مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 210 ) ( وعن جرير ) هو جرير بن عبد الله أبو عمرو ، أسلم في السنة التي توفي فيها رسول الله . قال جرير : أسلمت قبل موت النبي بأربعين يوما ، ونزل الكوفة وسكنها زمانا ، ثم انتقل إلى قرقيسيا ، ومات بها سنة إحدى وخمسين ، روى عنه خلق كثير . ( قال : ( كنا في صدر النهار ) أي أوله ( عند رسول الله فجاءه قوم عراة ) أي يغلب عليهم العري حال كونهم ( مجتابي ) هو بالجيم وبعد الألف باء ، أي لابسي ( النمار ) بكسر النون وهي أكسية من صوف مخططة واحدتها نمرة بفتح النون كذا قاله الطيبي . ( أو العباء ) والظاهر أنه شك من الراوي ، أو للتنويع ؛ ففي القاموس إنه كساء معروف ، والنمرة شملة فيها خطوط بيض وسود ، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب ، فعلى الأول حال متداخلة أو مترادفة ، والمراد أنهم متقلدون للسيوف من جوانبهم ( ومتقلدي السيوف ) كذا في نسخة السيد جمال الدين بالواو وعليه صح بالحمرة ، لكن في بعض النسخ هذه الواو غير موجودة ، ويدل عليه اختلاف الرواة في حديث واحد ( عامتهم ) أي أكثرهم ( من مضر ) كعمر قبيلة عظيمة ( بل كلهم من مضر ) أي مبالغة ( فتمعر ) بالتشديد أي فتغير ( وجه رسول الله ) وظهر عليه آثار الحزن ( لما رأى بهم من الفاقة ) أي الفقر الشديد ومن بيان لما يعني لما لم يكن عنده من المال ما يجبر كسرهم ويغني فقرهم ويكسيهم ويعطيهم ما يغنيهم ، وهذا من كمال رأفته ورحمته خصوصا في حق أمته ( فدخل ) أي في بيته لعله يلقى شيئا من زيادة النفقة أو لتجديد الطهارة والتهيئة للموعظة ( ثم خرج فأمر بلالا ) أي بالأذان ( فأذن وأقام فصلى ) أي إحدى الصلوات المكتوبة بدليل الأذان والإقامة والأظهر أنها الظهر أو الجمعة لقوله : ( في صدر النهار ) ( ثم خطب ) أي وعظ وهو يحتمل أن يكون قائما أو قاعدا فوق المنبر أو دونه ( فقال : يا أيها الناس ) أي المؤمنون فما قال بعض السلف من أن كل ما في القرآن من قوله : 16 ( { يا أيها الناس } ) خطاب للكفار غالبي ( اتقوا ربكم ) أي عذابه أو مخالفته ( الذي خلقكم ) أي بالواسطة ( من نفس واحدة ) وهي آدم ( إلى آخر الآية ) وتمامها 16 ( { وخلق منها } ) أي من ضلعها 16 ( { زوجها } ) أي حواء ، والواو لمطلق الجمع أو للحال وقد تقدر أو لا تقدر . 16 ( { وبث منهما } ) أي فرق من أولادهما بوسط أو غير وسط . روي أن بني آدم لصلبه أربعون في عشرين بطنا ، وعن ابن عباس قال : ولد لآدم أربعون ولدا عشرون غلاما وعشرون جاريه 16 ( { رجالا كثيرا ونساء } ) أي كثيرة ، فاكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر ، وتذكير الكثير حمل على الجمع دون الجماعة ، ولأن الفعيل يستوى فيه التذكير والتأنيث . 