Modern Scientific Theories: Their Intellectual Journey and the Arab Westernized Thought's Approach - A Critical Study

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

ناشر

مركز التأصيل للدراسات والبحوث

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م

پبلشر کا مقام

جدة - المملكة العربية السعودية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة كتاب تأثير النظريات العلمية الحديثة
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، والصلاة والسلام على أشرف خلقه وخاتم رسله، وبعد، فإن علماء الإِسلام قد خلفوا لنا تراثًا علميًا ضخمًا، متعدد المناحي، وما يزال معظم هذا التراث مخطوطًا لم ير النور، ولم يتعرف عليه الباحثون، رغم ما فيه من المعاني الدقيقة والأفكار العميقة التي تخدم واقعنا المعاصر وتنير السبل لأمتنا في مجالات الفكر والتشريع والثقافة، ويقدر بعض الخبراء أن ما بقي مخطوطًا من تراث علماء الإِسلام يربو على ثلاثة ملايين عنوان، تقبع في زوايا المكتبات، وظلام الصناديق والأقبية، حتى إن بعضها لم يفهرس فهرسة دقيقة فضلًا عن النشر. فكان من المهم في هذه المرحلة أن تتجه الجهود لتقويم هذا التراث واستجلاء ما ينفع الناس منه في عصرنا، ثم العمل على تحقيقه ونشره.
وإن وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية بدولة قطر -وقد وفقها الله لأن تضرب بسهم في إحياء هذا التراث- لتحمد الله ﷾ على أن ما أصدرته من نفائس التراث قد نال الرضا والقبول من أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها.
والمتابع لحركة النشر العلمي لا يخفى عليه جهود دولة قطر في خدمة تراث الأمة منذ ما يزيد على ستة عقود، وقد جاء مشروع إحياء التراث الإِسلامي الذي بدأته الوزارة منذ ست سنوات امتدادًا لتلك الجهود وسيرًا على تلك المحجة التي عُرفت بها دولة قطر.
ومنذ انطلاقة هذا المشروع المبارك يسر الله جل وعلا للوزارة إخراج مجموعة من أمهات كتب العلم في فنون مختلفة تُطبع لأول مرة.

1 / 1

ففي تفسير القرآن الكريم أصدرت الوزارة تفسير الإمام العُليمي (فتح الرحمن في تفسير القرآن) وفي علم الرسم أصدرت كتاب (مرسوم المصحف للإمام العُقيلي) ونحن بصدد إصدار جديد متميز لـ (المحرر الوجيز لابن عطية) مقابلًا على نسخ خطية عدة.
وفي السُّنَّة أصدرت الوزارة كتاب (التوضيح شرح الجامع الصحيح لابن الملقن)، و(حاشية مسند الإمام أحمد للإمام السندي)، و(شرحين لموطأ مالك لكل من القنازعي والبوني)، و(شرح مسند الشافعي للإمام الرافعي)، و(نخب الأفكار شرح معاني الآثار للبدر العيني) إضافة إلى (صحيح ابن خزيمة) بتحقيقه الجديد المُتقن.
وأخيرًا صدر عن الوزارة كتاب (التقاسيم والأنواع للإمام ابن حبان) وكذا (مطالع الأنوار لابن قرقول)، وهما ينشران لأول مرة، وهناك مشاريع أخرى يُعلن عنها في حينها.
وفي الفقه أصدرت الوزارة: (نهاية المطلب في دراية المذهب للإمام الجويني) الذي حققه وأتقن تحقيقه عضو لجنة إحياء التراث الإِسلامي أ. د. عبد العظيم الديب -رحمه الله تعالى- وكتاب (الأوسط لابن المنذر) بمراجعة دقيقة للدكتور عبد الله الفقيه عضو اللجنة، وكتاب (التبصرة للخمي)، و(حاشية الخلوتي في الفقه الحنبلي)، وكتاب (الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي)، وفي الطريق إصدارات أخرى مهمة تمثل الفقه الإِسلامي في عهوده الأولى.
وفي السيرة النبوية أصدرت الوزارة الموسوعة الإسنادية (جامع الآثار لابن ناصر الدين الدمشقي). وفي معتقد أهل السنة والجماعة أصدرت الوزارة كتابًا نفيسًا لطيفًا هو كتاب (الاعتقاد الخالص من الشك والانتقاد لابن العطار)، صاحب الإمام النووي -رحمهما الله-.
ولم نغفل عن إصدار دراسات معاصرة متميزة من الرسائل العلمية وغيرها فأخرجنا (القيمة الاقتصادية للزمن) و(نوازل الإنجاب) وفي الطريق -بإذن الله تعالى- ما تقر به العيون من دراسات معاصرة في القرآن والسنة، ونوازل الأمة.
واليوم يسر الوزارة أن تقدم لشداة العلم والمعرفة هذا الكتاب القيم (تأثير النظريات العلمية الحديثة في الفكر التغريبي المعاصر -دراسة نقدية في ضوء

