مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام
مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام
مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام
الجزء الأول
تأليف
الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي
جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة
[](http://www.masaha.org)
<http://www.masaha.org>
[المقدمة]
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة التحقيق نبذة من أحوال الشهيد وترجمته
قلما يجود الزمان بشخصيات كشيخنا الشهيد- (قدس الله روحه)- جامعة لمختلف الفضائل والكمالات الإنسانية. وقلما يجد الباحث بين العلماء والسلف الصالح من يكون له هذا النصيب الوافر من التوفيقات الربانية. وحقا ان الإنسان عند ما يقرأ في التاريخ أحوال الشهيد وأمثاله- وعز له المثيل- ليجد في نفسه حقارة وصغارا، ويتخاذل عن الترفع لبلوغ هذه القمة، وفي نفس الوقت، يشعر بالعزة والكرامة، وتطمئن نفسه إذا كان مهتديا بهديهم وسالكا سبيلهم.
والبحث عن أحوال هؤلاء العظماء، ينبغي بل يجب، لا للشكر والثناء على ما أسدوه على المجتمع البشري والدين ورجاله والعلم وذويه من نعم سابغة وأياد محمودة فحسب، بل ليستضيء السالك المتعلم على سبيل الرشاد في سبيله الخطير وطريقه المظلم، بأنوار هداياتهم ويستعبر بما خلفوه من عبر، ويتبع ما تركوه من أثر ويجعل نصب عينيه ما نصبوه من أمثولة.
وان شيخنا الشهيد السعيد لمن أروع المثل في السلف الصالح الذي ينبغي أن يقتفي أثره ويتأسى به. ولئن كان التمثل والتشبه بالأئمة المعصومين (عليهم السلام) تماما وكمالا كالمستحيل علينا، فإن التمثل بأمثال الشهيد،
صفحہ 9
صعب جدا لا يستطيع أن يدعيه الا من شملته العناية الإلهية.
ومن هنا نستطيع أن نستخلص أن الهدف الاسمي من ترجمة العلماء الأبرار من أمثال شيخنا المترجم له، انما هو التخلق بأخلاقهم واتباع آثارهم بقدر الإمكان. اذن فلا يهمنا من البحث، الجوانب التاريخية المحضة التي لا تؤثر في هذه المهمة كالبحث عن أن اسمه «زين الدين» وأن أباه «علي» أم أن «زين الدين» لقبه واسمه «علي» كما توهم والصحيح هو الأول، أو البحث عن وجه تسميته ب«ابن الحاجة» وانه اسمه أو اسم أبيه أو جده، وانه بتشديد الجيم أو بتخفيفه أو أن الصحيح «ابن الحجة» بضم الحاء أو بفتحه وتشديد الجيم مخفف الحاجة وأمثال ذلك مما تعرض له بعض المترجمين له، وكذلك البحث عن وجه تسميته بالنحاريري والطلوسي وغير ذلك مما ذكروه، فلا نتعرض لأمثال ذلك الا بنحو الإشارة في بعض الموارد.
اسمه ونسبه
هو: زين الدين بن نور الدين علي بن أحمد بن جمال الدين بن تقي الدين صالح بن مشرف العاملي. هكذا ورد في رسالة ابن العودي (1)، وهو تلميذه وأقرب الناس اليه، وكذا ورد في إجازته- (قدس سره)- للشيخ حسين عبد الصمد- والد شيخنا البهائي- على ما ورد في البحار (2)، الا أن فيها بدل «مشرف»، «مشرف». ولكن الوارد في كثير من الكتب «مشرف» فيقوى احتمال التصحيف في البحار.
وذكر في آخر الإجازة (3): «وكتب هذه الأحرف بيده الفانية زين الدين بن علي بن أحمد شهر بابن الحاجة.» وأعقبه العلامة المجلسي- (رحمه الله)-
صفحہ 10
بقوله: «أقول: قد نقلتها من خط نقل من خطه (قدس الله روحه).» ولكن ورد في النسب إضافات في أمل الآمل (1) وزاد عليه في أعيان الشيعة (2) وكذا في روضات الجنات (3).
