Methods of Authorship Among Arab Scholars

مناهج التأليف عند العلماء العرب

ناشر

دار العلم للملايين

ایڈیشن

الخامسة عشرة آب/ أغسطس ٢٠٠٤

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة الكتاب
منذ سنوات عديدة كانت فكرة إصدار كتاب يعالج مناهج التأليف عند العلماء المسلمين تراودني وتروق لي، ولكن ما إن كنت أبدًا في التنفيذ حتى أراني أحجم وأتردد وقد تمثل أمامي خطر الموضوع الذي أحاول علاجه؛ لأنه من الاتساع والعمق بحيث يتناول تراث أمة عظيمة، تبلورت عظمتها في عقيدتها وتراثها: لغة وأدبًا وفكرًا. فلما كانت السنوات الأخيرة ألحت فكرة الكتاب على خاطري بحيث لم أستطع منها فرارًا على الرغم من اقتناعي بأن مثل هذا العمل يحتاج إلى فريق من العلماء يضطلعون به ويسهرون عليه ويولونه كل اهتمامهم ويضمنونه ثمرات تجاربهم وحصاد أفكارهم، فاستخرت الله وقررت أن أبدأ في إصدار هذا المجلد وجعلته خاصًّا بمناهج التأليف في الأدب، آملًا إن وهبني الله القدرة وفسحة الأجل أن أضطلع بمتابعة الجهد في إصدار كتب تالية تتناول مناهج التأليف في بقية موضوعات التراث.
أما وإني أقدم مناهج التأليف عند العلماء العرب والمسلمين في نطاق الأدب، فإنه يجمل بي أن أعرض منهجي في هذا الكتاب.
لقد حاولت أن أقدم منهجًا وسطًا بعيدًا عن التدخل بريئًا من التعقيد، بل هو أقرب إلى اليسر والبساطة، فقد جعلت الكتاب ينتظم أحد عشر بابًا، خصصت الباب الأول منه للحديث، عن فجر التحرك العقلي العربي والإسلامي والتدوين في نطاق العلوم القرآنية والحديث الشريف وألوان من العلوم والمعارف.
ولما كان المؤلف لا يستطيع أن يخط حرفًا دون أن يكون متقنًا للكتابة والإنشاء، وكلاهما ثمرة للتحرك الثقافي الإسلامي -إذ لم يكن العرب يقرأون أو يكتبون قبل الإسلام- فقد خصصت الباب الثاني للحديث عن حركة الكتابة والإنشاء وتطورها ومسيرتها في إيجاز مع ذكر مصادر النثر العربي على سبيل الإجمال.
وأما الفصل الثالث فقد أفردناه للحديث عن رواد التأليف الأدبي غير المتخصص، فقد كان المؤلفون آنئذ يجمعون بين الأخبار والأشعار والنوادر واللغة والتاريخ وقضايا النحو وانتجاع الحكمة بين دفتي الكتاب الواحد، وممن سلك هذا النهج على سبيل المثال النضر بن شميل وابن الكلبي وأبو عبيدة والأصمعي والهيثم بن عدي والمدائني. ونلاحظ أن أكثر هؤلاء العلماء قد عاشوا حياتهم العقلية في القرن الثاني الهجري.

