Maqtal al-Husayn
مقتل الحسين
* بسم الله الرحمن الرحيم
( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين ) ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) ( فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) ( ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم )
القرآن الكريم
صفحہ 26
* نهضة الحسين (ع)
كان المغزى الوحيد لشهيد الدين ، وحامية الإسلام الحسين بن أمير المؤمنين (ع) إبطال احدوثة الامويين ، ودحض المعرات عن قدس الشريعة ، ولفت الأنظار إلى براءتها وبراءة الصادع بها عما ألصقوه بدينه ؛ من شية العار ، والبدع المخزية ، والفجور الظاهرة ، والسياسة القاسية (1). فنال سيد الشهداء (عليه السلام) مبتغاه بنهضته الكريمة ، وأوحى إلى الملأ الديني ما هنالك من مجون فاضح ، وعرف الناس (بيزيد المخازي) ومن لاث به من قادة الشر وجراثيم الفتن ، فمجتهم الأسماع ، ولم يبق في المسلمين إلا من يرميهم بنظرة شزراء حتى توقدت عليهم العزائم ، واحتدمت الحمية الدينية من اناس ونزعات من آخرين ، فاستحال الجدال جلادا ، وأعقبت بلهنية عيشهم حروبا دامية أجهزت على حياتهم ، ودمرت ملكهم المؤسس على أنقاض الخلافة الإسلامية من دون أية حنكة أو جدارة ، فأصاب هذا الفاتح الحسين (ع) شاكلة الغرض بذكره السائر ، وصيته الطائر ، ومجده المؤثل ، وشرفه المعلى ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ).
لا أجدك أيها القارىء وأنت تسبر التاريخ ، وتتحرى الحقائق بنظر التحليل ، إلا وقد تجلت لك نفسية (أبي الضيم) الشريفة ، ومغزاه المقدس ونواياه الصالحة ، وغاياته الكريمة في حله ومرتحله ، وفي إقدامه وإحجامه في دعواه ودعوته ، ولا أحسبك في حاجة إلى التعريف بتفاصيل تلكم الجمل بعد أن
صفحہ 27
عرفت أن شهيد العظمة من هو؟ وما هي أعماله؟ وبطبع الحال تعرف قبل كل شيء موقف مناوئه ، وما شيبت به نفسيته من المخازي.
نحن لو تجردنا عما نرتئيه (لحسين الصلاح) من الإمامة والحق الواضح الذي يقصر عنه في وقته أي ابن انثى لم تدع لنا النصفة مساغا لاحتمال مباراته في سيرة طاغية عصره ، أو أنه ينافسه على شيء من المفاخر. فإن سيد شباب أهل الجنة متى كان يرى له شيئا من الكفاءة حتى يتنازل إلى مجاراته؟ ولقد كان (ع) يربأ بنفسه الكريمة حتى عن مقابلة أسلافه.
أترى أن الحسين يقابل أبا سفيان بالنبي الكريم ، أو معاوية بأمير المؤمنين ، أو آكلة الأكباد بأم المؤمنين خديجة رضوان الله تعالى عليها ، أو ميسون بسيدة العالمين ، أو خلاعة الجاهلية بوحي الإسلام ، أو الجهل المطبق بعلمه المتدفق ، أو الشره المخزي بنزاهة نفسه المقدسة؟! إلى غيرها مما يكل عنه القلم ، ويضيق به الفم.
لقد كانت بين الله سبحانه وتعالى ، وبين اوليائه المخلصين أسرار غامضة تنبو عنها بصائر غيرهم ، وتنحسر أفكار القاصرين حتى أعمتهم العصبية؛ فتجرؤا على قدس المنقذ الأكبر ، وأبوا إلا الركون إلى التعصب الشائن ، فقالوا : إن الحسين قتل بسيف جده ؛ لأنه خرج على إمام زمانه (يزيد) بعد أن تمت البيعة له ، وكملت شروط الخلافة باجماع أهل الحل والعقد ، ولم يظهر منه ما يشينه ويزري به!! (1).