سجاياه وشمائله
من حسن الحظ أن ترجم له تلميذه الفاضل الشيخ محمد بن علي بن الحسن العودي الجزيني في رسالة مستقلة سماها «بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد» ولكنه مع الأسف ذهب فيما ذهب من الكتب ولم يبق منه الا ما وقع في يد العالم الفاضل حفيد شيخنا الشهيد: علي بن محمد بن الحسن بن زين الدين «الشهيد الثاني» فأودعه في كتابه «الدر المنثور».
وقد ذكر ابن العودي في سجايا الشهيد وخصائله الكريمة ما خلاصته:
«انه لم يصرف لحظة من عمره الا في اكتساب فضيلة، ووزع أوقاته على ما يعود نفعه في اليوم والليلة. أما النهار ففي تدريس ومطالعة وتصنيف ومراجعة، وأما الليل فله فيه استعداد كامل لتحصيل ما يبتغيه من الفضائل.
هذا مع غاية اجتهاده في التوجه إلى مولاه وقيامه بأوراد العبادة، حتى يكل قدماه، وهو مع ذلك قائم بالنظر في أحوال معيشته على أحسن نظام، وقضاء حوائج المحتاجين بأتم قيام. ان رآه الناظر على أسلوب ظن أنه ما تعاطى سواه ولم يعلم أنه بلغ من كل فن منتهاه.
ولقد كان مع علو رتبته وسمو منزلته، على غاية من التواضع ولين الجانب. إذا اجتمع بالأصحاب، عد نفسه كواحد منهم. ولقد شاهدت منه سنة ورودي إلى خدمته أنه كان ينقل الحطب على حمار في الليل
صفحہ 11
لعياله، ويصلي الصبح في المسجد ويشتغل بالتدريس بقية نهاره، فلما شعرت منه بذلك، كنت أذهب معه بغير اختياره وكنت أستفيد من فضائله وأرى من حسن شمائله ما يحملني على حب ملازمته وعدم مفارقته. وكان يصلي العشاء جماعة ويذهب لحفظ الكرم، ويصلي الصبح في المسجد ويجلس للتدريس والبحث.
وكان شيخنا يتعاطى جميع مهماته بقلبه وبدنه. حتى انه ما كان يعجبه تدبير أحد في أموره. ومع ذلك كله فقد كان غالب الزمان في الخوف الموجب لإتلاف النفس والتستر والاختفاء الذي لا يسع الإنسان معه أن يفكر في مسألة من الضروريات البديهية. وسيأتي في عدة تصانيفه ما ظهر عنه في زمن الخوف من غزارة العلوم المشبهة بنفائس الجوهر المنظوم.
وأما شكله فقد كان ربعة من الرجال في القامة، معتدل الهامة، وفي آخر أمره كان الى السمن أميل، بوجه صبيح مدور وشعر سبط يميل إلى الشقرة، أسود العينين والحاجبين، له خال على أحد خديه وآخر على أحد جبينه، أبيض اللون، لطيف الجسم، عبل الذراعين والساقين، كأن أصابع يديه أقلام فضة، إذا نظر الناظر في وجهه وسمع عذوبة لفظه، لم تسمح نفسه بمفارقته وتسلى عن كل شيء بمخاطبته، تمتلئ العيون من مهابته وتبتهج القلوب لجلالته. وايم الله انه لفوق ما وصفت وقد اشتمل من حميد الخصال على أكثر مما ذكرت (1).
الشهيد يترجم نفسه
نقل ابن العودي في رسالته هذه، الترجمة عن خط الشهيد- (قدس الله نفسه)-، وفيه من تاريخ ولادته وحياته وأسفاره وجولاته العلمية وسعة ثقافته
صفحہ 12
وأسماء أساتذته من العامة والخاصة وشؤون اخرى من حياته المليئة بالعبر والكرامات ما يغنينا عن نقل غيره. فرأينا أن ننقله هنا تماما لمزيد الفائدة.
قال (قدس سره):
«هذه جملة من أحوالي وتصرف الزمان بي في عمري وتاريخ بعض المهمات التي اتفقت لي».
