ولكن ما كانت، على أية حال، ثمرة الصلح الذي بدا مذلا حتى في أعين المسلمين أنفسهم؟ هل وضع حدا لدخول الناس في الدين، في مكة؟ لقد كان خليقا بذلك الصلح، وفقا لكل منطق بشريّ، أن يفضي إلى ذلك. ذلك بأنه كان برهانا جديدا على عجز المسلمين وقلة حيلتهم. كان في ميسور الداخلين في الدين، حتى ذلك الحين، ان يعتمدوا على العون يأتيهم من اخوانهم المسلمين في المدينة. ولكن المسلمين حرموا، بحكم شروط الصلح، حقّهم في نجدة معتنقي الدين الجديد، الذين كانوا في قبضة ظالميهم ومضطهديهم.
ليس هذا فحسب، بل لقد أمسوا عاجزين عن إيواء هؤلاء المؤمنين الجدد إذا ما وفّقوا للفرار بأنفسهم إلى المدينة. إنه لعزاء عظيم للمرء أن يجد نفسه، في أيام المحنة، بين فريق من أصدقائه، برغم ان اولئك الاصدقاء أنفسهم قد لا يكونون في حال أفضل. إنه لمما يسريّ عن النفس أن يكون معهم في مركب واحد، كما يقولون.
ولكن حتى مصدر السلوان الأخير هذا أنكره صلح الحديبية على الداخلين حديثا في الاسلام. فكيف يجد امرؤ في نفسه الجرأة، في ظل تلك الأحوال، على اعتناق الاسلام؟ كان المسلم يخضع، في موطنه [مكة]، لضروب من العذاب رهيبة، ولكنه لم يعدّ يطمع في أن ينعم، الآن، في المدينة نفسها، بحال أفضل. إن ما أصاب أبا جندل لا يزال ماثلا في أذهان القوم، وخليق به ان يوهن عزيمة أكثر الناس حماسة. والواقع ان مثل هذا الوضع كان ينبغي أن يضع حدا لتقدّم الاسلام. ولكن أليس مما يروع المراقب ان يكون الضياء الاسلامي قد انتشر- على عكس ذلك- في هذه الفترة بالذات بسرعة تبلغ عشرة أضعاف سرعته السابقة؟ فما هو اذن الاستنتاج المنطقي الوحيد؟ إنه ليس شيئا أكثر من هذا: إن قيمة الاسلام الجوهرية لترجح رجحانا عظيما شبح التعذيب والاضطهاد
1 / 190
مقدمة
الفصل الأول بلاد العرب والعرب
الفصل الثاني الجاهلية
الفصل الثالث موجات الإصلاح في بلاد العرب
الفصل الرابع النبوات المتصلة بظهور الرسول الكريم
الفصل الخامس نسب الرسول ومولده
الفصل السادس قبل البعث
الفصل السابع البعث
الفصل الثامن المؤمنون الأولون
الفصل التاسع الاضطهاد
الفصل العاشر الهجرة إلى الحبشة
الفصل الحادي عشر محاولات لإطفاء نور الله
الفصل الثاني عشر العهد المكى المتأخر
الفصل الثالث عشر الهجرة
الفصل الرابع عشر العهد الجديد (الأيام الاولى في المدينة)
الفصل الخامس عشر معركة بدر
الفصل السادس عشر معركة أحد
الفصل السابع عشر القبائل العربية والمسلمون
الفصل الثامن عشر معركة الأحزاب
الفصل التاسع عشر العلاقات مع اليهود
الفصل العشرون صلح الحديبية
الفصل الحادي والعشرون دعوة الملوك إلى الإسلام
الفصل الثاني والعشرون فتح مكة
الفصل الثالث والعشرون معركة حنين
الفصل الرابع والعشرون انتشار الإسلام العام في بلاد العرب