مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين
ایڈیٹر
محمد المعتصم بالله البغدادي
ناشر
دار الكتاب العربي
ایڈیشن
السابعة
اشاعت کا سال
1423 ہجری
پبلشر کا مقام
بيروت
نَعَمْ، هَذَا أَكْمَلُ حَالًا مِنَ الَّذِي لَا حُضُورَ لَهُ وَلَا مُشَاهَدَةَ بِالْمَرَّةِ، بَلْ هُوَ غَائِبٌ بِطَبْعِهِ وَنَفْسِهِ عَنْ مَعْبُودِهِ وَعَنْ عِبَادَتِهِ، وَصَاحِبُ التَّمْيِيزِ وَالْفُرْقَانِ - وَهُوَ صَاحِبُ الْفَنَاءِ الثَّالِثِ - أَكْمَلُ مِنْهُمَا، فَزَوَالُ الْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ وَالْغَيْبَةُ عَنْ شُهُودِ نَفْسِهِ وَأَفْعَالِهَا لَا يُحْمَدُ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ، بَلْ يُذَمُّ إِذَا تَسَبَّبَ إِلَيْهِ، وَبَاشَرَ أَسْبَابَهُ، وَأَعْرَضَ عَنِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوجِبُ لَهُ التَّمْيِيزَ وَالْعَقْلَ، وَيُعْذَرُ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِلَا اسْتِدْعَاءٍ، بِأَنْ كَانَ مَغْلُوبًا عَلَيْهِ، كَمَا يُعْذَرُ النَّائِمُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمَجْنُونُ، وَالسَّكْرَانُ الَّذِي لَا يُذَمُّ عَلَى سُكْرِهِ، كَالْمُوجَرِ وَالْجَاهِلِ بِكَوْنِ الشَّرَابِ مُسْكِرًا، وَنَحْوِهِمَا.
وَلَيْسَ أَيْضًا هَذِهِ الْحَالُ بِلَازِمَةٍ لِجَمِيعِ السَّالِكِينَ، بَلْ هِيَ عَارِضَةٌ لِبَعْضِهِمْ، مِنْهُمْ مَنْ يُبْتَلَى بِهَا، كَأَبِي يَزِيدَ وَأَمْثَالِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُبْتَلَى بِهَا، وَهُمْ أَكْمَلُ وَأَقْوَى، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ وَهُمْ سَادَاتُ الْعَارِفِينَ، وَأَئِمَّةُ الْوَاصِلِينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَقُدْوَةُ السَّالِكِينَ - لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ، مَعَ قُوَّةِ إِرَادَتِهِمْ، وَكَثْرَةِ مُنَازَلَاتِهِمْ، وَمُعَايَنَةِ مَا لَمْ يُعَايِنْهُ غَيْرُهُمْ، وَلَا شَمَّ لَهُ رَائِحَةً، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِهِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الْفَنَاءُ كَمَالًا لَكَانُوا هُمْ أَحَقَّ بِهِ وَأَهْلَهُ، وَكَانَ لَهُمْ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ.
وَلَا كَانَ هَذَا أَيْضًا لِنَبِيِّنَا ﷺ، وَلَا حَالًا مِنْ أَحْوَالِهِ، ﷺ، وَلِهَذَا - فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ، وَعَايَنَ مَا عَايَنَ مِمَّا أَرَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى - لَمْ تَعْرِضْ لَهُ هَذِهِ الْحَالُ، بَلْ كَانَ كَمَا وَصَفَهُ اللَّهُ ﷿ بِقَوْلِهِ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى - لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨] وَقَالَ ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ، أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَمَعَ هَذَا فَأَصْبَحَ بَيْنَهُمْ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَلَيْهِ حَالُهُ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ صَعْقٌ وَلَا غُشِيَ، يُخْبِرُهُمْ عَنْ تَفْصِيلِ مَا رَأَى، غَيْرَ فَانٍ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا عَنْ شُهُودِهِ، وَلِهَذَا كَانْتَ حَالُهُ أَكْمَلَ مَنْ حَالِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ صَلَّى اللَّهُ
1 / 177