غيره البتة. كان يضع نفسه على قدم المساواة مع سائر الناس. وذات يوم، وكان قد احتل في «المدينة» مقاما أشبه بمقام الملك، وفد عليه يهودي يقتضيه دينا ما، وخاطبه في جلافة وخشونة قائلا ان بني هاشم لا يردّون أيما مال اقترضوه من شخص آخر. فثارت ثائرة عمر لوقاحة اليهودي، ولكن الرسول عنّفه ذاهبا إلى ان الواجب كان يقتضي عمر ان ينصح كلا من المدين والدائن: ان ينصح المدين- الرسول- بردّ الدين مع الشكر، وان ينصح الدائن بالمطالبة به بطريقة أليق. ثم دفع إلى اليهودي حقه وزيادة، فتأثر هذا الأخير تأثرا عظيما بروح العدل والانصاف عند الرسول، ودخل في الاسلام. وفي مناسبة أخرى وكان مع أصحابه في أجمة من الآجام، حان وقت إعداد الطعام، فعهد إلى كل امرئ في القيام بجانب من العمل، وانصرف هو نفسه إلى جمع الوفود. لقد كان برغم سلطانه الروحي والزمني يؤدي قسطه من العمل مثل رجل عادي. وكان يراعي، في معاملته خدمه، مبدأ المساواة نفسه. وقال انس: «خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فما قال لي افّ قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته.» ولم يبق أيما عبد على عبوديته. فما إن يؤول اليه عبد رقيق حتى يسارع إلى إعتاقه. وطوال حياته كلها لم يضرب قط خادما أو امرأة.
ويروى ان الرسول لم يخيّب رجاء سائل قط. إنه ما كان ليردّه ردا صريحا، بل يؤثر أن ينتظر ريثما تقع يده على شيء يسدّ حاجته.
وكان يلبي هذه المطالب على حساب مطالبه الشخصية نفسها. كان يطعم الجائع، ثم يبيت هو على الطوى. وكان لا يبقي في حوزته مالا ما.
وحين حضرته الوفاة طلب إلى أهله ان يجمعوا ما في بيته من مال وتصدّق به على الفقراء. وحتى على مخلوقات الله العجماوات فاض قلب الرسول حنانا ورحمة. فقد تحدّث عن رجل متح الماء من بئر ليطفئ ظمأ
1 / 271
مقدمة
الفصل الأول بلاد العرب والعرب
الفصل الثاني الجاهلية
الفصل الثالث موجات الإصلاح في بلاد العرب
الفصل الرابع النبوات المتصلة بظهور الرسول الكريم
الفصل الخامس نسب الرسول ومولده
الفصل السادس قبل البعث
الفصل السابع البعث
الفصل الثامن المؤمنون الأولون
الفصل التاسع الاضطهاد
الفصل العاشر الهجرة إلى الحبشة
الفصل الحادي عشر محاولات لإطفاء نور الله
الفصل الثاني عشر العهد المكى المتأخر
الفصل الثالث عشر الهجرة
الفصل الرابع عشر العهد الجديد (الأيام الاولى في المدينة)
الفصل الخامس عشر معركة بدر
الفصل السادس عشر معركة أحد
الفصل السابع عشر القبائل العربية والمسلمون
الفصل الثامن عشر معركة الأحزاب
الفصل التاسع عشر العلاقات مع اليهود
الفصل العشرون صلح الحديبية
الفصل الحادي والعشرون دعوة الملوك إلى الإسلام
الفصل الثاني والعشرون فتح مكة
الفصل الثالث والعشرون معركة حنين
الفصل الرابع والعشرون انتشار الإسلام العام في بلاد العرب