1 / 2

العقيدة الإِسلامية للدكتور حسن بن محمَّد حسن الأسمري)، وهو دراسة علمية رصينة تعالج أثر النظريات العلمية الحديثة على المتغربين الذين يحيون مع الأمة بأبدانهم ومع أعدائها بقلوبهم وأفكارهم، ويسعون جاهدين في مصادمة حقائق الإِسلام وثوابته وعقائده وشرائعه بتلك النظريات التي أنتجتها عقول غربية في حالة من الخصومة الشديدة مع الدين وتسلط الكهنوت الكنسي.
فهذه النظريات عند نشأتها اختلطت بانحرافات كثيرة كان من أخطرها موقفها من الدين فدعت إلى الدفاع عن الإلحاد باسم العلم، وإقامة العلوم الحديثة مستقلة بنظرياتها ومناهجها عن الوحي، ردًا على محاربة الكنيسة للعلوم وتنكيلها بأهلها ورميهم بالكفر.
وذكر المؤلف أن تلك الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث بدأت تدخل إلى بلاد المسلمين في صور مختلفة، وأنها أحدثت صراعًا فكريًّا كبيرًا انقسم أصحابه إلى ثلاثة اتجاهات أساسية، مؤكدًا أنه لم يكن ثَمّ خصومة في يوم من الأيام بين الإِسلام وصحيح العلم والمعرفة.
وتأتي هذه الدراسة تصحيحًا للرؤية في مساقاتها المتعددة الفكرية والعلمية والدينية.
ولا يفوتنا التنويه بالجهود المتميزة لمركز التأصيل للدراسات والبحوث الذي يشرفنا التواصل والتعاون العلمي معه. ونشكر القائمين عليه ونسأل الله -جل وعلا- أن يجعلنا وإياهم من المتعاونين في سبيل نهضة الأمة وتقوية بنيانها العلمي والفكري.

1 / 3

المقدمة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فإنه في العصر الحديث ما احتاجت الأمة ألزم ولا أوجب بعد تجديد أمر الدين مثل أهمية إصلاح أمر الدنيا، وذلك بالاستفادة من العلوم الحديثة، ومن فقه علماء الشريعة بذلك فقد جعلوها في درجة الواجبات ومن فروض الكفايات.
وإنه في العصر الحديث ما ابتُليت الأمة بشيء بعد ضعفها الديني والدنيوي بأسوأ من تيارات التغريب المختلفة، فقد أعاقت هذه التيارات نهضة الأمة الحقيقية، ولوثت الجو الفكري في العصر الأخير.
وقد التصق المتغربون بالغرب وثقافته، وشاركوا في نقل الثقافة الغربية إلى العالم الإِسلامي مع غيرهم ممن تبنى عملية النقل، ولكن التغريبي ركّز على الأمراض أكثر من تركيزه على النافع.
فقد عانت الأمة الإِسلامية في القرون الأخيرة من أمور كثيرة، وكان من

