394
أبو الدحداح يشتري نخلة في الجنة
جاءت المصطفى ﷺ خصومة -كما روى البخاري عليه رحمة الله- بين يتيم وصحابي على نخلة، والناس على الدنيا تجد النزاع بينهم عظيمًا، ولم يخل منه حتى عهد المصطفى ﷺ، وكان هناك بستان لهذا الصحابي بجانب بستان آخر لهذا اليتيم وبينهما نخلة، وهذا اليتيم لا زال لم يدرك حق الإدراك، فقال هذا الصحابي: هذه النخلة لي.
وقال هذا اليتيم الصغير: هذه النخلة لي.
تشاجرا فذهب اليتيم فاشتكي هذا الصحابي إلى المصطفى ﷺ، فأحضر هذا الصحابي وقال: هذا اليتيم يشكوك -أو كما قال ﷺ في نخلة أخذتها له.
قال: والله ما كان ذلك لي يا رسول الله! وما كنت لآخذ نخلته، قال النبي ﷺ: إذًا نخرج ونعاين.
خرج النبي ﷺ ولم يعتمد على كلام هذا ولا هذا وإنما خرج ليعاين البستانين ويعاين النخلة، تواضعًا منه ﷺ وحكمًا بالعدل؛ لأنه يأخذ عن العدل ﷾.
وعندما وصل إلى ذاك المكان؛ فإذا بالنخلة في بستان الصحابي واضحة جلية، فهل يعطف على هذا اليتيم فيحكم بغير حكم الله؟ لا.
ما كان ذلك لرسول الله ﷺ.
فحكم بالنخلة للصحابي فذرفت دموع اليتيم على خديه؛ فأراد النبي ﷺ أن يجبر كسر قلب هذا اليتيم؛ لأنه لم يدرك الحق.
فقال لهذا الصحابي: أتعطيه هذه النخلة ولك بها عذق نخل في الجنة؟
لكن الصحابي كان في وقت غضب إذ كيف يشكوه إلى المصطفى ﷺ والحق له! وكان في الجلسة رجل يتمنى مثل هذه الفرصة اسمه أبو الدحداح ﵁ وأرضاه، قال: يا رسول الله! لئن اشتريت هذه النخلة وأعطيتها هذا اليتيم ألي العذق في الجنة؟ قال: لك ذلك.
فيلحق بهذا الصحابي ويقول: أتبيعني هذه النخلة ببستاني كله.
قال: أبيعكها.
لا خير في نخلة شكيت فيها إلى رسول الله ﷺ.
فباعه النخلة بالبستان كله، وذهب إلى أهله ونادى فيهم: يا أم الدحداح! ويا أبناء أبي الدحداح! قد بعناها من الله فاخرجوا منها، فخرج ومع أطفاله بعض الرطب فقام يأخذه ويرميه فيها ويقول: قد بعناها من الله جل وعلا بعذق في الجنة، لا نخرج منها بشيء، خرج هو وأهله وقد باع كل شيء واشترى عذقًا من نخلة عند الله جل وعلا.
فهل قال: انتهينا.
لنا في الجنة عذقًا ويكفي، لا نصلي ولا نصوم ولا نعمل أي شيء.
لا.
فإن الذي بذل هذه سيبذل أعظم منها، بذل المال وبذل الأولاد وبذل كل نعيم في هذه الحياة ثم في الأخير يقدم نفسه لله جل وعلا.
يخرج في معركة أحد؛ والتي ابتلي فيها المؤمنون ابتلاء شديدًا، وربي فيها المؤمنون تربية عظيمة، وكسرت فيها رباعية المصطفى ﷺ وشج وجهه، يوم انتهت المعركة ذهب يفتش ﷺ وهو في تلك الحالة عن أصحابه يتفقدهم، ويأتي إلى صاحب العذق إلى أبي الدحداح، وإذ به مضرج بدمائه، فيرفعه ويمسح الدم عن وجهه ويقول: ﴿رحمك الله يا أبا الدحداح! كم من عذق مذلل الآن لـ أبي الدحداح في الجنة﴾.
لا إله إلا الله! ماذا خسر أبو الدحداح؟! خسر ترابًا؟! خسر شجيرات؟! خسر نخيلات؟! لكنه فاز بجنة عرضها الأرض والسماوات: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥].
هل هذا فقط في عهد المصطفى ﷺ؟ والله! إن الأمثلة لكثيرة وإن النماذج لعظيمة، ولكني أنتقل بكم إلى نموذج آخر قصير.

23 / 12