مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 171 ) ( وعن عبد الله بن عمرو ) بالواو رضي الله عنهما ( قال : قال رسول الله : ( ليأتين على أمتي ) الإتيان المجيء بسهولة ، وعدي بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك ، ومنه قوله تعالى : 16 ( { ما تذر من شيء أتت عليه } ) [ الذاريات 42 ] المراد بعض أمة الدعوة إما من أهل القبلة بقرينة كونه أضافهم إلى نفسه ، أو مطلقا فيشمل ملل الكفر أيضا . ( كما أتى على بني إسرائيل ) فاعل ليأتين مقدر يدل عليه سياق الكلام ، والكاف منصوب عند الجمهور على المصدر ، أي ليأتين على أمتي زمان إتيانا مثل الإتيان على بني إسرائيل ، أو ليأتين على أمتي مخالفة لما أنا عليه مثل المخالفة التي أتت على بني إسرائيل حتى أهلكتهم . وجوز أن يكون الكاف فاعلا ، أي ليأتين على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل . ( حذو النعل بالنعل ) حذو النعل استعارة في التساوي ، وقيل : الحد والقطع ، والتقدير أيضا ، يقال : حذوت النعل بالنعل إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها لتكونا على السواء ، ونصبه على المصدر ، أي يحذونهم حذوا مثل حذو النعل بالنعل . أي تلك المماثلة المذكورة في غاية المطابقة والموافقة كمطابقة النعل بالنعل . ( حتى إن كان منهم ) حتى ابتدائية والواقع بعده جملة شرطية وقوله الآتي : ( لكان ) إما جواب قسم مقدر والمجموع جواب الشرط ، وإما أن بمعنى لو كما يقع عكسه وليست إن هذه مخففة من المثقلة كما زعم كذا نقله السيد جمال الدين عن زين العرب ، وفي الأزهار بكسر الهمزة وسكون النون مخففة ، أي حتى أنه كذا ذكره الأبهري . وهذا الخلاف مبني على أنه هل يجوز حذف ضمير الشأن من إن المكسورة فمنعه ابن الحاجب وجوزه ابن مالك . ( من أتى أمه علانية ) إتيانها كناية عن الزنا ، ويحتمل أن يكون المراد بها زوجة الأب أو موطوءته وسائر من حرمن عليه برضاع أو مصاهرة والأول أظهر ، لأن الغرابة والإستبعاد فيه أكثر ولذا قيده بعلانية ( لكان في أمتي من يصنع ) أي يفعل ( ذلك ) أي الإتيان ( وإن بني إسرائيل ) يعني النصارى أو أهل الكتاب ، قال ابن حجر : أبرز ضميرهم زيادة في تقبيح صنيعهم وبيانا لكون ذلك دأبهم وعادتهم . ا ه . والأظهر أنه أبرز حتى لا يرجع الضمير إلى غيرهم . ( تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ) سمى عليه الصلاة والسلام طريقة كل واحد منهم ملة اتساعا ، وهي في الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة أنبيائه ليتوصلوا به إلى القرب من حضرته تعالى ، ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها ، ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعالى ولا إلى آحاد أمة النبي بل يقال : ملة محمد أو ملتهم كذا . ثم أنها اتسعت فاستعملت في الملل الباطلة ، لأنهم لما عظم تفرقهم وتدينت كل فرقة منهم بخلاف ما تتدين به غيرها كانت طريقة كل منهم كالملة الحقيقية في التدين فسميت باسمها مجازا ، وقيل : الملة كل فعل وقول اجتمع عليه جماعة وهو قد يكون حقا وقد يكون باطلا ، والمعنى أنهم يفترقون فرقا تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى ( وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة ) قيل : فيه إشارة لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء في ارتكاب البدع بدرجة ، ثم قيل : يحتمل أمة الدعوة فيندرج سائر الملل الذين ليسوا على قبلتنا في عدد الثلاث والسبعين ، ويحتمل أمة الإجابة فيكون الملل الثلاث والسبعون منحصرة في أهل قبلتنا والثاني هو الأظهر . ونقل الأبهري أن المراد بالأمة أمة الإجابة عند الأكثر . ( كلهم في النار ) لأنهم يتعرضون لما يدخلهم النار ؛ فكفارهم مرتكبون ما هو سبب في دخولها المؤبدة عليهم . ومبتدعتهم مستحقة لدخولها إلا أن يعفو الله عنهم . ( إلا ملة ) بالنصب ، أي إلا أهل ملة ( واحدة ، قالوا : من هي ) أي تلك الملة ، أي أهلها الناجية ( يا رسول الله قال : ما أنا عليه وأصحابي ) ) أي هي ما أنا عليه وأصحابي ، قيل : جعلها عين ما هو عليه مبالغة في مدحها وبيانا لباهر اتباعها حتى يخيل أنها عين ذلك المتبع ، أو المراد بما الوصفية على حد 16 ( { ونفس ما سواها } ) أي القادر العظيم الشأن سواها ، فكذا هنا المراد هم المهتدون المتمسكون بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي فلا شك ولا ريب أنهم هم أهل السنة والجماعة . وقيل : التقدير أهلها من كان على ما أنا عليه وأصحابي من الإعتقاد والقول والفعل فإن ذلك يعرف بالإجماع ، فما أجمع عليه علماء الإسلام فهو حق وما عداه باطل .
وأعلم أن أصول البدع كما نقل في المواقف ثمانية : المعتزلة القائلون بأن العباد خالقوا أعمالهم وبنفي الرؤية وبوجوب الثواب والعقاب وهم عشرون فرقة ، والشيعة المفرطون في محبة علي كرم الله وجهه وهم اثنان وعشرون فرقة ، والخوارج المفرطة المكفرة له رضي الله عنه ومن أذنب كبيرة وهم عشرون فرقة ، والمرجئة القائلة بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهي خمس فرق ، والنجارية الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال والمعتزلة في نفي الصفات وحدوث الكلام وهم ثلاث فرق ، والجبرية القائلة بسلب الإختيار عن العباد فرقة واحدة ، والمشبهة الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية والحلول فرقة أيضا ، فتلك اثنان وسبعون فرقة كلهم في النار والفرقة الناجية هم أهل السنة البيضاء المحمدية والطريقة النقية الأحمدية ، ولها ظاهر سمي بالشريعة شرعة للعامة وباطن سمي بالطريقة منهاجا للخاصة وخلاصة خصت باسم الحقيقة معراجا لأخص الخاصة ؛ فالأول نصيب الأبدان من الخدمة ، والثاني نصيب القلوب من العلم والمعرفة ، والثالث نصيب الأرواح من المشاهدة والرؤية . قال القشيري : والشريعة أمر بالتزام العبودية ، والحقيقة مشاهدة الربوبية فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول ، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول ؛ فالشريعة قيام بما أمر . والحقيقة شهود لما قضي وقدر وأخفى وأظهر ، والشريعة حقيقة من حيث أنها وجبت بأمره ، والحقيقة شريعة أيضا من حيث أن المعارف به سبحانه وجبت بأمره . ولله در من قال من أرباب الحال :
ألا فالزموا سنة الأنبياء
ألا فاحفظوا سيرة الأصفياء
ومن يبتدع بدعة لم يكرم
بوجدانه رتبة الأتقياء
( رواه الترمذي ) أي عن ابن عمر وكذا .
صفحہ 381