مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
ایڈیٹر
جمال عيتاني
ناشر
دار الكتب العلمية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1422هـ - 2001م
پبلشر کا مقام
لبنان/ بيروت
( 131 ) ( وعن البراء ) بالتخفيف والمد على المشهور ، وقيل : بالقصر نقله الكرماني ( ابن عازب ) رضي الله عنهما ( عن رسول الله قال : ( يأتيه ملكان ) قال ابن الملك : روى هذا الحديث البراء كما رواه أبو هريرة إلا أن ألفاظهما مختلفة ، قال في رواية البراء : ( يأتيه ) أي المؤمن ( ملكان ) ( فيجلسانه فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ) بفتح الياء وتسكن ولو كان الميت أعجميا صار عربيا ( فيقولان له : ما دينك ؟ ) أي الذي اخترته من بين الأديان ( فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان : ) أي له كما في نسخة ( ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ ) أي ما وصفه لأن ما يسأل به عن الوصف كذا قاله الطيبي : وتبعه ابن حجر وقال : أي ما وصفه أرسول هو أو ما اعتقادك فيه ؟ والأظهر أن ما بمعنى من ليوافق بقية الروايات بلفظ من نبيك ( فيقول : هو رسول الله ) وفي نسخة ( فيقولان له : ) أي للميت ( وما يدريك ) أي أي شيء أعلمك وأخبرك بما تقول من الربوبية والإسلام والرسالة ؟ وقيل : إنما وصل بالواو العاطفة هنا لإتصاله بما قبله بخلاف ما دينك ؟ وما هذا الرجل ؟ فإن كلا منهما مستقل منقطع عما قبله ( فيقول : قرأت كتاب الله ) أي القرآن ( فآمنت به ) أي بالقرآن ، فإن الإيمان به مستلزم للإيمان بمحمد ، أو آمنت بالنبي أنه حق ( وصدقت ) أي صدقته بما قال ، أو صدقت بما في القرآن ، فوجدت فيه 16 ( { فأعل أنه لا إله إلا الله } ) [ محمد 19 ] و 6 ( { وذلكم الله ربكم خالق كل شيء } ) [ غافر 120 ] وغير ذلك من الآيات الدالة على أن ربي ورب المخلوقات واحد وهو الله تعالى ، وفيه أيضا 6 ( { إن الدين عند الله الإسلام } ) [ آل عمران 190 ] 6 ( { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه } ) [ آل عمران 85 ] فعلمت أنه لا دين مرضيا عنده غير الإسلام ، وفيه أيضا 6 ( { محمد رسول الله } ) [ الفتح 29 ] 6 ( { وقل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } ) [ الأعراف 158 ] وغير ذلك كذا قاله ابن الملك ، وقال الطيبي : قرأت كتاب الله ورأيت فيه من الفصاحة والبلاغة فعرفت أنه معجز فآمنت به ، أو تفكرت فيما فيه من البعث على مكارم الأخلاق وفواضل الأعمال ومن ذكر الغيوب وأخبار الأمم السالفة من غير أن يسمع من أحد فعرفت أنه من عند الله فآمنت به . ( فذلك ) أي مصداق هذا ( قوله ) أي جريان لسانه بالجواب المذكور هو التثبيت الذي تضمنه قوله تعالى ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت الآية قال : ) أي النبي ( فينادي مناد ) أي للملكين ( من السماء ) أي من جهتها ( أن صدق عبدي ) أن مفسرة للنداء لأنه في معنى القول ، وجوز أن تكون مصدرية مجرورا بتقدير اللام وهو غير صحيح معنى ألا أن يتعلق بقوله : ( فأفرشوه ) والمعنى : ( صدق عبدي فيما يقول ، فإنه كان في الدنيا على هذا الإعتقاد فهو مستحق للإكرام ، ولذا سماه عبدا وأضافه إلى نفسه تشريفا فأفرشوه بهمزة القطع ( من الجنة ) والفاء فيه جواب شرط مقدر ، أي إذا صدق عبدي فاجعلوا له فرشا من فرش الجنة فيكون أفرش بمعنى فرش كذا قيل ، وقال الطيبي : ليس في المصادر الإفراش بهذا المعنى إنما هو أفرش أي أقلع عنه