردت قصدا فى أماكنها، وعرضا فى غير أماكنها مرتبة على حروف الهجاء بطريقة أهل المشرق، بلغت سبعا وخمسين صفحة، ومقدمتين للجزأين فى اثنتى عشرة صفحة، وسلخ فى كل ذلك زمنا طويلا، بل عمرا مديدا.
لكن النسخ التى اعتمد عليها العلامة وستنفلد، كما وصفها فى مقدمة الجزء الأول ليست مستوية فى درجة الصحة، ولا فى استيعاب المادّة وقلما خلت من اضطراب، كأكثر النسخ الموجودة فى العالم من هذا الكتاب.
ولذلك وقع فى مطبوعته شىء كثير من التصحيف والتحريف، والزيادة والنقص، يعذر الناشر فى أكثره، لأنه مطابق لما بيده من النسخ الأربع. ولعله إنما نشره بمطبعة

المقدمة / 6

الحجر، وأغفل مقابلات النسخ، لأنه اعتبرها طبعة مؤقتة يستفيد منها العلماء فى بحوثهم فائدة سريعة، إلى أن يحصل على أصول أخرى غير تلك، أتم ضبطا، وأوضح خطا، وأكثر تفصيلا، تعين على نشر الكتاب وإذاعته فى طبعة بمطبعة الحروف، كما فعل فى معجم البلدان والسيرة والاشتقاق وغيرها. هذا إلى أنه أبقى المعجم على ترتيبه الذي وضعه عليه المؤلف، وهو وضع غير مألوف عند المشارقة، لاختلاف ترتيب الحروف الهجائية فى المغرب، عنها فى المشرق. ولذلك كان مصدر عناء للباحثين فى طبعة جوتنجن من المشارقة، فلم يقبل عليه إلا الأقلّون، برغم أن الناشر قد أضاف إليه فهرسة على ترتيب أهل المشرق للحروف.
وقد حفزنى الإعجاب بمعجم البكرىّ، أن أبحث إبّان الحرب، عما يوجد من مخطوطاته بمصر، فتتبعت فهارسها بجامعة فؤاد الأول، ودار الكتب المصرية، وخزانة الأزهر، وغيرها، فعثرت على ثلاث نسخ منه، اثنتين بدار الكتب، ونسخة بالأزهر، وكلها يمتاز بحظ موفور من الضبط، والوضوح، وجمال الخط، وإن لم تستو فى استيفاء المادة، فأقبلت عليها بحثا ودرسا، ومقابلة وموازنة، إلى أن وضح لى أنها فى مجموعها أقدم زمنا وأحسن ضبطا، وأتم تفصيلا، من النسخ التى عثر عليها العلامة وستنفلد، وأنه يمكن أن ينتفع بها كلها فى تصحيح الكتاب، وإخراج صورة صحيحة منه.
ولما كانت لجنة التأليف والترجمة والنشر معنيّة بنشر نفائس المخطوطات والكتب، عرضت أمر هذا المعجم على حضرة رئيسها صاحب العزة العالم الجليل الأستاذ أحمد أمين بك، فوافقنى على إعادة نشره، مطابقا للأصول المصرية المحفوظة عندنا بمصر، وعهد إلىّ فى القيام بتحقيق الكتاب وترتيبه، على أن تتكفّل اللجنة بنفقات طبعه فى مطبعتها.
وها نحن أولاء جميعا نقدم هذا الجزء الأول من المعجم إلى روّاد البحث عن المصادر العربية العتيقة، يختال فى أبراده ووشيه، وحلله ورقمه، من الورق الأبيض الناصع، الذي طال عهد الناس بفقده، ومن الحروف العربية الجميلة، فوق الذي بذلناه فيه من تحقيق وتصحيح، لا تراهما إلا العين المجردة من الهوى، مما اقتضى منا كثيرا من الجهد المضنى، والعناء الذي لا يقوم به إلا الصبر الجميل.