كان مولدي في يوم الثلاثاء، ثالث عشر شوال سنة إحدى عشرة وتسعمائة (911) من الهجرة النبوية، ولا أحفظ مبدأ اشتغالي بالتعلم، لكن كان ختمي لكتاب الله العزيز سنة عشرين وتسعمائة (920) من الهجرة النبوية وسني إذ ذاك تسع سنين، واشتغلت بعده بقراءة الفنون العربية والفقه على الوالد- (قدس الله سره)-، الى أن توفي في العشر الأوسط من شهر رجب يوم الخميس سنة خمس وعشرين وتسعمائة (925) وكان من جملة ما قرأته عليه من كتب الفقه «النافع مختصر الشرائع» و«اللمعة الدمشقية».
ثم ارتحلت في تلك السنة مهاجرا في طلب العلم الى «مبس»، وكان ابتداء الانتقال في شهر شوال من السنة المذكورة، واشتغلت على شيخنا الجليل الشيخ علي بن عبد العالي- (قدس الله سره)- من تلك السنة إلى أواخر سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة (933) وكان من جملة ما قرأته عليه: «شرائع الإسلام» و«الإرشاد» وأكثر «القواعد».
ثم ارتحلت في شهر ذي الحجة إلى «كرك نوح» (عليه السلام) وقرأت بها على المرحوم المقدس السيد حسن بن السيد جعفر، جملة من الفنون، وكان مما قرأته عليه «قواعد ابن ميثم البحراني» في الكلام و«التهذيب» في أصول الفقه و«العمدة الجليلة في الأصول الفقهية» من مصنفات السيد المذكور و«الكافية» في النحو، وسمعت جملة من الفقه وغيره من الفنون.
ثم انتقلت إلى «جبع» وطني الأول زمن الوالد في شهر جمادي الآخرة سنة أربع وثلاثين (934)، وأقمت بها مشتغلا بمطالعة العلم والمذاكرة إلى سنة
صفحہ 13
(937).
ثم ارتحلت إلى «دمشق» واشتغلت بها على الشيخ الفاضل المحقق الفيلسوف شمس الدين محمد بن مكي، فقرأت عليه من كتب الطب، شرح الموجز التفليسي و«غاية القصد في معرفة الفصد» من مصنفات الشيخ المبرور المذكور، و«فصول الفرغاني» في الهيئة وبعض «حكمة الإشراق» للسهروردي، وقرأت في تلك المدة بها على المرحوم الشيخ احمد بن جابر «الشاطبية» في علم القراءات، وقرأت عليه القرآن بقراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وعاصم.
ثم رجعت الى «جبع» سنة (938) وبها توفي شيخنا الشيخ شمس الدين المذكور وشيخنا المتقدم الأعلى الشيخ علي في شهر واحد وهو شهر جمادى الاولى، وكانت وفاة شيخنا السيد حسن، سادس شهر رمضان سنة (93)، وأقمت بالبلدة المذكورة إلى تمام سنة (941).
ورحلت إلى مصر في أول سنة (942) لتحصيل ما أمكن من العلوم، واجتمعت في تلك السفرة بجماعة كثيرة من الأفاضل، فأول اجتماعي بالشيخ شمس الدين بن طولون الدمشقي الحنفي، وقرأت عليه جملة من الصحيحين وأجازني روايتهما مع ما يجوز له روايته في شهر ربيع الأول من السنة المذكورة.
وكان وصولي إلى مصر يوم الجمعة منتصف شهر ربيع الآخر من السنة المتقدمة، واشتغلت بها على جماعة، منهم:
- الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي: قرأت عليه «منهاج النووي» في الفقه وأكثر «مختصر الأصول» لابن الحاجب وشرح العضدي مع مطالعة حواشيه منها السعدية والشريفية. وسمعت عليه كتبا كثيرة في الفنون العربية والعقلية وغيرهما، فمنها شرح التلخيص المختصر في المعاني والبيان لملا سعد الدين، ومنها شرح تصريف العربي ومنها شرح الشيخ المذكور لورقات امام الحرمين الجويني في أصول الفقه وتوضيح ابن هشام في النحو وغير ذلك مما
صفحہ 14
يطول ذكره. وأجازني اجازة عامة بما يجوز له روايته، سنة (943).
- ومنهم الملا حسين الجرجاني: قرأنا عليه جملة من «شرح التجريد» للملا علي القوشجي مع حاشية ملا جلال الدين الدواني و«شرح أشكال التأسيس» في الهندسة لقاضي زاده الرومي و«شرح الجغميني» في الهيئة له.
