طالب إذن لقضت على حياته في وضح النهار. ولكن وا أسفا! إنّ باب ابي طالب أيضا ليوشك ان يوصد في وجهه. ولم يبق ثمة أية حماية أرضية تقية غضب عدوّه. ثم إن صحابته الخليق بهم ان يفتدوه بارواحهم العزيزة عليهم كانوا في بلد قصيّ من قارة افريقية. أفيعني هذا شيئا غير الهلاك المؤكد الوشيك؟ ولو قد غار قلب الرسول في صدره اذن لكان ذلك متفقا والسجية البشرية؛ ولو قد حسنّت له غريزة حفظ الذات ان يعقد مع خصومه تسوية، وبذلك ينقذ حياته ويشخص إلى مكان آخر يدعو فيه إلى الايمان بدينه، اذن لكان ذلك جدّ طبيعيّ.
ولكن هل يتطرّق مثل هذا النزوع، المبرّر بكل ما في الكلمة من معنى في ظل ملابسات حرجة بهذا المقدار، إلى فؤاد الرسول؟ لا، لم يتطرق اليه طيف من ذلك. فقد كان يعمر نفسه ايمان بالرعاية الالهية لا يتزعزع، فهو لا يتراجع بوصة واحدة عن اداء رسالته التي هي، في الحق، غاية حياته كلها وكينونته كلها. فما ان انطلقت الكلمات المذكورة آنفا من شفتي ابي طالب حتى أعلن في غير ما جعجعة البتّة:
«يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على ان أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته.» ولكن عينيه ما لبثتا ان اغرورقتا بالدمع- بعد ان رأى إلى الخيبة التي أوقعها موقفه في نفس عمه الذي نشّأه في حنان بالغ وبسط عليه حمايته مخاطرا بكل شيء- وانصرف بقلب محزون. ولم يكن أبو طالب قد تخلى عن شكل الديانة الموروثة عن الآباء والاجداد، ولكن خلق الرسول الرفيع كان قد فتنه كثيرا. فبعث في طلب الرسول على التوّ، وقال له مؤكدا: «اذهب [يا ابن اخي] فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء تكرهه أبدا!»
ولم يشكّ القرشيون، إلا قليلا، في أن أبا طالب سوف ينزل عند مطلبهم الموحّد. من أجل ذلك دهشوا دهشا بالغا عندما سمعوا
1 / 98
مقدمة
الفصل الأول بلاد العرب والعرب
الفصل الثاني الجاهلية
الفصل الثالث موجات الإصلاح في بلاد العرب
الفصل الرابع النبوات المتصلة بظهور الرسول الكريم
الفصل الخامس نسب الرسول ومولده
الفصل السادس قبل البعث
الفصل السابع البعث
الفصل الثامن المؤمنون الأولون
الفصل التاسع الاضطهاد
الفصل العاشر الهجرة إلى الحبشة
الفصل الحادي عشر محاولات لإطفاء نور الله
الفصل الثاني عشر العهد المكى المتأخر
الفصل الثالث عشر الهجرة
الفصل الرابع عشر العهد الجديد (الأيام الاولى في المدينة)
الفصل الخامس عشر معركة بدر
الفصل السادس عشر معركة أحد
الفصل السابع عشر القبائل العربية والمسلمون
الفصل الثامن عشر معركة الأحزاب
الفصل التاسع عشر العلاقات مع اليهود
الفصل العشرون صلح الحديبية
الفصل الحادي والعشرون دعوة الملوك إلى الإسلام
الفصل الثاني والعشرون فتح مكة
الفصل الثالث والعشرون معركة حنين
الفصل الرابع والعشرون انتشار الإسلام العام في بلاد العرب