16 ( { واتقوا الله الذي تساءلون } ) [ النساء 1 ] بالتشديد والتخفيف به ، أي بالله والأرحام بالنصب عند الجمهور عطفا على الجلالة ، أي اتقوا قطعها ، وبالجر عطفا على الضمير المجرور من غير إعادة الجار وهو جائز فصيح وأخطأ من ضعفه ، وكان العرب يقول بعضهم لبعض : أسألك بالله وبالرحم كذا . ( إن الله كان عليكم رقيبا ) أي مطلعا على أقوالكم وأفعالكم وأحوالكم فراقبوا الله تعالى فيها ( والآية ) قال الطيبي : بالنصب عطفا من حيث المعنى على قوله : 16 ( { يا أيها الناس اتقوا } ) على تأويل قال : يقرأ ، أي قرأ هذه الآية والآية ( التي في الحشر ) . ا ه . وأولها 16 ( { يا أيها الذين آمنوا } ) [ الحشر 18 ] وبعده ( اتقوا الله ولتنظر نفس ) وهي نكرة تفيد العموم ، أي كل نفس كقوله تعالى : 16 ( { علمت نفس } ) [ التكوير 14 ] ( ما قدمت ) وأخرت ، أي لتتفكر وتتأمل النفوس ما قدمت ، أي أي شيء من العبادات والخيرات أرسلته إلى الآخرة ( لغد ) أي لنفع الغد من الزمان وهو يوم القيامة وتمامها : 16 ( { واتقوا الله } ) وهو تكرير للتأكيد ، أو الأول معناه اتقوا مخالفته والثاني اتقوا عقوبته ، أو بالعكس وهو الأظهر لقوله : 16 ( { إن الله خبير بما تعملون } ) [ المائدة 8 ] أي عالم بأعمالكم فيخبركم بها ويجازيكم عليها ؛ وهو مشتمل على الوعد والوعيد ، وفيه جواز تقطيع الآية والحديث بأن يؤتى ببعض كل منهما على حسب الحاجة والله أعلم . ( تصدق رجل ) بفتح القاف وتسكن ، قال الطيبي : لعل الظاهر ليتصدق رجل ولام الأمر للغائب محذوف ، وجوزه ابن الأنباري ، ونقل عن بعض أهل اللغة أن ( نبك ) في قفا نبك مجزوم على تأويل الأمر ، أي فلنبك واحتج بقوله تعالى : 16 ( { ذرهم يأكلوا } ) [ الحج 3 ] أي فليأكلوا وقوله تعالى : 16 ( { قل للذين آمنوا يغفروا } ) [ الجاثية 14 ] أي فليغفروا . ولو حمل تصدق على الفعل الماضي لم يساعده قوله : ( ولو بشق تمرة ) إذ المعنى ليتصدق رجل ولو بشق تمرة ، وكذا قوله : ( فجاء رجل ) الخ لأنه بيان لإمتثال أمره عليه الصلاة والسلام عقيب الحث على الصدقة ولمن يجريه على الأخبار وجه لكن فيه تعسف غير خاف . ا ه . قال الأبهري : ويأبى عن الحمل على حذف اللام عدم حرف المضارعة . ا ه . فيتعين حمله على أنه خبر لفظا وأمر معنى ، وإتيان الإخبار بمعنى الإنشاء كثير في الكلام فليس فيه تكلف فضلا عن تعسف ومنه قوله تعالى : 16 ( { تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله } ) [ الصف 11 ] قيل : إنهما بمعنى آمنوا وجاهدوا ومنه ما تقدم في الحديث : ( تعبد الله ) بمعنى اعبد الله ، أنه أبلغ فكأنه أمره وامتثل به فاخبر عنه به والله أعلم ، لا يقال هذا الإخبار مضارع والكلام في الماضي ، لأن الخبر من حيث أنه خبر لا تفاوت فيه ماضيا أو مضارعا مع أن الأبلغية المذكورة أظهر في الماضي لدلالته على تحقق وقوعه ، لأن الحديث الآتي : ( فمن أخذه أخذ بحظ وافر ) حمل بعضهم أخذ الثاني على معنى الأمر . ( من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره ) بضم الموحدة ، أي من قمحه وحنطته ، وفي معناه من شعيره ( من صاع تمره ) وإعادة العامل تفيد الإستقلال وتدفع أن يكون الصاع منهما . قال الطيبي : ( رجل ) نكرة وضعت موضع الجمع المعروف لإفادة الإستغراق في الإفراد وإن لم تكن في سياق النفي كشجرة في قوله تعالى : 16 ( { ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام } ) [ لقمان 27 ] فإن ( شجرة ) وقعت موقع الأشجار ، ومن ثم كرر في الحديث مرارا بلا عطف ، أي ليتصدق رجل من ديناره ورجل من درهمه وهلم جرا . و ( من ) في ( من دينار ) ، إما تبعيضية ، أي ليتصدق مما عنده من هذا الجنس ، وإما ابتدائية متعلقة بالفعل ؛ فالإضافة بمعنى اللام ، أي ليتصدق بما هو مختص به وهو مفتقر إليه على نحو قوله تعالى : 16 ( { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ) [ الحشر 9 ] ( حتى قال : ) أي النبي ليتصدق كل رجل منكم ( ولو بشق تمرة قال : ) أي الراوي ( فجاء رجل من الأنصار بصرة ) بالضم ، أي ربطة من الدراهم أو الدنانير ( كادت كفه ) أي قاربت ( تعجز ) بكسر الجيم وتفتح ( عنها ) أي عن حمل الصرة لثقلها لكثرة ما فيها ( بل قد عجزت ) بفتح الجيم وتكسر ( ثم تتابع الناس ) أي توالوا في إعطاء الخيرات وإتيان المبرات ( حتى رأيت كومين ) الكومة بالفتح الصبرة ( من طعام ) الظاهر أنه هنا حبوب ، ولعل الإقتصار عليه من غير ذكر النقود لغلبته ( وثياب حتى رأيت ) بدل من حتى الأولى ، أو غاية لها ، أي حتى أبصرت ( وجه رسول الله يتهلل ) أي يستنير ويظهر عليه أمارات السرور ( كأنه مذهبة ) بضم الميم وسكون المعجمة وفتح الهاء بعده موحدة ، وهي ما موه بالذهب . وفي نسخة بالمهملة وضم الهاء والنون وهو ما يجعل فيه الدهن ، قال النووي : هو بالذال المعجمة وفتح الهاء والباء الموحدة ، وقال القاضي عياض وغيره : صحفه بعضهم فقال : مدهنة بدال مهملة وضم الهاء وبالنون ، وكذا ضبطه الحميدي ، والصحيح المشهور هو الأول والمراد به على الوجهين الصفاء والإستنارة كذا ذكره السيد جمال الدين .
( فقال رسول الله : من سن في الإسلام سنة حسنة ) أي أتى بطريقة مرضية يقتدى به فيها ( فله أجرها ) أي أجر تلك السنة ، أي ثواب العمل بها . وفي نسخة ( أجره ) أي أجر من سن يعني أجر عمله . قال التوربشتي : في عامة نسخ المصابيح ( فله أجرها ) وهو غير سديد رواية ومعنى إنما الصواب أجره والضمير لصاحب الطريقة ، أي له أجر عمله وأجر من عمل بسنته . وظن بعض الناس أن الضمير راجع إلى السنة وقد وهم فيه بعض الناس المتأخرين من رواة الكتابين وليس ذلك من رواية الشيخين في شيء ، قال المؤلف : هذا الحديث لم يورده البخاري إنما هو من أفراد مسلم ، ووجد في نسخ متعددة من مسلم ( أجرها ) وعلى هذا شرح الإمام النووي ، والإضافة لأدنى ملابسة ؛ فإن السنة سبب ثبوت الأجر فجازت الإضافة كذا ذكره الطيبي . قلت : ويؤيد ما ذكره المؤلف اتفاق النسخ على وزرها والله أعلم . ( وأجر من عمل بها ) أي بتلك الحسنة ( من بعده ) ( من ) بيان من ، وفي المصابيح : ( وأجر من عمل بعده ) ، قال ابن الملك : أي بعد ممات من سنها قيد به لما يتوهم أن ذلك الأجر يكتب له ما دام حيا . ا ه . قلت : وفيه أنه يتوهم حينئذ أن الأجر لا يكتب له وهو حي فالأحسن أن يقال : من بعد ما سنه ( من غير أن ينقص ) على البناء للمفعول ، وجوز أن يكون معلوما لأنه متعد ولازم ( من أجورهم شيء ) أي من النقص .
( ومن سن في الإسلام سنة سيئة ) أي بدعة مذمومة عمل بها ( كان عليه وزرها ) أي إثمها ( ووزر من عمل بها من بعده ) أي من جهة تبعيته ( من غير أن ينقص ) تقدم ( من أوزاهم شيء ) ) جمع في الموضعين باعتبار معنى من كما أفرد في ينقص باعتبار لفظه ( رواه مسلم ) .
صفحہ 425