- ومنهم الملا محمد الأسترابادي: قرأنا عليه جملة من «المطول» مع حاشية السيد الشريف و«الجامي» شرح الكافية.
- ومنهم الملا محمد الكيلاني: سمعنا عليه جملة من المعاني والمنطق.
- ومنهم الشيخ شهاب الدين بن النجار الحنبلي: قرأت عليه جميع «شرح الشافية» للجاربردي وجميع «شرح الخزرجية» في العروض والقوافي للشيخ زكريا الأنصاري وسمعت عليه كتبا كثيرة في الفنون والحديث منها: الصحيحان، وأجازني جميع ما قرأت وسمعت وما يجوز له روايته في السنة المذكورة.
- ومنهم الشيخ أبو الحسن البكري: سمعت عليه جملة من الكتب في الفقه والتفسير وبعض شرحه على المنهاج.
- ومنهم الشيخ زين الدين الحري المالكي: قرأت عليه «ألفية ابن مالك».
- ومنهم الشيخ المحقق ناصر الدين اللقاني المالكي، محقق الوقت وفاضل تلك البلدة. لم أر بالديار المصرية أفضل منه في العلوم العقلية والعربية. سمعت عليه «البيضاوي» في التفسير وغيره من الفنون.
- ومنهم الشيخ ناصر الدين الطلاوي الشافعي: قرأت عليه القرآن بقراءة أبي عمرو ورسالة في القراءات من تأليفه.
- ومنهم الشيخ شمس الدين محمد أبي النجا النحاس (1) قرأت عليه «الشاطبية» في القراءات والقرآن العزيز للأئمة السبعة، وشرعت ثانيا أقرأ عليه
صفحہ 15
للعشرة ولم أكمل الختم بها.
- ومنهم الشيخ الفاضل الكامل عبد الحميد السمهودي قرأت عليه جملة صالحة من الفنون، وأجازني إجازة عامة.
- ومنهم الشيخ شمس الدين محمد بن عبد القادر الفرضي الشافعي:
قرأت عليه كتبا كثيرة في الحساب الهوائي، و«المرشدة» في حساب الهندر الغباري، و«الياسمينية» وشرحها في علم الجبر والمقابلة. و«شرح المقنع» في علم الجبر والمقابلة. وسمعت عليه بعض شرح «الوسيلة». وأجازني اجازة عامة.
وسمعت بالبلد المذكور من جملة متكثرة من المشايخ يطول الخطب بتفصيلهم، ومنهم الشيخ عميرة، الشيخ شهاب الدين بن عبد الحق والشيخ شهاب الدين البلقيني والشيخ شمس الدين الديروطي وغيرهم.
ثم ارتحلت من مصر الى الحجاز الشريف سابع عشر شهر شوال سنة (943) ورجعت إلى وطني الأول بعد قضاء الواجب من الحج والعمرة والتمتع بزيارة النبي وآله وأصحابه (صلوات الله عليهم). ووصلت رابع عشر شهر صفر سنة (944)، وأقمت بها إلى سنة ست وأربعين (946).
وسافرت إلى العراق لزيارة الأئمة (عليهم السلام) وكان خروجي سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة (946) ورجوعي خامس عشر شهر شعبان منها.
وسافرت لزيارة بيت المقدس، منتصف ذي الحجة سنة (948)، واجتمعت في تلك السفرة بالشيخ شمس الدين بن أبي اللطف المقدسي، وقرأت عليه بعض صحيح البخاري وبعض صحيح مسلم وأجازني إجازة عامة. ثم رجعت إلى الوطن الأول المتقدم وأقمت به إلى أواخر سنة احدى وخمسين (951) مشتغلا بمطالعة العلم ومذاكرته مستفرغا وسعي في ذلك.
ثم برزت إلى الأوامر الإلهية والإشارات الربانية بالسفر إلى جهة الروم والاجتماع بمن فيها من أهل الفضائل والعلوم والمتعلق بسلطان الوقت والزمان، السلطان سليمان بن عثمان، وكان ذلك على خلاف مقتضى الطبع
صفحہ 16
وسياق الفهم، لكن ما قدر، لا تصل إليه الفكرة الكلية والمعرفة القليلة من أسرار الحقائق وأحوال العواقب. والكيس الماهر هو المستسلم في قبضة العالم الخبير القاهر، الممتثل لأوامره الشريفة، المنقاد إلى طاعته المنيفة، كيف لا وانما يأمر بمصلحة تعود على المأمور مع اطلاعه على دقائق عواقب الأمور وهو الجواد المطلق والرحيم المحقق. والحمد لله على انعامه وإحسانه وامتنانه، والحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يهمل من غفل عنه ولا يؤاخذ من صدف عن طاعته بل يقوده إلى مصلحته ويوصله إلى بغيته.