والعجب من التزامه بصحة خلافة يزيد وهو يقرأ حديث النبي (ص) لا يزال أمر امتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني امية يقال له يزيد ، رواه ابن حجر في مجمع الزوائد ج 5 ص 241 عن مسند أبي يعلى والبزاز وفي الصواعق المحرقة ص 132 عن مسند الروياني عن أبي الدرداء عنه (ص): أول من يبدل سنتي رجل من بني امية يقال له يزيد وفي كتاب الفتن من صحيح البخاري باب قول النبي (ص): هلاك امتي على يدي اغيلمة من امتي عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله (ص) يقول : هلكة امتي على يدي غلمة من قريش ، قال ابن حجر في شرح الحديث من فتح الباري ج 13 ص 7 : كان أبو هريرة يمشي في السوق ويقول : اللهم لا تدركني سنة ستين ولا أمارة الصبيان قال ابن حجر : أشار بذلك إلى خلافة يزيد فإنها في سنة ستين ولم يتعقبه.
صفحہ 28
وقد غفل هذا القائل عن أن ابن ميسون لم يكن له يوم صلاح حتى يشينه ما يبدو منه! وليس لطاماته ومخازيه قبل وبعد وقد ارتضع در ثدي (الكلبية) المزيج بالشهوات ، وتربى في حجر من لعن على لسان الرسول الأقدس (1)، وأمر الامة بقتله متى شاهدته متسنما صهوة منبره! (2). ولو امتثلث الامة الأمر الواجب ؛ لأمنت العذاب الواصب ، المطل عليها من نافذة بدع الطاغية ، ومن جراء قسوته المبيدة لها ، لكنها كفرت بأنعم الله ، فطفقت تستمرء ذلك المورد الوبيء ذعافا ممقرا ؛ فألبسها الله لباس الخوف ، وتركها ترزح تحت نير الاضطهاد ، وترسف في قيود الذل والاستعباد ، ونصب عينها استهتار الماجنين وتهتك المنهمكين بالشهوات! وكلما تنضح به الآنية الاموية الممقوتة شب (يزيد الاهواء) بين هاتيك النواجم من مظاهر الخلاعة.
ولقد أعرب عن كل ما أضمره من النوايا السيئة على الإسلام ، والصادع به جذلا بخلاء الجو له ، فيقول العلامة الآلوسي :
من يقول إن يزيد لم يعص بذلك ولا يجوز لعنه ، فينبغي أن ينتظم في سلسلة أنصار يزيد ، وأنا أقول : إن الخبيث لم يكن مصدقا برسالة النبي (ص)، وإن مجموع ما فعله مع أهل حرم الله وأهل حرم نبيه (ص) وعترته الطيبين الطاهرين في الحياة وبعد الممات ، وما صدر منه من المخازي ، ليس بأضعف دلالة على عدم تصديقه من إلقاء ورقة من المصحف الشريف في قذر! ، ولا أظن أن أمره كان خافيا على أجلة المسلمين إذ ذاك ، ولكن كانوا مغلوبين مقهورين ، ولم يسعهم إلا الصبر. ولو سلم أن الخبيث كان مسلما ، فهو مسلم جمع من الكبائر ما لا يحيط
صفحہ 29
به نطاق البيان. وانا أذهب إلى جواز لعن مثله على التعيين ، ولو لم يتصور أن يكون له مثل من الفاسقين. والظاهر أنه لم يتب ، واحتمال توبته أضعف من إيمانه.
ويلحق به ابن زياد ، وابن سعد وجماعة ، فلعنة الله عليهم وعلى أنصارهم وأعوانهم وشيعتهم ومن مال إليهم إلى يوم الدين ، ما دمعت عين على أبي عبد الله الحسين (ع).
ويعجبني قول شاعر العصر ، ذي الفضل الجلي ، عبد الباقي افندي العمري الموصلي ، وقد سئل عن لعن يزيد ، فقال :
يزيد على لعني عريض جنابه
فاغدو به طول المدى العن اللعنا
ومن يخشى القيل والقال من التصريح بلعن ذلك الضليل ، فليقل : لعن الله عز وجل من رضي بقتل الحسين (ع)، ومن آذى عترة النبي (ص) بغير حق ، ومن غصبهم حقهم ، فإنه يكون لاعنا له ؛ لدخوله تحت العموم دخولا اوليا في نفس الأمر. ولا يخالف أحدا في جواز اللعن بهذه الألفاظ ونحوها ، سوى ابن العربي المار ذكره وموافقيه ، فإنهم على ظاهر ما نقل عنهم ، لا يجوزون لعن من رضي بقتل الحسين (عليه السلام)! وذلك لعمري هو الضلال البعيد الذي يكاد يزيد على ضلال يزيد!.