1 / 7

وبمرور السنين أخذ التأليف الأدبي يتجه نحو المنهجية الواضحة والتخصص الموضوعي، الأمر الذي جعلنا نكرس الباب الرابع من كتابنا للتأليف الأدبي المنهجي، وقد شمل هذا الباب الحديث عن الجاحظ وابن قتيبة الدينوري وأبي حنيفة الدينوري والمبرد وثعلب وابن طيفور وأبي بكر الصولي والمرزباني والثعالبي، والموضوعات التي تناولوها، ومناهجهم في الكتب التي ألفوها.
ولما يتمتع به كل من العقد الفريد، والأغاني من مكانة عند صفوة العلماء وخاصة الباحثين في ميدان الدراسات الأدبية، خصصنا الباب الخامس للحديث عنهما في فصلين متتاليين حديثًا أقرب إلى الشمول وأدنى إلى الغاية.
والباب السادس جعلناه للحديث عن كتب الأمالي وما هو في حكمها، وذكرناها على الترتيب الزمني، ووقفنا وقفة مستأنية أمام كل كتاب.
ومن الأمالي انتقلنا إلى الحديث عن كتب طبقات الشعراء، فأفردنا الباب السابع لهذا الموضوع سالكين سبيل التدرج الزمني مبتدئين بابن سلام الجمحي في كتابه طبقات الشعراء الذي ألفه في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، منتهين بسلافة العصر لابن معصوم المتوفى على رأس السنة العشرين من القرن الثاني عشر الهجري.
والباب الثامن جعلناه للحديث عن كتب الاختيارات الشعرية والحماسات، وإذا كانت حماسة أبي تمام هي أشهر هذه الأنماط من الكتب، فإن مصنفها لم يكن صاحب السبق في التأليف في هذا النوع من الكتب، وإنما سبقه إلى ذلك أصحاب المفضليات والأصمعيات وجمهرة أشعار العرب وشعر الهذليين، غير أن أبا تمام قد ارتقى بهذا الفن من حيث الذوق في الجمع والانتقاء في الموضوع والعناية في التبويب ثم تبعه في ذلك بقية أصحاب الحماسات.
والباب التاسع من كتابنا هذا خصصنا به كتب التراجم ومناهجها ونظام ورود الأعلام فيها وابتدأنا بذكر الفهرست لابن النديم وانتهينا عند المحبي في "خلاصة الأثر".
ولما كان الأدب الأندلسي من الرقة والسمو والقرب إلى أنفسنا بحيث يحتاج إلى عناية خاصة، فقد أفردنا الباب العاشر من هذه الطبعة الثانية للحديث عن مصادره ومناهج العلماء الذين عكفوا على التأليف فيه من مشارقة ومغاربة وأندلسيين، وحاولنا قدر الاستطاعة أن نيسر على دارس هذا الأدب بوضع مصادره مدروسة بين يديه.
وأما الباب الحادي عشر والأخير في كتابنا هذا، فقد جعلناه للحديث عن الموسوعات بصفة عامة والمملوكية بصفة خاصة.
هذا ولا يفوتني أن أنوه بالجهد الذي بذله معي تلميذاي الأستاذان حسان ماضي وأحمد عبد العزيز عمرو في إعداد النصوص التي وجهتهما إلى جمعها والإسهام في مراجعة تجارب المطبعة وهي أعمال جديرة بالشكر حرية بالتقدير.
والله نسأل أن يهدينا إلى سبيل الرشاد ونهج السداد.
بيروت في ١/ ١٢/ ١٩٧٣ مصطفى محمد الشكعة

