منهاج أهل الحق

منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع

ایڈیٹر

عبد السلام بن برجس العبد الكريم

ناشر

مكتبة الفرقان

ایڈیشن

الثالثة ١٤٢٢هـ

اشاعت کا سال

٢٠٠١م

•
سلطنتیں اور عہد
عثمانی
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أما بعد: فهذا كتاب "منهاج أهل الحق والاتباع في مخالفة أهل الجهل والابتداع" تأليف الفاضل الشيخ سليمان بن سحمان، المتوفى سنة تسع وأربعين وثلاثمائة وألف _رحمه الله تعالى_ ألفّه الشيخ مساهمة في القضاء على بعض الأفكار التي جنح أهلها إلى الغلو في دين الله تعالى والتشدد في التدين، مما كان نواة لسلوك مسلك الخوارج ونحوهم في تكفير المسلمين والطعن على علمائهم والخروج على ولاتهم.
وغير خاف على أكثر القراء تاريخ تلك العصابة التي كانت في القرن الماضي، وما كان عندها في شطحات كبيرة تمثلت في مسائل من الدين، هي: التكفير، والهجر، والطعن في ولاية إمام المسلمين الملك الصالح عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، واتهام العلماء وتنقصهم.. ونحو ذلك من القضايا.
فلما خاضوا في ذلك غير عابئين بتوجيه العلماء ونصحهم، انبرى أهل العلم _غراس الدعوة الإصلاحية_ للرد عليهم، وبيان خطرهم، والتحذير منهم. كما أكثروا من كتابة النصائح لعامة المسلمين في بيان حقوق ولاة الأمر، والتشديد في الخروج عليهم، وخطر الطعن في العلماء

1 / 5

وعظم القول على الله بغير علم، ليكون هذا البيان حافظا للعامة من الاغترار بأولئك القوم، ومتابعتهم على ما زخرفوه من الباطل، فحمى الله بتلك الكتابات والردود الجماعة من الانخداع بتلك الأفكار الشاذة، وعرفوا ضلال القوم وخروجهم عن الصراط المستقيم، فخلوهم إلى سبيلهم الذي اختاروه حتى قضى الله ما قضى من خروجهم بالسيف على ولي الأمر، فكان عاقبة أمرهم خسرا، حيث قطع دابرهم كما قطع دابر أسلافهم على يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه.
وكتابنا هذا الذي بين يديك إجابات تفضل بها الشيخ سليمان بن سحمان على أسئلة وردت عليه، يستفسر فيها السائل عن بعض الشبه التي تعلق بها أولئك القوم، وبثوها بين الناس. فتوسع الشيخ في الإجابة نظرا للحاجة الماسة إلى كشف هذه الشبه والإطاحة بها. وكان مما تناوله الشيخ هنا:
مسألة التكفير. بين فيها خطورة تكفير المسلم. وقواعد وضوابط للتكفير عند أهل السنة. كما طرق قضية مهمة هي: تبرئة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب مما نسبه إليه هؤلاء وغيرهم في باب التكفير، اعتمادا على جهلهم الغليظ وسوء فهمهم لعباراته _رحمه الله_ فوضح الشيخ سليمان الفهم الصحيح لتلك العبارات التي يتعلق بها التكفيريون، مما قطع الطريق عليهم، لان علماء الدعوة أعرف بمعاني عبارات شيخهم وإمامهم، فهم الحجة على غيرهم في بيان عقيدة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب.

1 / 6

ومنها مسألة الهجر. بين متى يشرع الهجر ومتى يمتنع. وأن الهجر مبناه على المصلحة يدور معها أينما دارت، فمتى وجدت المصلحة فثمّ الهجر، ومتى لم توجد فلا هجر.
ومنها مسألة الغلو في الدين. بين تحذير الشارع منه، وذكر صورا من الغلو وقع فيها بعض المنتسبين إلى الدين، كما استطرد في سرد قصة الخوارج الأولين وقارن بينهم وبين إخوانهم الذين في عصره. وتكلم عن الرخص الشرعية مبينا أحكامها وضوابطها.
ومنها بيان فضل ولاية الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود _رحمه الله تعالى_ وما جمع الله على يده من الشمل ووحد من الكلمة، وما نشر الله بسببه من التوحيد وقمع من الشرك.
ومنها بيان خطورة الطعن في العلماء، ورميهم بالمداهنة وخفة الديانة، وما يترتب على ذلك من المفاسد العظام.
هذا هو مجمل مواضيع الكتاب، وإن كان من تحدث الكتاب عنهم ورد عليهم قد ماتوا، فإن أفكارهم السيئة لم تمت، بل كلما قطع منها قرن خرج قرن حتى يكون آخرهم مع الدجال كما جاء في بعض الآثار.
نسأل الله أن يكفينهم بما شاء إنه هو السميع العليم.