1 / 5

أشهرها مشكلتا الضعف والتخلف وآثارهما في أغلب مجالات الحياة ونشاطاتها، وصاحب ذلك اتساع دائرة الجهل بالدين، وانتشار الابتداع فيه، وتسلط أعداء الأمة عليها من الداخل والخارج.
وفي فترة ذلك الضعف العام للعالم الإِسلامي ظهر تقدمٌ كبير في الجانب الدنيوي في بلاد الغرب، وارتبط هذا التقدم بتطورات علمية مختلفة كان أبرزها علوم الطبيعة والرياضيات وما لحقها من تقدم تقني وصناعي، ولحق ذلك تقدم في مجالات العلوم المختلفة، ومنها العلوم الاجتماعية الحديثة مثل علم الاجتماع، وعلم النفس. . وغيرهما من العلوم.
بدأت الرغبة عند المسلمين في الإفادة من تلك العلوم لمسايرة المتقدم الموجود في العالم والاستفادة منها في حياتهم، ولكن هذه العلوم قد اختلطت بها أثناء نشأتها الحديثة انحرافات كبيرة كان من أخطرها موقفها من الدين الذي قد يصل بصور منها إلى الدفاع عن الإلحاد باسم العلم، والدعوة إلى إقامة العلوم الحديثة مستقلة بمناهجها ونظرياتها وتوجهاتها حتى لو خالفت الدين، وزاد من اتساع خطورة الأمر ارتباط بعض العلوم الحديثة المشهورة -غالبًا- بنوعين من العلماء: النوع الأول فئة من الملاحدة المنكرين للأديان حاولوا توجيه تلك العلوم إلى مسارهم الإلحادي، والنوع الثاني فئة اللا أدرية؛ فلا هم ينفون قضايا الدين ولا هم يثبتونها، وإنما يقفون موقف "اللا أدري"، مع أنهم في نشاطهم العلمي يتحركون دون مراعاة لأي أصل ديني، ثم زاد ضرر تلك الانحرافات -المرتبطة بحركة العلم الحديث- وخطرها عندما خرجت عن مجالها الحسي والتجريبي لتُطبَّق في مجالات أخرى ولاسيّما مجال الغيبيات.
ومما يؤسف له أن تلك الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث بدأت تدخل إلى بلاد المسلمين في صور وأشكال مختلفة، وأحدثت صراعًا فكريًا كبيرًا انقسم أصحابه إلى ثلاثة اتجاهات أساسية هي:
الاتجاه الأول: الاتجاه السلفي الذي يدعو إلى التأصيل الإِسلامي للنافع من هذه العلوم، وإلى نقد الضار منها وفق منهجية إسلامية شاملة، وكان من آثاره النشاط الكبير في أسلمة العلوم الحديثة الذي تتبناه جامعات هذا البلد المبارك في الأقسام العلمية المتخصصة، وتنشط فيه أيضًا جهات علمية وفكرية منتشرة في العالم الإِسلامي.

1 / 6

الاتجاه الثاني: الاتجاه العصراني الذي تأثر ببعض الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث وسلّم بعدد منها، ووقع في مشكلة ما يتوهمه من تعارض بين الدين والعلم الحديث، فاضطر أصحابه إلى تحريف النصوص الشرعية والقضايا الدينية من أجل موافقة العلم، ودعوا إلى مواصلة طريقة المتقدمين من أهل الكلام وغيرهم، فكما قدّم أهل الكلام العقل على النقل عند توهم التعارض، فقد تساهل هؤلاء في تقديم العلم الحديث على النقل وتأويل النقل عند توهم التعارض أيضًا.
الاتجاه الثالث: الاتجاه التغريبي وهو الاتجاه الذي تحمس لكل ما في الغرب أو أغلبه، بما في ذلك العلوم الحديثة ومناهجها ونظرياتها بما فيها من خير وشر، حتى تلك التي تتعارض بوضوح مع ديننا وعقيدتنا، ولم يفرقوا بين الصحيح منها والفاسد، ثم إن منهم من يرى أهمية إعادة النظر في الدين حتى يتوافق مع العلم الحديث، على أن المقدم عندهم هو العلم بلا منازع، وإنما جاء الاعتبار للدين عندهم من أجل تلبية احتياج الجماهير للدين أو أنّ الدين يخص الجانب الروحي والأخلاقي، وفيهم الغالي الذي يرى أهمية تجاوز الدين والاكتفاء بالعلم؛ لأنّ الدين -بزعمه- كان يمثل مرحلة الخرافة التي تمّ تجاوزها إلى عصر العلم.
وهذا الانقسام المشهور حول الموقف من العلم الحديث ومناهجه يكشف أهمية هذه المسألة في واقع المسلمين اليوم، وأهمية دراستها وبحثها.
العلاقة بين الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث والفكر التغريبي العربي المعاصر:
من يتأمل في واقع المسلمين اليوم يجد أنَّ من أبرز الانحرافات شهرة هو ظهور الانحراف الفكري المعاصر متمثلًا في دعوات ومذاهب فكرية تغريبية منتشرة هنا وهناك، ومن أهم أسباب ظهور الانحراف الفكري التأثر بالوافد الغربي بأشكاله المختلفة؛ ذلك أن الفكر العربي المعاصر تكون في ظل ظروف استثنائية مما مكّن لكثير من المؤثرات أن تسهم في تشكيله، ومن أهم تلك المؤثرات ما جاءنا من الغرب، ولا يخفى على أي باحث حجم ذلك التأثير الذي مارسه الوافد الغربي على الأمة الإِسلامية.