1 / 8

بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
للأمة العربية قبل الإسلام خصائص تميزت بها دون غيرها من أمم العالم، من هذه الخصائص ما هو محبب مقبول، ومنها ما هو مستكره مرذول، شأن الأمم جميعًا في مراحل تاريخها ومسيرة حياتها، وإذا كانت هذه الدراسة ليست بذات طابع اجتماعي وإنما هي تعمد أول ما تعمد إلى دراسة العمق الثقافي لهذه الأمة العربية، فإننا لن نطيل في الوقوف أمام صفات الأمة العربية قبل الإسلام إلا بالقدر الذي يخدم هذه الدراسة.
كان من صفات العرب الكرم والشجاعة والحرية وإباء الضيم والفروسية والنجدة وإجارة المستجير وإغاثة الملهوف. وقد تبلورت كل هذه الصفات وتلك المميزات فيما تركه العرب الجاهليون من شعر وخطابة، إذ لم يكن العرب يملكون من الملامح الثقافية البارزة غير هذين الفرعين من فن القول، فتركوا فيهما ثروة هائلة رائعة لم تكد تترك أمة أخرى تركة مماثلة لها كمًّا وكيفًا في مثل تلك الفترة القصيرة بين إنشاء القصيد ومجيء الرسالة السماوية الإسلامية.
ومن ثم فقد كان غرام العرب بالشعر يدفعهم إلى الاعتزاز بالشعراء، وكان الشاعر يحتل من قبيلته مكان الصدارة؛ لأنه المحامي عن كرامتها، الذائد عن حرماتها، المسجل لمفاخرها، الناطق بلسانها، حتى إن القبيلة كانت تقيم الاحتفالات عندما يبزغ بين أبنائها من تتفتق ملكته عن قول الشعر الجيد، ولذلك فقد أثر عنهم أنهم كانوا يحتفلون بمولد الشاعر أي ظهوره.
وقد قيل الشيء نفسه فيما يتعلق بالخطيب، ذلك أن القبيلة كانت تحتفل أيضًا بميلاد الخطيب احتفالها بمولد الشاعر، فهو الآخر لسانها في المفاخرات، وممثلها في المنافرات التي كانت تستمر أيامًا وأسابيع. وكانت المنافرات بصفة خاصة تحتل مقام الاهتمام لا بين قبيلتي الخطيبين المتنافرين وحسب، بل بين هذه القبيلة وحلفائها وتلك القبيلة ونصرائها، ومن أجل ذلك فقد تضاربت الآراء حول من هو أحق بالتفضيل والتقديم في نطاق القبيلة، أهو الشاعر أم الخطيب؟ والحق أن القبائل لم تكن -بحكم العادات العربية- في غناء عن

1 / 9

الاثنين. وكان كلاهما -أي الخطيب والشاعر- في مقام التقديم أو التأخير تبعًا للظرف الذي تعيشه القبيلة، فإن كانت طبيعة الظروف التي تجتازها أحوج إلى الشاعر منها إلى الخطيب كان الشاعر مقدمًا، وإن كانت الظروف التي بها محتاجة الخطيب أكثر من احتياجها الشاعر قدمت الخطيب.
وإذن فقد كان النتاج الثقافي للأمة العربية قبل الإسلام محصورًا في الشعر والخطابة ولا شيء غير ذلك من فنون القول، والأمة العربية كانت أمة غير كاتبة، الأمر الذي بسببه لم يسجل نتاجها من الشعر والخطب بالكتابة، وإنما اعتمد في ذلك على الرواية، فكان لكل شاعر رواية يحفظ كل شعره ويرويه عنه. وأحسب أن الأمر كان أيضًا فيما يتعلق بالخطيب، وإذن فقد كان التسجيل محكومًا بالذاكرة التي كان يتمتع بها الراوي والتي قد تتعرض للشيخوخة فيضيع الكثير من الكنوز التي وعت وفنون القول التي حفظت. وليس من شك في أنه كلما قدم العهد بالشاعر وزمانه كان المأثور من شعره أقل كثيرًا من القدر الذي أنشأه، وكذلك كان الأمر فيما يتعلق بالخطباء، فكان ما وصلنا من تراثهم هو الجزء وليس الكل، وما روي عنهم هو الأقل وليس الأكثر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد قامت فئة تشكك في التراث العربي بحكم أنه مروي وليس مسجلًا مسطورًا وذهب الأمر بالبعض منهم أن تقولوا كثيرًا حول التراث الأدبي الجاهلي، فمن قائل إن أكثره منحول، ومن قائل إنه منتحل كله وكتبوا في ذلك البحوث العديدة ودبجوا المقالات الطوال، وبالتالي قامت جماعة أخرى من الغيورين على تراثهم الثمين، تدحض ادعاءات الفئات الأولى أو افتراضاتها بالمنطق حينًا وبالبرهان حينًا آخر.
السبب في ذلك كله أن العرب لم تكن أمة كاتبة، وأمة غير كاتبة لا تستطيع أن تكون ذات حضارة فكرية أصيلة؛ لأن هذه الحضارة بحاجة إلى التسجيل والتسطير، فلما جاء الإسلام وشجع على التعلم ومعرفة القراءة والكتابة أصبحت هذه الأمة ومن اندرج تحت لواء العقيدة الجديدة من المسلمين تشكل أرقى مبادئ فكرية وأسمى حضارة أزلية. وقبل مرور قرنين من الزمان كانت من السعة في الحدود بحيث شملت ما يقارب نصف مساحة الكرة الأرضية المعروفة في ذلك الزمان، ومن الرحابة في العقول بحيث أغنت الفكر البشري بالعديد من المؤلفات والكتب في أكثر ميادين العطاء العقلي من ديني ودنيوي.