وكان الخروج إلى السفر المذكور- بعد بوادر الأوامر به والنواهي عن تركه والتخلف عنه وتأخيره إلى وقت آخر- ثاني عشر شهر ذي الحجة الحرام سنة (951)، وأقمت بمدينة «دمشق» بقية الشهر، ثم ارتحلت إلى «حلب» ووصلت إليها يوم الأحد سادس عشر شهر المحرم سنة (952)، وأقمت بها إلى السابع من شهر صفر من السنة المذكورة.
ومن غريب ما اتفق لنا بحلب، أنا أزمعنا عند الدخول إليها على تخفيف الإقامة بها بكل ما أمكن ولم ننو الإقامة، فخرجت قافلة إلى الروم على الطريق المعهود المار بمدينة «أذنة» فاستخرنا الله على مرافقتها فلم يخر لنا، فكان قد تهيأ بعض طلبة العلم من أهل الروم إلى السفر على طريق «ملوقات» وهو طريق غير مسلوك غالبا لقاصد قسطنطنية، وذكروا أنه قد تهيأ قافلة للسفر على الطريق المذكور، فاستخرنا الله تعالى على السفر معهم، فأخار به فتأخر سفرهم وساءنا ذلك، فتفألت بكتاب الله تعالى على الصبر وانتظارهم، فظهر قوله تعالى:
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم (1) فاطمأنت النفس لذلك، وخرجت قافلة أخرى من طريق «أذنة» وأشار الأصحاب برفقتهم لما يظهر من مناسبتهم، فاستخرت الله تعالى
صفحہ 17
على صحبتهم، فلم يظهر خيرة، وتفألت بكتاب الله تعالى على انتظار الرفقة الاولى وان تأخروا كثيرا، فظهر قوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره . فقد باء بغضب من الله ثم خرجت قافلة أخرى على طريق «أذنة» فاستخرت الله تعالى على الخروج معها فلم يظهر خيرة، فضقت لذلك ذرعا وسئمت الإقامة، وتفألت بكتاب الله تعالى في ذلك، فظهر قوله تعالى واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (1) ثم خرجت قافلة رابعة على الطريق المذكور، فاستخرت الله تعالى على رفقتها، فلم يظهر خيرة. وكانت القافلة التي أمرنا بالسفر معها تسوفنا بالسفر يوما وتكذب كثيرا في أخبارنا، ففتحت المصحف صبيحة يوم السبت وتفألت به فظهر قوله تعالى وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (2). فتعجبنا من ذلك غاية العجب وقلنا ان كانت القافلة تسافر في هذا اليوم فهو من أعجب الأمور وأغربها وأتم البشائر بالخير والتوفيق، فأرسلنا بعض أصحابنا يستعلم الخبر، فقالوا له: اذهب إلى أصحابك واحملوا «امتعتكم» ففي هذا اليوم نخرج. فحمدنا الله تعالى على هذه النعم العظيمة والمنن الجسيمة التي لا نقدر على شكرها.
ثم بعد ذلك ظهر لاقامتنا بحلب تلك المدة فوائد واسرار لا يمكن حصرها، وظهر لسفرنا على الطريق المذكور أيضا فوائد وأسرار وخيرات لا تحصى، وأقلها أنه بعد ذلك بلغنا ممن سافر على تلك الطريق التي نهينا عنها أن عليق الدواب وزاد الناس كان في غاية القلة والصعوبة والغلاء العظيم، حتى أنهم كانوا يشترون العليقة الواحدة بعشرة دراهم عثمانية، واحتاجوا مع ذلك إلى حمل الزاد أربعة أيام لعدم وجوده في الطريق، لا للدواب ولا للإنسان، فلو نسافر في تلك الطريق، لاتجه علينا ضرر عظيم لا يوصف، بل لا يفي جميع ما كان بيدنا من المال بالصرف في الطريق.
صفحہ 18