276

محاسن التأويل

محاسن التأويل

علاقے
شام
سلطنتیں اور عہد
عثمانی

تكون المحقرات من الأشياء ومضروبا بها المثل ليس بموضع للاستنكار والاستغراب. من قبل أن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب. وإدناء المتوهم من المشاهد. فإن كان المتمثل له عظيما ، كان المتمثل به مثله. وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك. فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذا ، إلا أمرا تستدعيه حال المتمثل له وتستجره إلى نفسها ، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية. ألا ترى إلى الحق لما كان واضحا ، جليا أبلج. كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته ، كيف تمثل له بالظلمة؟ أفاده الزمخشري.

( فأما الذين آمنوا ) شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه تعالى أي : فأما المؤمنون ( فيعلمون أنه الحق من ربهم ) كسائر ما ورد منه تعالى والحق هو الثابت الذي لا يسوغ إنكاره. وذلك لأن التمثل به مسوق على قضية مضربه ، ومحتذى على مثال ما يستدعيه كما جعل بيت العنكبوت مثل الآلهة التي جعلها الكفار أندادا لله تعالى وجعلت أقل من الذباب ، وأخس قدرا. وضربت لها البعوضة فما دونها مثلا ، لأنه لا حال أحقر من تلك الأنداد وأقل ...! فالمؤمنون الذين عادتهم الإنصاف ، والعمل على العدل والتسوية ، والنظر في الأمور بناظر العقل إذا سمعوا بمثل هذا التمثيل علموا أنه الحق الذي لا تمر الشبهة بساحته ، والصواب الذي لا يرتع الخطأ حوله ( وأما الذين كفروا ) ممن غلبهم الجهل على عقولهم ، وغشيهم على بصائرهم فلا يتفطنون ، ولا يلقون أذهانهم. أو عرفوا أنه الحق ، إلا أن حب الرياسة ، وهوى الإلف والعادة ، لا يخليهم أن ينصفوا ( فيقولون ما ذا أراد الله بهذا مثلا ) أي : فإذا سمعوه عاندوا ، وكابروا ، وقضوا عليه بالبطلان ، وقابلوه بالإنكار. ولا خفاء في أن التمثيل بالبعوضة وبأحقر منها مما لا تخفى استقامته وصحته على من به أدنى مسكة. ولكن ديدن المحجوج المبهوت الذي لا يبقى له متمسك بدليل ، ولا متشبث بأمارة ولا إقناع ، أن يرمي لفرط الحيرة ، والعجز عن إعمال الحيلة ، بدفع الواضح ، وإنكار المستقيم ، والتعويل على المكابرة والمغالطة إذا لم يجد سوى ذلك معولا. ( يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ) جواب عن تلك المقالة الباطلة ، ورد لها ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة ، وغاية جميلة ، هي كونه ذريعة إلى هداية المستعدين للهداية ،

صفحہ 279