1 / 10

الباب الأول: فجر التحرك العقلي العربي
الفصل الأول: فجر الحركة العلمية
...
الباب الأول: فجر التحرك العقلي
الفصل الأول: فجر الحركة العلمية
ذكرنا قبل قليل أن العرب لم تكن أمة كاتبة، والذي لا يكتب لا يملك كتابًا، والذين لا يملكون كتبًا يكونون بعيدين عن نطاق الثقافة التي تؤهلهم للإنتاج العقلي الذي يسموا بهم على غيرهم من الأمم درجات.
لقد جاء الإسلام وليس في قريش -وهي أكثر القبائل تمدنًا- غير سبعة عشر فردًا يكتبون، هم على وجه التحديد: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، وأبو عبيدة وطلحة، وأبو سفيان بن حرب، ويزيد ومعاوية ابناه، وأبو حذيفة بن عتبة، وحاطب بن عمرو، وأبو سلمة المخزومي، وأبان بن سعيد بن العاص وأخوه خالد، وعبد الله بن سعيد بن أبي سرح العامري، وحويطب بن عبد العزى العامري، وجهيم بن الصلت، وعثمان بن عفان.
ومن النساء الكاتبات كانت حفصة وأم كلثوم من أمهات المؤمنين، كما كانت عائشة وأم سلمة تقرآن المصحف ولا تكتبان.
تلك كانت الشخصيات الكاتبة والقارئة في أكثر المجتمعات العربية أهمية قبل الإسلام وهو المجتمع المكي.
فإذا انتقلنا إلى الأوس والخزرج، وهما القبيلتان اللتان ناصرتا الرسول ﷺ في يثرب وكانتا من سعة الأفق ورحابة التفكير بحيث رحب شعباهما بالإسلام قبل أن تكون مدينتهما دارًا للهجرة، هاتان القبيلتان لم يكن بينهما ممن يستطيعون الكتابة غير أحد عشر فردًا.
كان الرسول ﷺ لا يقرأ ولا يكتب -وذلك في حد ذاته معجزة كبرى- فهو في حاجة إلى من يكتب له الوحي، فكان أول من كتب ما ينزل على الرسول الكريم من الآيات البينات في المدينة أبي بن كعب الأنصاري، فإذا غاب استدعى الرسول زيد بن ثابت الأنصاري. ثم

1 / 15

توالى على كتابة الوحي عدد غير قليل من الصحابة، منهم عثمان بن عفان، وأبان بن سعيد، وخالد بن سعيد، والعلاء بن الحضرمي، ومعاوية بن أبي سفيان، ثم حنظلة بن الربيع الذي عرف من أجل ذلك بحنظلة الكاتب، على أن كتابة هذا الرعيل الأول من الكاتبين لم تكن تخلو من بعض الأخطاء الإملائية التي لم تكن من الجسامة بحيث تفسد التلاوة.
إن الرسالة السامية الجديدة تؤمن بالعلم، وتمهد لتنوير القلوب والعقول، وإن أولى آيات كتابها العزيز لفظ اقرأ وهي تمجد القلم وما يسطر: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ ١ وهي تخاطب العقل وتطلب إليه أن يتأمل: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ٢ وتدفع به إلى يتدبر، ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا، مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ ٣ ثم تسوقه وتشوقه إلى متابعة أحداث الكون المعجزة ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾ ٤ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ٥ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٦.
كان طبيعيًّا أن يهدف الإنسان إلى المعرفة في نور الدين الجديد، وتحصيل المعرفة محتاج إلى القراءة والكتابة، فدعا الرسول ﷺ إلى تعلم الكتابة حتى إنه كان بعد غزوة بدر يطلق سراح الأسير إذا علم عشرة من صبيان المدينة الكتابة والقراءة.
بل من المأثور أن الرسول كان يدعو إلى تعلم اللغات الأجنبية، فقد قال لزيد بن ثابت: "تعلم كتاب يهود فإني ما آمنهم على كتابي" كما أمره بتعلم السريانية فتعلمها.
وفي نطاق هذه التوجيهات، وبسبب انتشار الإسلام، ما فتئ الداخلون في الدين الجديد من غير العرب يتعلمون العربية ليتعرفوا إلى أصول دينهم، وانتشرت اللغة العربية بينهم وانتشر معها تعلم الكتابة والقراءة، وتبع ذلك تعلم النحو النظر في الأحكام العامة من زواج وطلاق ومعاملات ونظم عامة، فبدأت المعرفة توطد أسسها وتعلي بنيانها، وأمكن

