كانوا قد بذلوا قصارى جهدهم غير مرة، في تلك السبيل، ولكن على غير طائل. وإلى هذا، فأن عقد الصلح خليق به أن يمكّنهم من استئناف التجارة مع الشام، تلك التجارة التي عطّلت بسبب الحرب مع المسلمين المسيطرين على طريقها. وهكذا أوفد القرشيون عروة [ابن مسعود الثقفي] سفيرا يفاوض المسلمين في شروط الصلح. وخلال المناقشة قال عروة ان من الخير للرسول أن لا يطمئن إلى أصحابه اطمئنانا كثيرا، لأنهم سوف ينصرفون عنه في سهولة ويسر إذا ما ألمّ به خطب. فثارت ثائرة ابي بكر لدن سماعه هذا الكلام، وصاح به [منكرا ان ينصرف الناس عن رسول الله] وعامله في شيء من القسوة.
واتفق ان أذّن لصلاة العصر وعروة هناك ما يزال. حتى إذا قام الرسول يتوضأ شاهد عروة أصحاب الرسول يبتدرون وضوءه فلا يدعون نقطة من الماء الذي توضأ به تسقط على الارض. إلى هذا المدى قادهم حبّهم لشخص الرسول. والواقع أن هذا المشهد ترك في نفس عروة اثرا عميقا. صحيح ان المفاوضات أخفقت آخر الأمر، ولكن عروة حمل إلى قريش انطباعته عن الاحترام العظيم الذي أكنّه الصحابة للرسول.
لقد قال لهم: «يا معشر قريش، إني جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، [والنجاشيّ في ملكه] وإني والله ما رأيت [ملكا] في قوم قط مثل محمد في أصحابه. [لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإنهم لن يسلموه لشيء أبدا، فروا رأيكم.]»
وبعث الرسول إلى قريش بموفد آخر، ولكنهم أساؤا معاملته، وعقروا جمله. ليس هذا فحسب، بل لقد خرجت سريّة قرشية مسلحة ابتغاء أخذ المسلمين على حين غرّة، ولكن المسلمين أسروهم.
وأيا ما كان فسرعان ما خلّى الرسول سبيلهم جميعا لأنه لم يأت ابتغاء القتال. وأخيرا عهد إلى عثمان [بن عفان] في مفاوضة قريش،
1 / 182
مقدمة
الفصل الأول بلاد العرب والعرب
الفصل الثاني الجاهلية
الفصل الثالث موجات الإصلاح في بلاد العرب
الفصل الرابع النبوات المتصلة بظهور الرسول الكريم
الفصل الخامس نسب الرسول ومولده
الفصل السادس قبل البعث
الفصل السابع البعث
الفصل الثامن المؤمنون الأولون
الفصل التاسع الاضطهاد
الفصل العاشر الهجرة إلى الحبشة
الفصل الحادي عشر محاولات لإطفاء نور الله
الفصل الثاني عشر العهد المكى المتأخر
الفصل الثالث عشر الهجرة
الفصل الرابع عشر العهد الجديد (الأيام الاولى في المدينة)
الفصل الخامس عشر معركة بدر
الفصل السادس عشر معركة أحد
الفصل السابع عشر القبائل العربية والمسلمون
الفصل الثامن عشر معركة الأحزاب
الفصل التاسع عشر العلاقات مع اليهود
الفصل العشرون صلح الحديبية
الفصل الحادي والعشرون دعوة الملوك إلى الإسلام
الفصل الثاني والعشرون فتح مكة
الفصل الثالث والعشرون معركة حنين
الفصل الرابع والعشرون انتشار الإسلام العام في بلاد العرب