ثم قال : نقل البرزنجي في (الاشاعة)، والهيثمي في (الصواعق المحرقة)، أن الإمام أحمد لما سأله ابنه عبد الله عن لعن يزيد قال : كيف لا يلعن من لعنه الله في كتابه! فقال عبد الله : قرأت كتاب الله عز وجل فلم أجد فيه لعن يزيد! فقال الإمام : إن الله يقول : ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله )، وأي فساد وقطيعة أشد مما فعله يزيد!.
وقد جزم بكفره وصرح بلعنه جماعة من العلماء ، منهم : القاضي أبو يعلى ، والحافظ ابن الجوزي ، وقال التفتازاني : لا نتوقف في شأنه ، بل في إيمانه ، لعنة الله عليه وعلى أعوانه وأنصاره ، وصرح بلعنه جلال الدين السيوطي.
وفي تاريخ ابن الوردي ، والوافي بالوفيات : لما وردت على يزيد نساء الحسين وأطفاله ، والرؤوس على الرماح ، وقد أشرف على ثنية جيرون ونعب الغراب ، قال :
لما بدت تلك الحمول وأشرقت
تلك الشموس على ربى جيرون
صفحہ 30
يعني : أنه قتل بمن قتله رسول الله (ص) يوم بدر ؛ كجده عتبة وخاله ولد عتبة وغيرهما ، وهذا كفر صريح ، فاذا صح عنه ، فقد كفر به. ومثله تمثله بقول عبد الله بن الزبعرى قبل إسلامه ب (ليت أشياخي ببدر ...) الأبيات (1) ، إلى كثير من موبقاته وإلحاده ، فاستحق بذلك اللعن من الله وملائكته وأنبيائه ، ومن دان بهم من المؤمنين إلى يوم الدين. ولم يتوقف في ذلك إلا من حرم ريح الإيمان ، وأعمته العصبية عن السلوك في جادة الحق ؛ فأخذ يتردد في سيره ، حيران لا يهتدي إلى طريق ، ولا يخرج من مضيق.
ولم يتوقف المحققون من العلماء في كفره وزندقته ، فيقول ابن خلدون : غلط القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي ، إذ قال في كتابه (العواصم والقواصم): إن الحسين قتل بسيف شرعه ، غفلة عن اشتراط الإمام العادل في الخلافة الإسلامية! ومن أعدل من الحسين في زمانه وإمامته وعدالته في قتال أهل الآراء!؟. وفي الصفحة نفسها ذكر الاجماع على فسق يزيد ، ومعه لا يكون صالحا للإمامة ، ومن أجله كان الحسين (ع) يرى من المتعين الخروج عليه ، وقعود الصحابة والتابعين عن نصرة الحسين لا لعدم تصويب فعله ، بل لأنهم يرون عدم جواز اراقة الدماء ، فلا يجوز نصرة يزيد بقتال الحسين ، بل قتله من فعلات يزيد المؤكدة لفسقه والحسين فيها شهيد (2).
ويقول ابن مفلح الحنبلي : جوز ابن عقيل وابن الجوزي الخروج على الإمام غير العادل ، بدليل خروج الحسين على يزيد ؛ لاقامة الحق. وذكره ابن الجوزي في كتابه (السر المصون) من الاعتقادات العامية التي غلبت على جماعة من المنتسبين إلى السنة ، إنهم قالوا : كان يزيد على الصواب ، والحسين مخطئ في الخروج عليه. ولو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت البيعة له والزم الناس بها ، ولقد فعل مع الناس في ذلك كل قبيح ، ثم لو قدرنا صحة خلافته ، فقد بدرت منه بوادر وظهرت منه أمور ، كل منها يوجب فسخ ذلك العقد ؛ من نهب المدينة ، ورمي الكعبة بالمنجنيق ، وقتل الحسين وأهل بيته (عليهم السلام) وضربه على ثناياه بالقضيب ، وحمل
صفحہ 31
رأسه على خشبة ، وإنما يميل إلى هذا جاهل بالسيرة ، عامي المذهب ، يظن أنه يغيظ بذلك الرافضة (1).