١ سورة القلم الآية "١".
٢ سورة الطارق الآية "٥".
٣ سورة عبس الآية "٢٤-٣٠".
٤ سورة آل عمران الآية "١٩٠".
٥ سورة الروم الآية "٢٢".
٦ سورة يس الآية "٤٠".

1 / 16

قيام نهضة عامة في دنيا المعرفة في ظلال الفكرة الإسلامية والمجتمع الذي آمن بها وهضمها وسعى إلى تعزيزها ونشرها، فكان لا بد لذلك من خلق حركتين أساسيتين هما: الحركة الدينية والحركة الثقافية.
فأما الحركة الدينية فقد كانت أوسع الحركات، إذ إنها تضم في عطفيها علوم القرآن والحديث والفقه من معاملات وعبادات وأحكام.
لقد بدأت هذه الحركة بالقرآن الكريم، ثم بالحديث الشريف جمعًا وفهمًا وشرحًا وتفسيرًا وتأويلًا. وقد كان على رأس هذه الحركة في أول أمرها عدد من علماء الصحابة الذين كانوا على مرتبة سامية من العلم والفطنة، كان أشهرهم عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت وأم المؤمنين السيدة عائشة، وقد يضاف إليهم معاذ وأبو الدرداء، على أن أوفرهم علمًا فيما تكاد تجمع عليه الروايات علي وعبد الله بن عباس ١.
على أن الصحابة ينقسمون من حيث أقدارهم العلمية إلى طبقات متفاوتة، وقد ألفت في ذلك كتب كثيرة لتضع كل صحابي في طبقته أو درجته، ولعل أشهر الكتب التي اهتمت بالكتابة عن الصحابة وإيفاء كل واحد منهم قدره وإعطائه حقه هي "الطبقات الكبرى" لابن سعد و"أسد الغابة" وغيرها.
فمثلًا عند الكلام على ابن عباس فإنه يوصف بكونه أكثر الصحابة قدرة على التأويل والفتيا وما ورد في تفسير القرآن وأسباب النزول وحساب الفرائض والمغازي، كما أنه على إلمام بمعرفة الكتب الدينية الأخرى كالتوراة والإنجيل، وهو إلى ذلك عالم بأنساب العرب وأيامهم.
وإذا كانت هذه ثقافة عبد الله بن عباس، فإنه يقابله في الناحية الأخرى عبد الله بن عمر الذي يعتبر أكثر الصحابة قدرة على جمع الحديث ومعرفته وتمييزه وتصحيحه.
فإذا ما اتصلت الأمور بالقضاء فإن أكبر عقليتين قضائيتين بين الصحابة كانتا ممثلتين في عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وقد بلغ علي في ذلك مبلغًا لم يصل إليه أحد من الصحابة، حتى إنه كان حلال المشاكل مذلل المعضلات، الأمر الذي نتج عنه قول الحكمة المأثورة حين تتعقد الأمور: "قضية ولا أبا حسن لها"، وأبو حسن كنية الإمام علي، وكان يحلو للصحابة أن ينادوه بها تحببًا وتوقيرًا.
إن عليًّا يصف الصحابة ويحدد القدرة العلمية لكثير منهم، فيجعل قدرة عبد الله بن

١ طبقات ابن سعد "٢/ ١٠١".