1 / 7

ومن يبحث في صور تأثير الوافد الغربي في الفكر العربي المعاصر يجد أن أهمها ما يلي:
١ - الفكر الغربي الحديث بمذاهبه المشهورة واتجاهاته الفلسفية الكثيرة.
٢ - الاستشراق.
٣ - الآداب والفنون الغربية ومدارسها المشهورة.
٤ - النظريات والمناهج والمفاهيم العلمية الحديثة.
فقد كان العلم في الغرب -أي: العلم المعتمد على المحسوسات والمعقولات- مصاحبًا للفكر والفلسفة منذ عصر الفلسفة اليونانية والرومانية إلى العصور الوسطى ثم عصر النهضة، وبدأت محاولات الانفصال في القرن الحادي عشر/ السابع عشر، ثم تحقق الانفصال في القرون الثلاثة الأخيرة، ولم يكن الانفصال عن الفلسفة فقط بل وقع انفصال عن الدين أيضًا بعد ظهور مشكلة الصراع بين الإيمان والعلم في الغرب، وفي ذلك يقول هاشم صالح: "ثم جاءت العصور الحديثة مع ديكارت، وانفرط عقد التحالف بين العلم والإيمان. . . . واشتد الطلاق بينهما في القرن الثامن عشر عندما صرح بعض فلاسفة التنوير بماديتهم الإلحادية. . . . وبلغ الطلاق ذروته في القرن التاسع عشر عندما حقق العلم انتصارات كبيرة. . . ." (١)، وقد جعل الغلاة منهم العلم إلهًا معبودًا جديدًا، وقد كانت هذه المرحلة فترة نشاط بعثات أبناء المسلمين إلى الغرب التي عرفت في القرن الماضي في عصر محمَّد علي والي مصر، وما زالت تلك البعثات مستمرة من أغلب بلاد المسلمين إلى اليوم، ولم يخلُ الأمر من تأثر بعض المبتعثين بتلك الروح المادية اللادينية التي ارتبطت بالانحرافات المنهجية العلمية المصاحبة لحركة العلم الحديث في الغرب، وأسهم بعض أولئك المبتعثين في نقلها إلى بلاد المسلمين بصور مختلفة.
وقد وجدت أن القسم الأخير -وهو التأثر بالنظريات والمفاهيم والمناهج العلمية المعارضة للأصول الدينية- كان بارزًا في الفكر التغريبي العربي المعاصر مع ندرة الدراسات التي تبحث في صور هذا التأثير وصور أخطاره وكيفية

(١) العلم والإيمان في الغرب الحديث، هاشم صالح ص ٥ - ٦ كتاب الرياض عدد رقم (٥١).