المقدمة / 7

الأصول المخطوطة التى اعتمدت لطبع هذا المعجم*
أما الأصول المخطوطة التى اعتمدت عليها فى إخراج الكتاب وتحقيقه فثلاثة:
الأصل الأول: النسخة المرموز لها بالحرف س، وهى محفوظة بدار الكتب المصرية، ورقمها ٤٠٤ جغرافيا، مجلد واحد، من أول الكتاب إلى آخر حرف الحاء، وخطها أندلسى جميل، وورقها كتّانى ثخين، أبيض مشرب صفرة، تخف على الهوامش، وتشتد تحت السطور المكتوبة، ويكاد يكون لون الورق تحت المداد بنيّا، وقد آذنت هذه النسخة بالزوال، لكثرة ما بها من تقطيع وترقيع، وهى لا تحتمل تقليب الأيدى، لشدة جفاف ورقها وتكسره؛ وتحسن دار الكتب صنعا بأن تصورها، وتحفظ أصلها فى حجرة المعرض، لقدمها وجمال خطها.
عدد صفحات هذا المجلد ٢٩٤ صفحة. ويؤخذ من قدر مادّته، ومن عبارة الصفدىّ التى على وجهه أنه كان يتبعه سفران آخران، إلا أنه اليوم أصبح فريدا وحيدا.
أما المجلدن الآخران اللذان أضيفا إليه لتكملة النسخة، وكتب عليهما الرقم الذي على السفر الأول (٤٠٤) فليسا من هذه النسخة فى قليل ولا كثير، وإنما هما بقية من نسخة أخرى، سنصفها بعد هذه، ونثبت خطأ دار الكتب فى ظنها، بأدلة فنية ومادية لا تحتمل جدلا.
طول صحيفة هذا المجلد ٢٧ سنتيمترا، وعرضها ٢٠ وطول مسطرتها؟؟؟ ٢/١ ١٩ سنتيمترا، وعرضها ١٣ وعدد سطورها ٢٥ وعدد كلمات كل سطر فى المتوسط ١٤ كلمة، وتتميز كلمات المعجم وأسماء الشعراء بخط كبير جهير، بقلم الكاتب نفسه، وبالمداد الأسود الذي كتب به المتن.
وبأعلى الصفحة الأولى من الكتاب بخط كبير هاتان الكلمتان:
وتحته بخط أندلسى كبير:
وتحت ذلك بنفس الخط:
وتحت ذلك بخط صغير:
وتحته:
وقف الخاصية السفر الأول من كتاب معجم ما استعجم تأليف أبى عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن محمد البكرىّ ﵀، وغفر له

المقدمة / 8

وتحت ذلك هذه العبارة التى تتضمن تاريخ النسخ ومكانه، وهى:
«استنسخ بمدينة سبته حرسها الله، من كتاب الفقيه...........
للفقيه الأجل الأكرم الأفضل أبى محمد عبد الله بن الشيخ المرحوم أبى الطيب عبد المنعم ابن عبد النور، ﵏، ونفع به مالكه.
وكان الفراغ منه يوم الخميس التاسع عشر من رجب الفرد عام عشرة وستمائة.
ونلاحظ هنا أن يدا أثيمة قد امتدت إلى اسم الفقيه مالك النسخة التى هى أصل لنسختنا هذه، فمحته، وصار محله خلوا بقدر سطر.
وتحت ذلك قريبا من وسط الصفحة، كتبت هذه العبارة. بخط الرقعة الجميل الحديث:
«مستخرج من دشت المؤيد ومضاف فى ١٤ ديسمبر سنة ١٨٩١ نمرة ٧١ بوصية نمرة خصوصية: ١٨٣ لغة نمرة عمومية: ٢٥٥١٥ ويلى ذلك حروف الهجاء عند المغاربة، وهى التى رتب عليها المعجم، ولعلها بخط الكاتب ومداده.
وفى أسفل الصفحة من جهة اليمين كتابة جانبية نصها: «هو وما بعده من كتب خليل بن أيبك الصفدىّ» . والعبارة بخط بارع فى الجمال، من خط عصر المماليك، ويظهر لى أنها خط الصفدىّ نفسه، وهى تشبه تعليقات كثيرة، وطررا مكتوبة بهذا القلم البارع، مبثوثة على هوامش الكتاب وجوانبه.
وفى اعتدال صفحة الكتاب إلى جانب عبارة الصفدىّ، نحو خمسة أسطر بخط ديوانىّ مصرىّ متأخر، بين النسخىّ والرّقعة، قد محيت، وبقيت معالمها غير واضحة، وفيها بقية من اسم المرحوم على مبارك باشا، أحد الوزراء السابقين فى عصر إسماعيل وتوفيق. ولعل هذه العبارة تتضمن محضرا وإشهادا بالعثور على هذه النسخة بجامع المؤيذ، واستنقاذها من الدشت، حينما كان على مبارك باشا وزيرا للأوقاف والأشغال، وله إشراف على المساجد وما تحويه خزائنها من الكتب، ولعل على مبارك باشا تملّك هذه النسخة حقبة من الزمن، ثم أعادها إلى دار الكتب لتحفظ فيها. وقد محيت هذه العبارة، واكتفوا بأن كتب بدلها فى وسط الصفحة بالمداد البنفسجىّ، العبارة: مستخرج من دشت.......
التى ذكرناها آنفا.

المقدمة / 9