فهذا اللفظ بهذا المعنى من باب القياس بإلحاق الألف في الثلاثي ، فلو كان من الثلاثي لكان حقه الوصل ولم نجد الرواية إلا بالقطع . ا ه . لكن قال في القاموس أفرش عنه أقلعه وأفرشه أعطاه فرشا من الإبل ، أي صغارا وأفرش فلانا بساطا بسطه له كفرشه فرشا وفرشه تفريشا ، وقال السيد جمال الدين : أصله أفرشوا له فحذف لام الجر ووصل الضمير بالفعل اتساعا ، وقيل : معناه أعطوه فراشا منها ، وقيل : معناه اجعلوه ذا فرش من الجنة ، وقال ابن حجر : يغني عن سماعه صحة الرواية . ا ه . وكله تكلف مستغنى عنه بما ذكر في القاموس ( وألبسوه ) بقطع الهمزة ، أي اكسوه أو أعطوه لباسا ( من الجنة ) أي من حللها ( وافتحوا له بابا إلى الجنة ) أي حقيقة أو مكاشفة كذا في الأزهار ، والأظهر هو الأول لما يأتي . ( فيفتح ) وفي نسخة ، ويفسح ، أي له كما في نسخة ( قال : ) ( فيأتيه ) أي المؤمن ( من روحها ) أي بعض روحها ، والروح بالفتح الراحة ونسيم الريح ( وطيبها ) أي بعض تلك الرائحة والطيب ، أي شيء منها ، ولم يؤت بهذا التعبير إلا ليفيد أنه مما لا يقادر قدره ولا يوصف كنهه وكل طيب رو ولا عكس ، وقيل : من زائدة على مذهب الأخفش . ( ويفسح ) وفي نسخة يفتح ، وهو غير ملائم لمد البصر ( له فيها ) أي في تربته ، وهي قبره ويدل عليه مقابلة الآتي : ( ويضيق عليه قبره ) وقال ابن الملك : أي في الجنة وهو بعيد ، وقال ابن حجر : أي في رؤيته وهو لا يخلو عن تكلف . ( مد بصره ) المعنى أنه يرفع عنه الحجاب فيرى ما يمكنه أن يراه ، قيل : نصب مد على الظرف ، أي مداه وهي الغاية التي ينتهي إليها البصر ، والأصوب أن نصبه على المصدر ، أي فسحا قدر مد بصره ، وقيل : في التوفيق بين هذا وبين قوله : ( سبعون ذراعا في سبعين ) إن هذه الفسحة عبارة عما يعرض عليه من الجنة وتلك عن توسيع مرقده عليه ، أو كلاهما كناية عن التوسعة من غير تحديد . ويحتمل أن يكون بحسب اختلاف أحوال الأشخاص في الأعمال والدرجات ، وقال ابن حجر : مد بصره بالفتح في نسخة معتمدة ، فله نائب الفاعل وبرفعه في نسخ ، ويؤيده : ( سبعون ذراعا ) السابق . ( وأما الكافر فذكر ) أي كما في نسخة ( موته ) أي حال موت الكافر وشدته ( قال : ) أي النبي ( ويعاد ) بالتذكير ، وقيل : بالتأنيث ( روحه ) أي بعد الدفن ( في جسده ) أي بعضه أو كله ( ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان : ) أي له ( من ربك ؟ فيقول : هاه هاه ) بسكون الهاء فيهما بعد الألف ، كلمة يقولها المتحير الذي لا يقدر من حيرته للخوف ، أو لعدم الفصاحة أن يستعمل لسانه في فيه . ( لا أدري ) هذا كأنه بيان وتفسير لقوله : ( هاه هاه ) فالمعنى لا أدري شيئا ما ، أو لا أدري ما أجيب به ( فيقولان له : ) أي للكافر ( ما دينك ؟ ) من الأديان ( فيقول : هاه هاه لا أدري ، فيقولان : ) أي له ( ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ ) يعني ما تقول في حقه أنبي أم لا ( فيقول : هاه هاه لا أدري ) قال تعالى : 16 ( { فمن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى } ) [ الإسراء 72 ] ( فينادي مناد من السماء أن كذب ) أن مفسرة للنداء أيضا ، أي كذب هذا الكافر في قوله : لا أدري لأن دين الله تعالى ونبوة محمد كان ظاهرا في مشارق الأرض ومغاربها بل جحد نبوته بالقول ، أو بالإعتقاد بناء على أن كفره جهل أو عناد . ( فأفرشوه من النار والبسوه من النار ) قال تعالى : 16 ( { سرابيلهم من قطران } ) [ إبراهيم 50 ] ( وافتحوا