1 / 7

عملي في هذه النشرة
طبع الكتاب بمطبعة المنار على نفقة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، سنة ١٣٤٠هـ. وقد علق على هذه الطبعة الشيخ محمد رشيد رضا، إلا أنه تعقب ابن سحمان في مواضع، بل تجرأ على حذف بعض كلامه مشيرا إلى هذا التصرف في الهامش.
وقد أثبتُّ ما حذفه رشيد رضا من مخطوطة للشيخ سليمان بن سحمان في الرد على صاحب المنار (١) فيما حشاه على كتب علماء الدعوة. وبهذا تكون هذه الطبعة هي الكاملة، وما سبقها من الطبعات فيها نقص، وفيها حواش غير مرضية.
إضافة إلى ذلك قمت بتصحيح طبعة المنار، ومقابلة بعض النصوص المنقولة على أصولها، مثبتا الصحيح مع الإشارة إلى ذلك في الهامش. كما خرجت الأحاديث النبوية تخريجا مختصرا، ووضعت فهرسا للمباحث الواردة في الكتاب. أسأل الله تعالى التوفيق والإعانة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
كتب
عبد السلام بن برجس العبد الكريم
٢/٢/١٤١٧هـ - الرياض

(١) تفضل بتصويرها لي من مكتبة الشيخ سليمان بن سحمان؛ حفيده الفاضل الشيخ عبد العزيز بن صالح ابن سحمان. جزاه الله خيرا وضاعف مثوبته.

1 / 9

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد وصل إلي كتابك المشتمل على بعض المسائل التي قد أوضحناها لك في "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" وذلك في شأن التكفير، وبينا لك فيه: أن المبادرة بالتكفير والتفسيق والهجر من غير اطلاع على كلام العلماء لا يتجاسر عليه إلا أهل البدع الذين مرقوا من الإسلام، ولم يحققوا تفاصيل ما في هذه المسائل المهمة العظام، مما قرروه وبينوه من الأحكام، وذكرنا فيه قول شيخ الإسلام ابن تيمية_ قدس الله روحه_: "إن من عيوب أهل البدع: تكفير بعضهم بعضا، ومن ممادح أهل العلم: أنهم يخطئون ولا يكفرون"، وقول الشافعي_ رحمه الله تعالى_: "لأن أتكلم في علم يقال لي فيه: أخطأت، أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي فيه: كفرت".
إذا فهمت ذلك وتحققته فاعلم أن الكفر الذي يخرج من الإسلام ويصير به الإنسان كافرا هو: أن يكفر بما علم أن رسول الله ﷺ جاء به من عند الله جحودا وعنادا، من أسماء الرب وصفاته، وأفعاله وأحكامه، التي أصلها توحيده وحده لا شريك له، وهذا مضاد للإيمان من كل وجه؛ وقد

1 / 11

قال ابن القيم_ رحمه الله تعالى_:
فالكفر ليس سوى العناد ورد ما
جاء الرسول به لقول فلان
إلى أن قال:
والله ما خوفي الذنوب فإنها
لعلى طريق العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب عن
تحكيم هذا الوحي والقرآن
ورضا بآرآء الرجال وخرصها
لا كان ذاك بمنة الرحمن
وإنما قدمت لك هذه المقدمة لتعلم أن كثيرا من المتدينين في هذا الزمان لا يعرفون الكفر الذي يخرج عن الملة، والكفر الذي لا يخرج من الملة، خصوصا من ينتسب إلى العلم والمعرفة منهم ممن يذهب إلى البادية، يدعوهم إلى الله وهو لا يعرف تفاصيل ما قرره العلماء وأوضحوه في مسائل التكفير، وما يخرج من الملة، وما لا يخرج من الملة.
وكذلك مسألة الهجرة وأحكامها، ومسألة الهجر وما يترتب عليه من المصالح والمفاسد. ويستدلون على ما ذكروه بكلام بعض العلماء في مسألة التكفير في الأمور الظاهرة الجلية التي لا يمكن أحدا جهلها، ولا يعذر بذلك، مثل الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه، مما قد كان يعلم بالضرورة من دين الإسلام أن الرسول ﷺ قد جاء به،

1 / 12

فيستدلون بذلك على بعض المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها من الكتاب والسنة على كثير من البرية، وذلك بمجرد ظنونهم وآرائهم القاصرة، وأفهامهم الخاسرة.
وهذه المسائل الخفية لا يكفر بها من فعلها أو قالها _على أصح قولي العلماء_ حتى تقوم عليه الحجة الرسالية.
فإذا تبين لك ما قد قدمت لك: انزاحت عنك شبهات كثيرة مما قد تعرض في هذا المقام، ويتكلم فيه من لا معرفة عنده بأحكام الإسلام ومدارك الأحكام، والله المستعان.

