122

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

ایڈیٹر

جمال عيتاني

ناشر

دار الكتب العلمية

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

1422هـ - 2001م

پبلشر کا مقام

لبنان/ بيروت

( 81 ) ( وعن أبي هريرة ) [ رضي الله عنه ] ( قال : قال رسول الله : ( احتج ) أي تحاج ( آدم وموسى ) أي طلب كل منهما الحجة من صاحبه على ما يقول ، قيل : هذه المحاجة كانت روحانية في عالم الغيب ويؤيده قوله ( عند ربهما ) أي عند تجليه تعالى عليهما حال تفاوضهما ، ويجوز أن تكون جسمانية بأن أحياهما ، أو أحيا آدم في حياة موسى واجتمعا في حضائر القدس كما ثبت في حديث الإسراء أنه عليه الصلاة والسلام اجتمع مع الأنبياء ، أو لأن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون . ( فحج آدم موسى ) أي غلبه في الحجة بأن ألزمه بأنه لم يكن مستقلا فيما صدر عنه متمكنا من تركه ، بل كان أمرا مقضيا فاللوم بعد زوال التكليف والتوبة والعفو عنه لا سيما ممن شاهد سر الله من وراء الأستار في القدر المحتوم مما لا يحسن عقلا ، وأما ما ترتب عليه شرعا من الحدود والتعزير فحسنه من الشارع لا يتوقف على غرض وإن كان فيه فائدة ( قال موسى : ) الخ جملة مبينة لمعنى ما قبلها ( أنت آدم الذي خلقك الله بيده ) أي قدرته خصه بالذكر إكراما وتشريفا له وأنه خلق إبداعا من غير واسطة أب وأم ، والقياس خلقه ليعود الضمير على الموصول حتى يصح وقوع الجملة صلة ، فالتفت تلذذا بخطاب الأب الحائز لهذا الشرف الأكبر كذا قيل ، والأظهر أنه لغة كقول علي رضي الله عنه : * أنا الذي سمتني أمي حيدرة * ( ونفخ فيك من روحه ) الإضافة للتشريف والتخصيص ، أي من الروح الذي هو مخلوق ولا يد لأحد فيه ، ولا يخفي ما في الحديث من الإشارة إلى ما في القرآن : ( وأسجد لك ملائكته ) أي أمرهم أن يسجدوا لك ، أو إليك تعظيما . قال ابن عباس : كان سجودهم له انحناء لآخر ورا على الذقن . وقال ابن مسعود : أمروا بأن يأتموا به فسجد وسجدوا لله ، فالتقدير : أمرهم بأن يسجدوا لله لأجل سجودك إياه ، أو اللام للتوقيت . وقال أبي بن كعب : خضعوا له وأقروا بفضله فالسجدة لغوية بمعنى الإنقياد . ( وأسكنك ) أي جعلك ساكنا ، أو جعل لك سكنى ( في جنته ) الخاصة به ، وفيه رد لفظا ومعنى على المعتزلة حيث قالوا : في بستان من بساتين الدنيا ( ثم أهبطت الناس بخطيئتك ) أي التي صدرت منك غير لائقة بعلو مقامك وهي أكلك من الشجرة وإن كان نسيانا أو خطأ في الإجتهاد لأن الكمل يعاتبون ويؤاخذون بما لا يؤاخذ به غيرهم ، فإن حسنات الأبرار سيآت المقربين ، أي صرت سببا لإهباطهم وإنزالهم وإسقاطهم فإنهم وإن لم يكونوا موجودين لكنهم كانوا على شرف الوجود فكأنه جعلهم مهبطين منها . ( إلى الأرض ) متعلق بأهبطت ، يعني أن الله تعالى أنعم عليك بهذه النعم الجليلة وأنت عصيته بأكل الشجرة حتى أخرجت من الجنة بسببها وبقي أولادك في دار المشقة والبلوى والإبتلاء من الله تعالى بالفقر والمرض وغير ذلك ، ولو استمروا في الجنة لم يحصل لهم شيء من ذلك بل كانوا في غاية من النعيم الذي لا نعيم فوقه ، وليس في هذا ما يخل بالأدب مع الأب لأن مقام الإحتجاج يسامح فيه بمثل ذلك . ( قال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك ) أي اختارك ( الله برسالاته ) بالجمع لإرادة الأنواع ، أو بالإفراد لإرادة الجنس كما قرىء بالوجهين في قوله تعالى : 16 ( { يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي } ) [ الأعراف 144 ] والجمهور على الجمع وليس فيه ما ينفي رسالة آدم لأن كلا ذكر ما هو الأشرف من صفات صاحبه ، وتخصيص الشيء بالذكر لا ينفي ما عداه مع أنه يمكن أن يكون المراد اصطفاه بالجمع بين الرسالة والتكليم ، واختص بذلك لأنه لم يسمع كلام الله القديم أحد في الأرض غيره ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى : 16 ( { وكلم الله موسى تكليما } ) [ النساء 164 ] ( وبكلامه ) أي بتكليمه إياك ( وأعطاك الألواح ) وهي ألواح التوراة ( فيها تبيان كل شيء ) أي بيانه على وجه المبالغة ، لأن زيادة الحرف تدل على زيادة المعنى ، والجملة استئنافية مبينة أو صفة ، أي الألواح التي فيها إظهار كل شيء مما يحتاج إليه في أمر الدين من الإخبار بالغيوب والقصص والمواعظ والعقائد والحلال والحرام والحدود والأحكام وغير ذلك ، وهذا مستمد من قوله تعالى : 16 ( { وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء } ) [ الأعراف 145 ] ( وقربك نجيا ) النجي المناجي يستوى فيه الواحد والجمع ، وهو من يجري بينك وبينه كلام في السر ، أي وكلمك الله من غير واسطة ملك ، أو المعنى وخصك بالنجوى كما قال تعالى : 16 ( { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } ) [ مريم 52 ] حال من الفاعل أو المفعول . ( فبكم ) مميزه محذوف ، أي فبكم زمانا ، أو فبأي زمان ( وجدت الله ) أي علمته ، أو صادفت حكمه ( كتب التوراة ) أي أمر بكتب التوراة في الألواح لما سبق أن ما في اللوح المحفوظ كتب قبل ذلك بخمسين ألف سنة ( قبل أن أخلق ؟ ) على صيغة المجهول ( قال موسى : بأربعين عاما ) المراد منه التحديد ، أو التكثير ( قال آدم : فهل وجدت فيها ) أي في التوراة وقرأت وعلمت مضمون قوله تعالى ( وعصى آدم ربه ) أي بمخالفة أمره ( فغوى ؟ ) أي فخرج بالعصيان من أن يكون راشدا في فعله ، وليس المراد أن لفظه بهذا التركيب بل معناه بالعبرية . قال ابن حجر : وهذا منه في غاية التواضع لله وإذعان لما جاء عن الله وله تعالى أن يخاطب عبيده ويصفهم بما يشاء ، إذ المعصية والغواية يطلقان على مطلق المخالفة ولو مع النسيان كما هنا فإن آدم لم يتعمد الأكل من الشجرة المنهي عنها ، بل تأول أو نسي قال تعالى : 16 ( { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى } ) [ طه 115 ] ومع ذلك وصفه ربه بأنه عصى وغوى إقامة لناموس الربوبية عليه لا ليتأسى به الناس في وصفه بذلك لعصمة الأنبياء من الكبائر والصغائر قبل النبوة وبعدها فلم يوصف بذلك في غير القرآن لأنه يوهم العامة وقوع معصية منه عليه الصلاة والسلام . ( قال : ) أي موسى ( نعم قال : ) أي آدم ( أفتلومني ) أي أتجد في التوراة هذا فتلومني ( على أن عملت عملا كتبه الله علي ) أي في الألواح ( أن أعمله ) بدل من ضمير كتبه المنصوب ( قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ ) قال التوربشتي : ليس معنى قول آدم كتبه الله علي ألزمه إياي وأوجبه علي فلم يكن لي في تناول الشجرة كسب واختيار ، وإنما المعنى إن الله تعالى أثبته في أم الكتاب قبل كوني وحكم بأنه كائن لا محالة فهل يمكن أن يصدر عني خلاف علم الله تعالى ؟ فكيف تغفل عن العلم السابق وتذكر الكسب الذي هو السبب وتنسى الأصل الذي هو القدر وأنت ممن اصطفاك الله ومن المصطفين الذين يشاهدون سر الله من وراء الأستار ؟ .

صفحہ 244