1 / 17

مسعود في القرآن والسنة، ويقول عن أبي موسى إنه صبغ في العلم ثم خرج منه، ويقول عن عمار بن ياسر إنه مؤمن نسي وإذا ذكر ذكر، ويقول عن حذيفة إنه أعلم أصحاب رسول الله بالمنافقين، ويقول عن أبي ذر إنه وعى علمًا ثم عجز عنه، ويقول عن سلمان: أدرك العلم الأول والآخر، بحر لا ينزح قعره، منا أهل البيت١.
وسئل علي عن نفسه، وهو مدينة العلم، فماذا تنتظر منه أن يقول عن نفسه، إنه يقول بكل لباقة وتواضع: كنت إذا سئلت أعطيت وإذا سكت ابتدئت.
لقد كان لا بد للمسلمين في البلاد الجديدة المفتوحة من معلمين ومرشدين، فكان طبيعيًّا أن يتفرق الصحابة في الأمصار معلمين ومرشدين ومثقفين، وكان عمر حينما يبعث صحابيًّا إلى بلد ما فإنه كان يزوده بخطاب يقدمه به إلى الناس الذين ربما وجدت كثرة بينهم لا تعرف قدره. وكان هذا الخطاب من الخليفة بمثابة تقديم وتكريم للصحابي المبعوث، فحينما بعث عمر عبد الله بن مسعود إلى الكوفة، وهو من خيرة الصحابة علمًا وفضلًا، بعث الخليفة إلى أهل الكوفة يقول لهم: إني بعثت إليكم بعبد الله بن مسعود معلمًا ووزيرًا، وآثرتكم به على نفسي فخذوا عنه.
أرأيت إيجازًا أبلغ من هذا الإيجاز وتكريمًا أطيب من هذا التكريم؟ إن أمير المؤمنين عمر -وهو من هو- يقول لأهل الكوفة في مقام تكريم عبد الله بن مسعود: لقد آثرتكم به على نفسي، إن المسألة في الواقع لا تكمن في تكريم ابن مسعود بقدر ما تهدف إلى تكريم العلم نفسه، أما وأن عبد الله بن مسعود من العلماء، فهو لعلمه وفضله جدير بالإجلال والتكريم.
لقد توزع الصحابة في الأمصار معلمين للناس ومستشارين وحكامًا ومفتين، ثم كان لكل صحابي مدرسة من مريديه، وهؤلاء المريدون هم التابعون، وكان للتابعين مريدون أيضًا فعرفوا بتابعي التابعين، وهكذا اتسع نطاق الثقافة الدينية ورحبت آفاقها على يد هؤلاء وأولئك في هذا المصر أو ذاك، فنشأت نواة الحركة العلمية العقلية بعد جيلين أو ثلاثة من جيل الصحابة والتابعين.
وواضح أن علماء الدين كانوا جميعًا -في أول الأمر- من العرب، غير أن الإسلام لا يفرق بين عربي وغير عربي، والعلم ملك للجميع، يسموا قدر المرء بقدر ما يغترف من علم وبقدر ما يتحلى به من مكرمات، وكان طبيعيًّا أن يقدم الموالي على التعلم، فلا تلبث طبيعة العلم أن تجعل رءوس العلماء في الأمصار الإسلامية منهم.

١ فجر الإسلام "ص ١٥٠".