1 / 13

مسائل متفرقة
استدلال المتدينين بتكفير البادية الذين في زمنهم بعبارات للشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو الذين في زمانه
...
فصل
المسألة الأولى: قال السائل هنا: هنا مسألة، وهي ذات أنواع، وهي التي أخذ بها هؤلاء المتدينون من البدو، وهي أن من يقرأ عليهم بعض عبارات الشيخ محمد ابن عبد الوهاب_ رحمه الله تعالى_ في البدو مثل الموضع السادس من السيرة، وما ذكر عن الأعرابي الذي يشهد أنه هو وسائر البدو كفار، وأن المطوع الذي ما يكفر البدو كافر، وأمثال ذلك فإذا قرأه عليهم قالوا: نعم، هذا قول الشيخ_ رحمه الله_ في البدو، والمشايخ اليوم يقولون ويقولون (١) .
والجواب: _ومن الله أستمد الصواب_ أن نقول: قد بينا لك في المقدمة أن هؤلاء الذين يذهبون إلى البادية ويدعونهم إلى الله وهم لا يعرفون تفاصيل ما قرره العلماء وأوضحوه في مسائل التكفير، بل يقولون بآرائهم الفاسدة وأفهامهم القاصرة الخاسرة، لعدم علمهم ومعرفتهم لمواقع الخطاب وأحوال الناس ومراتبهم في الإسلام في الأحوال والأزمان، وإذا كان ذلك معلوما مشهورا من أحوالهم وأقوالهم تعين أن نبين لك خطأهم وقلة معرفتهم وعلمهم بما كان عليه أهل نجد _حاضرتهم وباديتهم_ قبل ظهور نور هذه الدعوة الإسلامية التي من الله بإظهارها على يد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ قبل دخولهم

(١) يعني: أنهم لا يكفرونهم

1 / 14

في الإسلام، وما هم عليه من الكفر بالله والإشراك به، وما من الله به عليهم بعد ذلك من دخولهم في الإسلام ومعرفته والقيام به، فنقول:
قد كان أهل نجد قبل ظهور هذه الدعوة المحمدية على غاية من الجهالة والضلالة، والفقر والعالة، لا يستريب في ذلك عاقل، ولا يجادل فيه عارف، كانوا على غاية من الجهالة في أمر دينهم، في جاهلية: يدعون الصالحين، ويعتقدون في الأشجار والأحجار والغيران، ويطوفون بقبور الأولياء، يرجون الخير والنصر من جهتها، وفيهم من كفر الاتحادية والحلولية، وجهالة الصوفية ما يرون أنه من الشعب الإيمانية والطريقة المحمدية، وفيهم من إضاعة الصلاة ومنع الزكاة وشرب المسكرات ما هو معروف مشهور، وغير ذلك من جميع الفواحش والمنكرات التي لا تحصى، ولا تستقصى، فهذه هي حال الحاضرة من أهل نجد قبل ظهور الدعوة الإسلامية والطريقة المحمدية.
وأما حال الأعراب من أهل نجد وغيرهم فهم أغلظ كفرا ونفاقا، وأشد إعراضا عن الدين، مع ما هم عليه من قتل النفس ونهب الأموال وارتكاب المحرمات؛ كما قال_ تعالى_: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ (التوبة: ٩٧)
ويصدق عليهم قول الأعرابي الذي وفد على الشيخ في الدرعية_ لما تبين له الإسلام، وعرف أن ما هم عليه قبل ذلك هو الكفر والإشراك بالله_ فقال: أشهد بالله أني وسائر البدو كفار، وأن المطوع الذي ما يكفر البدو كافر.

1 / 15

وكذلك ما ذكره الشيخ في الموضع السادس من السيرة، من حال الأعراب في ذلك الوقت الذين ذكر علماء أهل زمانهم أن هذا هو الشرك، لكن يقولون: لا إله إلا الله. ومن قالها لا يكفر بشيء. وأعظم من ذلك وأكبر: تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: "لا إله إلا الله" وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام كله ... إلى آخر كلامه _رحمه الله_.
فهذا الكلام _الذي قاله الشيخ ﵀ في الأعراب_: إنما هو حال كفرهم وقبل دخولهم في الإسلام. ثم لما فتح الله بصيرة شيخ الإسلام بتوحيد الله الذي بعث الله به رسله وأنبياءه، فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة توحيده الذي خلقهم له، وما حرم الله عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وساعده على القيام بذلك آل سعود؛ فنصروه وآووه وجاهدوا معه القريب والبعيد، حتى أظهر الله الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا، فمحا الله بدعوته شعار الشرك ومشاهده، وهدم بيوت الكفر والشرك ومعابده، وكبت الطواغيت والملحدين، وألزم من ظهر عليه من البوادي وسكان القرى بما جاء به محمد ﷺ من التوحيد والهدى، وكفر من أنكر البعث واستراب فيه من أهل الجهالة والجفاء، وأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وترك المنكرات والمسكرات، ونهى عن الابتداع في الدين، وأمر بمتابعة السلف الماضين، في الأصول والفروع ومسائل الدين، حتى ظهر دين الله واستعلن، واستبان بدعوته منهاج

1 / 16