الحرية التي تصطنع بها العصا، وكانت مسرحا للوحوش الضارية المنقضّ بعضها على رقاب بعض، حيث القتال والأخذ بالثأر هما الزيّ الشائع، وحيث لم يكن لمن لا يحسن الضرب بالسيف كبير أمل في البقاء. ومع ذلك فأنه لم يسدّد في أيما مرة لكمة واحدة إلى عدوّ.
وحتى بعد البعث، عندما لجيء إلى القتال على سبيل الدفاع عن النفس وشارك الرسول بنفسه في كثير من المعارك، فأن سيفه لم يسلّ على عدوّ ما البتة، إلا مرة واحدة عندما اضطرّ، في معركة أحد، إلى أن يسلّه على عدوّ حمل عليه حملا عنيفا. ثم إنه كان محبا للسلم بالفطرة حتى لقد آثر صلح الحديبية على اراقة الدماء، برغم ان ذلك الصلح عامل المسلمين وكأنهم فريق مغلوب. وبرغم ان الحرب كانت غريبة عن طبيعته إلى هذا الحد فقد أكره، بحكم الظرف القاهر ليس غير، على خوض غمار القتال. ذلك بأن الحرب شر آخر لا بدّ منه، وقد يجيء زمان يصبح فيه اجتنابها أمرا متعذرا. ولم يكن في امكان المرء ان يعتبر الرسول قدوة كاملة لو أغفل ضرب المثل في ميدان القتال أيضا، ابتغاء هداية الجنس البشري. ولقد نشأت أحوال ساقته إلى ساحة الحرب ليظهر كيف يتعين على الجندي العادي وعلى قائد الجيش أن يتصرف ويسلك. ونحن نلاحظ أيضا أنه عاش، في بلد شديد القيظ مثل بلاد العرب، حياة عفيفة، بوصفه عزبا حتى الخامسة والعشرين من عمره. إن طهارة خلقه قد طبّق ذكرها الآفاق. وبعد ذلك عاش مع زوجة واحدة- زوجة كانت أرملة أيضا، أرملة أكبر منه بخمس عشرة سنة- حتى بلغ الخمسين. هذه الحقائق كلها تفرض علينا ان نخلص إلى القول ان عفته كانت ممتنعة امتناعا كاملا على الشق والشهوة. ومع ذلك فقد تعيّن عليه- في كهولته تلك، عندما يعجز العقل الراجح عن اتهامه بالشهوانية إلا إذا أعماه الهوى- أن يتخذ أكثر من زوجة لكي لا يظل هذا المظهر الذي لا سبيل إلى اجتنابه من
1 / 254
مقدمة
الفصل الأول بلاد العرب والعرب
الفصل الثاني الجاهلية
الفصل الثالث موجات الإصلاح في بلاد العرب
الفصل الرابع النبوات المتصلة بظهور الرسول الكريم
الفصل الخامس نسب الرسول ومولده
الفصل السادس قبل البعث
الفصل السابع البعث
الفصل الثامن المؤمنون الأولون
الفصل التاسع الاضطهاد
الفصل العاشر الهجرة إلى الحبشة
الفصل الحادي عشر محاولات لإطفاء نور الله
الفصل الثاني عشر العهد المكى المتأخر
الفصل الثالث عشر الهجرة
الفصل الرابع عشر العهد الجديد (الأيام الاولى في المدينة)
الفصل الخامس عشر معركة بدر
الفصل السادس عشر معركة أحد
الفصل السابع عشر القبائل العربية والمسلمون
الفصل الثامن عشر معركة الأحزاب
الفصل التاسع عشر العلاقات مع اليهود
الفصل العشرون صلح الحديبية
الفصل الحادي والعشرون دعوة الملوك إلى الإسلام
الفصل الثاني والعشرون فتح مكة
الفصل الثالث والعشرون معركة حنين
الفصل الرابع والعشرون انتشار الإسلام العام في بلاد العرب