يكونوا، واخضاع سائرهم لعبودية كاملة. ولقد كانت هذه هي المعاملة التي عامل بها المنتصرون مغلوبيهم دائما وأبدا، وبالطريقة نفسها تعامل الشعوب المغلوبة، اليوم، في ظل أعرق الحكومات في المدينة. فقوية هي غريزة الانتقام في الطبيعة البشرية، وانها لنزاعة إلى الاستفحال والطغيان، وبخاصة حين يكون العدو تحت رحمة المرء المطلقة. عندئذ تتخطّى التخوم الاخلاقية كلها. ولكن قريشا كانت تؤمن ايمانا لا يتزعزع بما فطر عليه الرسول من طبيعة نبيلة رحيمة.
انهم لم يتوقعوا قط أن يلقوا على يديه أيما معاملة قاسية. ومن هنا لم يكد الرسول يسألهم: «يا معشر قريش، ما ترون اني فاعل بكم؟» حتى أجابوا: «خيرا، أخ كريم وابن اخ كريم!» . إنهم لم يكونوا غرباء عن كرم خلق الرسول. لقد كانوا على مثل اليقين من ان الشهامة، التي ميّزت شخصيته طوال اربعين سنة انقضت قبل جهره بالنبوّة، لم يتطرّق اليها أيما تغيير البتة. ولكن المعاملة التي أسبغها عليهم فاقت حتى ما كانوا يتوقعونه. لقد قال لهم: «لا تثريب عليكم اليوم.» يا لسموّ النفس! لقد أعفاهم حتى من اللوم على جرائمهم السوداء، بله العقوبة والقصاص. ليس هذا فحسب، بل إنه لم يطالبهم حتى بعهد يأخذونه على أنفسهم في ما يتصل بمسلكهم في المستقبل. وممتلكات المهاجرين المبعدين، التي كان المكيون قد استولوا عليها، لم تردّ اليهم. لقد طلب إلى المهاجرين أن يتنازلوا عن جميع حقوقهم السابقة. وحتى يوم دخل المسلمون مكة لم يتمالك عكرمة بن أبي جهل عن ايذائهم فهاجم سريّة خالد [بن الوليد] .
وإذ خشي العقوبة القاسية التي كان يعلم انه يستحقها فقد فرّ بنفسه حذر الموت. وفي حال من الأسى البالغ وفدت زوجته على الرسول، والتمست منه العفو عن زوجها. وإذ كانت رحمة الرسول لا تعرف حدودا فقد منح عكرمة، ذلك العدوّ اللدود، العفو أيضا. وأسبغ
1 / 206
مقدمة
الفصل الأول بلاد العرب والعرب
الفصل الثاني الجاهلية
الفصل الثالث موجات الإصلاح في بلاد العرب
الفصل الرابع النبوات المتصلة بظهور الرسول الكريم
الفصل الخامس نسب الرسول ومولده
الفصل السادس قبل البعث
الفصل السابع البعث
الفصل الثامن المؤمنون الأولون
الفصل التاسع الاضطهاد
الفصل العاشر الهجرة إلى الحبشة
الفصل الحادي عشر محاولات لإطفاء نور الله
الفصل الثاني عشر العهد المكى المتأخر
الفصل الثالث عشر الهجرة
الفصل الرابع عشر العهد الجديد (الأيام الاولى في المدينة)
الفصل الخامس عشر معركة بدر
الفصل السادس عشر معركة أحد
الفصل السابع عشر القبائل العربية والمسلمون
الفصل الثامن عشر معركة الأحزاب
الفصل التاسع عشر العلاقات مع اليهود
الفصل العشرون صلح الحديبية
الفصل الحادي والعشرون دعوة الملوك إلى الإسلام
الفصل الثاني والعشرون فتح مكة
الفصل الثالث والعشرون معركة حنين
الفصل الرابع والعشرون انتشار الإسلام العام في بلاد العرب