وقال التفتازاني : الحق إن رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره به ، واهانته أهل بيت النبي (ص)، مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحاد. فنحن لا نتوقف في شأنه ، بل في إيمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه (2).
وقال ابن حزم : قيام يزيد بن معاوية ؛ لغرض دنيا فقط ، فلا تاويل له. وهو بغي مجرد (3). ويقول الشوكاني : لقد أفرط بعض أهل العلم فحكموا : بأن الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه ، باغ على الخمير السكير ، الهاتك لحرمة الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية! لعنهم الله. فيا للعجب من مقالات تقشعر منها الجلود ، ويتصدع من سماعها كل جلمود!! (4).
وقال الجاحظ : المنكرات التي اقترفها يزيد ؛ من قتل الحسين ، وحمله بنات رسول الله (ص) سبايا ، وقرعه ثنايا الحسين بالعود ، واخافته أهل المدينة ، وهدم الكعبة ، تدل على القسوة والغلظة والنصب ، وسوء الرأي والحقد والبغضاء ، والنفاق والخروج عن الايمان. فالفاسق ملعون ، ومن نهى عن شتم الملعون فملعون (5).
ويحدث البرهان الحلبي ، إن الاستاذ الشيخ محمد البكري تبعا لوالده كان يلعن يزيد ويقول : زاده الله خزيا وضعه وفي أسفل سجين وضعه (6) كما لعنه أبو الحسن علي بن محمد الكياهراسي ، وقال : لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي الرجل (7). وحكى ابن العماد عنه ، أنه سئل عن يزيد بن معاوية ، فقال : لم يكن من الصحابة ؛ لأنه ولد أيام عمر بن الخطاب. ولأحمد فيه قولان ؛ تلويح وتصريح. ولمالك قولان ؛ تلويح وتصريح. ولأبي حنيفة قولان ؛ تلويح وتصريح. ولنا قول واحد
صفحہ 32
تصريح دون تلويح ، وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد ، ومدمن الخمر ، وشعره في الخمر معلوم (1). ويقول الدكتور علي ابراهيم حسن : كان يزيد من المتصفين بشرب الخمر واللهو والصيد (2).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء : كان يزيد بن معاوية ناصبيا فظا ، غليظا جلفا ، يتناول المسكر ويفعل المنكر ، افتتح دولته بقتل الشهيد الحسين ، وختمها بوقعة الحرة ؛ فمقته الناس ولم يبارك في عمره (3).
وقال الشيخ محمد عبده : اذا وجدت في الدنيا حكومة عادلة تقيم الشرع ، وحكومة جائرة تعطله ، وجب على كل مسلم نصر الاولى. ثم قال : ومن هذا الباب خروج الإمام الحسين سبط الرسول (ص) على إمام الجور والبغي ، الذي ولي أمر المسلمين بالقوة والمكر ، يزيد بن معاوية ، خذله الله وخذل من انتصر له من الكرامية والنواصب (4). وقال ابن تغربردي الحنفي : كان يزيد فاسقا ، مدمن الخمر (5)، وقال : أخذت فتاوى العلماء بتعزير عمر بن عبد العزيز القزويني ؛ إذ قال أمير المؤمنين يزيد ، ثم اخرج من بغداد إلى قزوين (6). وقال أبو شامة : دخل بغداد أحمد بن اسماعيل بن يوسف القزويني فوعظ بالنظامية ، وفي يوم عاشوراء قيل له : إلعن يزيد بن معاوية. قال : ذلك إمام مجتهد. ففاجأه أحدهم فكاد يقتل ، وسقط عن المنبر. ثم أخرجوه إلى قزوين ، ومات بها سنة (590) ه (7).
وقال سبط ابن الجوزي : سئل ابن الجوزي عن لعن يزيد فقال : أجاز أحمد لعنه ، ونحن نقول لا نحبه ؛ لما فعل بابن بنت نبينا ، وحمله آل رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال ، وتجريه على آل رسول الله ، فإن رضيتم بهذه المصالحة بقولنا لا نحبه ، وإلا رجعنا إلى أصل الدعوى جواز لعنته (8).