1 / 18

ففي مكة نجد مجاهد بن جبر وكان مولى ابن عباس، وعطاء بن رباح مولى فهر وكان أسود اللون، ولكن الإسلام الذي لا يعترف بالألوان ولا بالأحساب وضعه في مكانه الطبيعي وهو مكان العلماء، وأبا الزبير محمد بن مسلم بن تدرس مولى حكيم بن خزام، ولقد كان هؤلاء وهم من الموالي يجعلون العلم ميسرًا في مكة لكل طالب وكانوا مراكز إشعاع عقلي وإنعاش روحي.
فإذا نظرنا إلى الكوفة وجدنا على رأس علمائها سعيد بن جبير، وكان صاحب علم وفضل، وكان هو الآخر أسود اللون.
وكانت البصرة تتضوع علمًا وتزدان بالعلماء وكانت من أكثر الأمصار إشعاع ومنطلق تفكير وكان علماؤها أيضًا من الموالي، فمنهم محمد بن سيرين وكان أبوه من سبي ميسان وأمه صفية مولاة أبي بكر الصديق، هذا ولا يستطيع الخاطر إعفال الحسن البصري كبير علماء البصرة وعظيم مفكريها وسيد فقهائها وكان أبوه أيضًا من سبي ميسان ومولى لزيد بن ثابت.
فإذا ما انتقلنا إلى مصر وجدنا فيها يزيد بن حبيب مولى الأزد، وهو من أصل سوداني فأبوه من دنقله. ولقد كان يزيد مفتي أهل مصر وكبير علمائها، وهو أستاذ الليث بن سعد الإمام العالم الذي جرت بينه وبين الإمام مالك مساجلات ومكاتبات، وذهب بعض أهل الذكر إلى أن الليث كان أفقه من مالك ولكن ضيعه قومه، أي أن قومه في مصر لم يعطوه حقه، ولم يقبلوا على علمه الغزير إقبالهم على علم غيره من علماء المسلمين.
إنها ليست مصادفة أن يكون على رأس المفكرين المسلمين هذا العدد الضخم من العلماء الموالي، كما أنه ليس أيضًا من قبيل التصنع والافتعال، ولكن ذلك أمر طبيعي تمامًا؛ أن الذي يقبل على العلم من أبناء المسلمين يغض النظر عن عروبته أو مولويته -يحتل المكانة اللائقة به كواحد من أهل العلم، فالطريق مفتوح والفرصة سانحة لصاحبها أن يبرز ويلمع طالما كان لذلك أهلًا وبالاحترام جديرًا.
وتتسع الحركة العلمية الدينية بعد ذلك فتنشأ علوم القرآن من تفسير وتأويل وقراءات وتجويد، وتنشأ علوم الحديث أيضًا، ويستتبع ذلك ظهور علوم الفقه والتوحيد والأصول، وترتبط بها علوم اللغة من نحو وصرف، ثم علوم الأخبار وهو ما يمكن أن نسميه ببداية الحركة التاريخية الأدبية.
وإذن فقد كانت الحركة في أول أمرها مستهدفة تجلية العلوم الدينية من تفسير وحديث وعلوم قرآنية وفقه وتوحيد وأصول، وهذا استتبع بدوره العناية باللغة العربية وفروعها من رواية واشتقاق ونحو وشواهد من شعر ونثر، ثم كانت مادة الأخبار والنوادر والأسماء التي

1 / 19

شكلت الحركة الأدبية التاريخية.
وكان من الطبيعي أن تتمايز الحركتان، فالحركة الأدبية على ما فيها من أخبار ونوادر وسير وأسماء تركز على اللغة والشعر والنثر والخطب، والحركة التاريخية على ما اهتمت به من خطب وشعر اهتمت أيضًا بسيرة الرسول ﷺ والخلفاء والمغازي والفتوح وسير الأقدمين وأخبارهم.
وهكذا تسير الحركة العلمية وئيدة في أول أمرها مستهلة نشاطها بالتدوين، ثم بالجمع والرصد والتصنيف والتأليف والإبداع.
على أن الأمر الجدير بالتسجيل هو أن الثورة العلمية الفكرية قد انبثقت من الصحابة أنفسهم حين نبغ غير قليل منهم في أصول المعرفة وأصبحوا أصحاب امتياز في ميادين بعينها، فقد نبغ الإمام علي في القضاء، ونبغ معاذ بن جبل في العلم بالحلال والحرام، ونبغ زيد بن ثابت في المواريث وتقسيم الغنائم، ونبغ أبي بن كعب في قراءة القرآن.

1 / 20

Methods of Authorship Among Arab Scholars | اصول