1 / 8

مواجهته؛ لذا اخترته موضوعًا للبحث الذي أقدمه -بعون الله- للدكتوراه بعنوان:
تأثير النظريات العلمية الحديثة في الفكر التغريبي العربي المعاصر دراسة نقدية في ضوء العقيدة الإسلامية
تبين مما سبق أن العلم في الفكر الغربي كان ضمن مباحث الفلسفة، ثم بدأ ينفصل عن الفكر الفلسفي مع بدايات العصر الحديث، وقد اختلط بمسيرته الجديدة بعد انفصاله عن الفلسفة بعض الأخطار التي مالت بمساره، والتصقت به على إثرها انحرافات خطيرة أصبحت سمة للفكر العلمي العلماني في الغرب، وأثّرت فيما بعد بمن أخذ بها من المسلمين، سواء من حرص على تلك العلوم لذاتها متأثرًا بما اختلط بها من انحرافات، أو من أراد استثمارها في تطوير الفكر "وهم المراد بهذه الدراسة"، وأصبحت هذه الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث أحد أبرز المؤثرات في انحراف مسيرة الفكر العربي المعاصر. فيكون الهدف -بإذن الله- من البحث: الدراسة النقدية لتأثير الانحرافات المرتبطة بحركة العلم الحديث ومناهجه ونظرياته في الفكر التغريبي العربي المعاصر في علاقته بالدين، إذ أجتهد -بإذن الله- في بحث سبب اتصال تلك الانحرافات بالفكر التغريبي العربي المعاصر، وصور تأثيرها فيه، وبيان خطورتها العقدية والعلمية والفكرية والعملية، فهذه الأهداف هي مدار اهتمامي وبحثي. ويمكن إرجاع صور الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث ذات الأثر في الفكر العربي إلى صورتين: الأولى: نظريات علمية مخالفة للدين، أو فلسفات وأيديولوجيات مبنية على تلك النظريات العلمية؛ والثانية: مناهج علمية تناسب مجالها الحسي التجريبي ولكنها طُبِّقت في غير مجالها مثل تطبيقها على الدين.
ومن أهم الأمثلة على انحرافات الفكر التغريبي العربي المعاصر في هذا الباب:
١ - الاستسلام لضغط النظريات العلمية في الموقف من الدين. ومن آثار ذلك تحريف النصوص الدينية عن مرادها والأصول الدينية عن معناها لكي تتوافق مع النظريات العلمية الحديثة، أو رفض تلك النصوص والأصول عند الغلاة والتكذيب بها. وقد اتسع التحريف عند بعضهم ليطال الدين كله، فشمل تأويل العقائد وتأويل الشرائع من أجل عدم معارضة العلم، وهذا الخضوع لضغط النظريات العلمية قد وقع فيه حتى من له معرفة بالشرع مثل المدرسة العصرانية

1 / 9

المتأثرة بأفكار الشيخ محمَّد عبده، وبعض قيادات العمل الإِسلامي ممن تأثر بالاتجاه العصراني، فضلًا عن غيرهم من رموز الفكر التغريبي.
٢ - تقديس العلم بصورته الحديثة، والغلو فيه بما فيه من خير أو شر، وجعله أهم المصادر، وهو مقدَّم عند المقدِّسين له على مصادر الدين، ووصل الأمر عند بعضهم إلى جعله المصدر الوحيد للمعرفة ورفض ما سواه، وللعلم عندهم -بمفهومه الحديث- الكلمة الفصل فيما اختلف الناس فيه، في تقليد لتيار العلموية الذي ظهر في الغرب، وهو تيار عرف عنه تحويل العلم إلى عقيدة جديدة.
٣ - نقل المناهج العلمية المناسبة للقضايا المحسوسة إلى مجال الغيب، وتطبيقها على أبواب الغيب والأبواب الشرعية، ويرون أنها أفضل من المناهج التقليدية بحسب زعمهم، وإذا كان العلم الحديث في الغرب نشأ مستقلًا عن الدين ومعاديًا -مع أكثر دعاته- لكل ما هو ديني فهذا يكفي دلالة على نوع تلك المناهج ووجهتها وطريقة تعاملها مع أي دين، وسنجد من يتحمس لذلك من المفكرين العرب المشهورين مثل حسن حنفي، فيقول مثلًا عن مسائل التوحيد بأنها أصبحت موضوعًا "لعلم النفس والاجتماع لتحديد نشأة الأفكار الدينية في ظروف نفسية واجتماعية معينة" (١)، وآخر منهم هو محمَّد أركون يقول: "ينبغي أن نطبق العلوم الاجتماعية أو العلوم الإنسانية على التراث الإِسلامي مثلما طُبِّق على التراث المسيحي في أوروبا منذ زمن طويل. . . ." (٢).
٤ - نقل النظريات العلمية ذات المعارضة البيّنة للإسلام إلى بلاد الإِسلام، ونشرها والتحمس لها والدعوة إليها، مثل الدعوة إلى أفكار النظرية التطورية الدارونية حول وجود الحياة وخلق الإنسان وما ارتبط بها من فكرة التطور، وعرض نظريات في علم الفلك والفيزياء الحديثة حول وجود الكون بطريقة العرض المادي العلماني لها، ونشر نظريات علم الاجتماع الديني التي غلب عليها عند مؤسسيها في الغرب اعتبار الدين ظاهرة بشرية اجتماعية إن لم نقل كلها، يتساوى في ذلك ما أتى به الأنبياء ﵈ من ربهم مع الديانات الوضعية