صفحہ 33
وذكر أبو القاسم الزجاجي باسناده عن عمر بن الضحاك ، قال : كان يزيد بن معاوية ينادم (قردا)، فأخذه يوما وحمله على إتان وحشي وشد عليها رباطا ، وأرسل الخيل في أثرها حتى حسرتها الخيل فماتت الأتان ، فقال يزيد :
تمسك أبا قيس بفضل عنانها
فليس علينا أن هلكت ضمان
وما ذكره ابن الأثير عن أبي يعلى حمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع)، أنه قال : أنا لا اكفر يزيد ؛ لقول النبي (ص): «سألت الله تعالى أن لا يسلط على بني من غيرهم ، فأعطاني ذلك» (2). لا يتابع عليه ؛ لأن شرف أبي يعلى وجلالته وثقته ، تبعد صدور هذه الكلمة الجافة عنه ، وإن سبقه إليها الرافعي في التدوين في علماء قزوين (3). وعلى فرض صدورها منه ، فمن المقطوع به صدورها منه تقية. وقد بالغ الميرزا عبد الله افندي تلميذ المجلسي في إنكارها (4)؛ لأن كل من ترجم له من علماء الرجال مدحه واطراه بالجميل ، ولم يذكر ذلك عنه ، ولو كان لصدورها عنه عين أو أثر لمقتوه من أجلها. وقد ترحم عليه الشيخ الصدوق في كتبه وترضى عنه ؛ لأنه من مشائخه. وفي عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، حدثه بقم سنة (339) ه عما كتبه إليه علي بن إبراهيم بن هاشم سنة (309) ه ، عن ياسر الخادم عن الرضا (ع).... الخ حتى أن الخطيب البغدادي مع تعصبه ترجم له ، ولم يذكر عنه هذه الكلمة النابية (5)، فهذه الكلمة من زيادات الرافعي وابن الأثير ، الغير المقرونة بأصل وثيق.
وبعد مقت أعلام الامة ليزيد ، نحاسب عبد المغيث بن زهير بن علوي الحربي عن الاصول الصحيحة التي استقى منها كتابه ، الذي صنفه في فضائل يزيد (6)! وأي مأثرة صحيحة وجدها له حتى سجلها في كتابه؟! وهل حياته كلها إلا مخاز وتهجمات على قدس الشريعة؟ ؛ لذلك لم يعبأ العلماء بهذا الكتاب. فيقول :
صفحہ 34
ابن العماد : أتى فيه بالموضوعات. ويقول ابن كثير : رد عليه ابن الجوزي فأجاد وأصاب. وفي كامل ابن الأثير ، وعليه المسعودي في مروج الذهب : أتى فيه بالعجائب (3). وقال ابن رجب في طبقاته : صنف ابن الجوزي في الرد عليه كتابا أسماه : الرد على المتعصب العنيد ، المانع من لعن يزيد.
ومن الغريب ما أفتى به عبد الغني المقدسي ، حين سئل عن يزيد فقال : خلافته صحيحة ؛ لأن ستين صحابيا بايعه ، منهم : ابن عمر. ومن لم يحبه لا ينكر عليه ؛ لأنه ليس من الصحابة ، وإنما يمنع من لعنه ؛ خوفا من التسلق إلى أبيه ، وسدا لباب الفتنة (1)!!. وأغرب من هذا ، إنكار ابن حجر الهيثمي رضا يزيد بقتل الحسين (ع)، أو أنه أمر به (2) مع تواتر الخبر برضاه ، ولم ينكره إلا من أنكر ضوء الشمس!!.
قال ابن جرير والسيوطي : لما قتل الحسين سر يزيد بمقتله ، وحسنت حال ابن زياد عنده ، ثم بعد ذلك ندم (3). وقال الخوارزمي : قال يزيد للنعمان بن بشير : الحمد لله الذي قتل الحسين (4). وقد احتفظوا بمنكراته كاحتفاظهم ببغي أبيه معاوية ، ومعاندته لقوانين صاحب الدعوة الإلهية ، أليس هو القائل لأبيه صخر لما أظهر الإسلام فرقا من بوارق المسلمين :
يا صخر لا تسلمن طوعا فتفضحنا
بعد الذين ببدر أصبحوا مزقا
ويقول ابن أبي الحديد : طعن كثير من أصحابنا في دين معاوية ، وقالوا : إنه كان ملحدا لا يعتقد بالنبوة. ونقلوا عنه في فلتات كلامه ما يدل عليه (7).
صفحہ 35