له بابا إلى النار ، قال : ) ( فيأتيه ) أي الكافر ( من حرها ) أي حر النار ، وهو تأثيرها ( وسمومها ) وهي الريح الحارة ( قال : ويضيق ) بتشديد الياء المفتوحة ( عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ثم يقيض ) أي يسلط ويوكل ويقدر ( له ) فيستولي عليه استيلاء القيض على البيض ، وأصله من القيض وهو القشر الأعلى من البيض ( أعمى ) أي زبانية لا عين له كيلا يرحم عليه ، وهو يحتمل أن لا يكون له عين لأجله ، أو كناية عن عدم نظره إليه . ( أصم ) أي لا يسمع صوت بكائه واستغاثته فيرو له ( معه مرزبة من حديد ) المسموع في الحديث تشديد الباء ، وأهل اللغة يخففونها ، وهي التي يدق بها المدر ويكسر ، قال ابن حجر : المرزبة بفتح الموحدة المشددة عند المحدثين واعترضوا بأن الصواب تخفيفها . ا ه . ولعل وجهه أن مفعلة بتشديد اللام لا يعرف في أنواع الميزان الصرفي ، وقال الطيبي : أما المرزبة فالمحدثون يشددون الباء والصواب تخفيفه ، وإنما تشدد الباء إذا أبدلت الهمزة من الميم وهي الأرزبة وأنشد الفراء : * ضربك بالمرزبة العود النخر * . ا ه . أقول أخطأ الطيبي رحمه الله في تخطئة المحدثين وتصويب اللغويين ؛ إذ نقل الأولين من طرق العدول على وجه الرواية ، ونقل الآخرين من سبيل الفضول على جهة الحكاية . وأما استشهاده بإنشاد الفراء فضعيف إذ يحتمل تخفيفه ضرورة أو لغة أخرى ، وقد ذكرهما صاحب القاموس روح الله روحه أبدا فقال : الأرزبة والمرزبة مشددتان ، أو الأولى فقط عصية من حديد . ا ه . فظهر أن التشديد فيهما لغة مشهورة عند أكثر أهل اللغة ، فلو وافق بعض اللغوين جميع المحدثين لا شك ولا ريب أنه هو الصواب فكيف بالأكثر مع أنه عند التعارض أيضا يرجح جانب المحدثين لما تقدم ، وأغرب من هذا طعن بعض علماء العربية في القراآت المتواترة حيث لم تكن على وفق مسموعهم وهو كفر ظاهر والله ولي دينه وحافظ كتابه وقادر على ثوابه وعقابه . ( لو ضرب بها ) أي بالمرزبة ( جبل لصار ترابا ) أي اندق أجزؤه كالتراب ( فيضربه بها ) وفي نسخة بها ساقط ( ضربة يسمعها ) أي صوتها وحسها ( ما بين المشرق والمغرب ) الظاهر أن ما بمعنى من ( إلا الثقلين ) أي الجن والإنس وهل الأموات منهما مستثنى أم الله أعلم بهما ؟ فظاهر الإطلاق يؤيد الأول ، والعلة التي ذكروها يؤيد الثاني . ( فيصير ترابا ثم يعاد فيه الروح ) ) كرر إعادة الروح في الكافر بيانا لشدة العذاب ، ولأنه كان ينكر الإعادة فيقال له : ذق هذا جزاء ما كنت تنكره ، ولا يبعد أن يتمسك به من يقول : إن في القبر إماتتين وإحياءتين في تفسير قوله تعالى : 16 ( { ربنا أمتنا اثنتين واحييتنا اثنتين } ) [ غافر 11 ] على أن المراد بالتثنية التكرير والتكثير نحو قوله تعالى : 16 ( { ثم ارجع البصر كرتين } ) [ الملك 4 ] وقولهم : لبيك وسعديك ، ويحتمل أن يراد به حقيقة التثنية وهو ظاهر الحديث . وهذا معنى قول ابن حجر : ومعلوم استمرار العذاب عليه في قبره فيحتمل أنها إذا أعيدت تضرب أخرى فيصير ترابا ، ثم تعاد فيه الروح وهكذا ، ويحتمل أن تلك الإعادة لا تتكرر وأن عذابه يكون بغير ذلك وهو ظاهر الحديث ، وقال ابن الملك : يعني لا ينقطع عنهم العذاب بموتهم بل تعاد فيهم الروح بعد موتهم ليزدادوا عذابا ، ويمكن والله أعلم أن تكون إعادة الروح كناية عن رجوعهم إلى حالتهم الأولى ولا يلزم من صيرورتهم ترابا خروج الروح منهم لأن أمور الآخرة مبنية على خرق العادة . ( رواه أحمد وأبو داود ) .
صفحہ 325