(١) من كتابه: التراث والتجديد ص ١٤١.
(٢) قضايا في نقد العقل الديني ص ٣٢٦، ومن منهجه إدخال القرآن والسنة في التراث.

1 / 10

التي ابتدعها الشيطان وأتباعه، ونشر نظريات في علم النفس مثل نظريات فرويد وغيره التي تصوِّر التدين والعقائد التي فطر عليها البشر بأنه مرض نفسي نابع من اللاشعور نتيجة غرائز جنسية بما في ذلك الإيمان بوجود الله، وأن الأنبياء ﵈ جميعًا مصابون -كما يقول فرويد- بنوع من العصاب يدفعهم إلى ادعاء تلقي الوحي والاتصال بالله تعالى، ومن علم الأنثربولوجيا نظريات حول نشأة الأديان في المجتمعات والشعوب البدائية ثم تطورها عند الشعوب الكتابية، غير مفرِّقين في ذلك بين دين نزل من السماء أو أديان وثنية أوحى بها الشيطان لأتباعه، ونظريات من علم الاقتصاد الحديث تدَّعي استحالة قيام اقتصاد حديث دون ربا، ولذا يرفضون الحكم الديني حول الربا؛ لأنه يتعارض مع علم الاقتصاد، بل حتى في علم الأخلاق نجدهم يرفضون الأخلاق الدينية ويستبدلون بها أخلاق علمية مصدرها العلم وتتوافق معه كما يزعمون.
هذه وأمثالها تمتلئ بها كتب رموز فكرية عربية تغريبية بصورة أو أخرى، وتُنشر بقوالب فكرية وثقافية متنوعة بعد إخراجها من بيئتها التخصصية إلى بيئة الفكر والثقافة وتطبيقها على الدين الإِسلامي.
٥ - بناء أصول فكرية جديدة مستمدة من الفكر العلمي الحديث تتعلق بتصور الكون والحياة والنفس الإنسانية، وتتعارض مع الدين أو معظم أصوله.
٦ - الحرص على علمنة العلم، بداية بالجهود الفكرية التي تؤصل لذلك، وصولًا إلى النشاط الواقعي لتحقيق هذا الهدف بحجة أن العلم لا يتطور إلا بابتعاده عن الدين وضوابطه.
٧ - تقرير دعوى التعارض بين الدين والعلم التي اشتهرت في الغرب، ونقلها إلى العالم الإِسلامي، ونشرها بصور وأشكال مختلفة، والتركيز عليها في أغلب الخطابات الفكرية التغريبية المعاصرة، ثم استغلال فكرة التعارض في رمي الدين بشتى صنوف التهم بحجة عدم علميته وعقلانيته، ثم رفع دعوى أهمية تأويله أو نبذه.
٨ - ظهور دعوات واتجاهات عربية جديدة تتبنى تقديم الرؤية العلمية مكان الرؤية الدينية: يعتني أصحاب تلك الدعوات بالدعوة إلى العلم والنظرة العلمية والمناهج والمفاهيم العلمية دون تفريق بين الصحيح منها والفاسد، ويدعون أيضًا إلى النظرة العلمية للأديان والمجتمعات والحياة، وهم من يُطلق عليهم أحيانًا

1 / 11

Modern Scientific Theories: Their Intellectual Journey and the Arab Westernized Thought's Approach - A Critical Study | اصول