الکشاف

الكشاف

ناشر

دار الكتاب العربي

ایڈیشن

الثالثة

اشاعت کا سال

١٤٠٧ هـ

پبلشر کا مقام

بيروت

مقدمة التفسير للعلامة الزمخشري
(بِسمِ اللَّه الرّحمن الرّحيم) الحمد للَّه الذي أنزل القرآن كلاما مؤلفًا منظما، ونزله بحسب المصالح منجما، وجعله بالتحميد مفتتحًا وبالاستعاذة مختتما وأوحاه على قسمين متشابهًا ومحكمًا وفصله سورًا وسوّره آيات.
وميز بينهنّ بفصول وغايات. وما هي إلا صفات مبتدئ مبتدع، وسمات منشئ مخترع فسبحان من استأثر بالأوّلية والقدم، ووسم كل شيء سواه بالحدوث عن العدم أنشأه كتابا ساطعًا تبيانه، قاطعًا برهانه وحيا ناطقًا ببينات وحجج، قرآنا عربيًا غير ذى عوج مفتاحًا للمنافع الدينية والدنيوية، مصداقا لما بين يديه من الكتب السماوية معجزًا باقيًا دون كل معجز على وجه كل زمان، دائرًا من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، وأبكم به من تحدّى به من مصاقع الخطباء، فلم يتصدّ للإتيان بما يوازيه أو يدانيه واحد من فصحائهم، ولم ينهض لمقدار أقصر سورة منه ناهض من بلغائهم على أنهم كانوا أكثر من حصى البطحاء، وأوفر عددًا من رمال الدهناء ولم ينبض «١» منهم عرق العصبية مع اشتهارهم بالإفراط في المضادّة والمضارّة، وإلقائهم الشراشر «٢» على المعازة والمعارّة ولقائهم دون المناضلة عن أحسابهم الخطط، وركوبهم في كل ما يرومونه الشطط إن أتاهم أحد بمفخرة أتوه بمفاخر، وإن رماهم بمأثرة رموه بمآثر وقد جرّد لهم الحجة أوّلا، والسيف آخرًا، فلم يعارضوا إلا السيف وحده، على أنّ السيف القاضب مخراق لاعب إن لم تمض الحجة حدّه فما أعرضوا عن معارضة الحجة إلا لعلمهم أنّ البحر قد زخر فطمّ على الكواكب «٣»، وأنّ الشمس قد أشرقت فطمست نور الكواكب.

(١). قوله «ولم ينبض» أى يتحرك كما في الصحاح. (ع)
(٢). قوله «الشراشر» في الصحاح: الشراشر الأثقال، الواحدة شرشرة. يقال: ألقى عليه شراشره حرصًا ومحبة. وفيه: العرارة شدة الحرب، واسمه للسودد. (ع)
(٣). قوله «فطم على الكواكب» في الصحاح: الكوكب النجم، وكوكب الشيء معظمه، وكوكب الروضة نورها والمعنى الأخير هو المراد هنا، والأول هو ما يأتي. (ع)

المقدمة / 1

والصلاة [والسلام] على خير من أوحى إليه حبيب اللَّه أبى القاسم، محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب بن هاشم ذى اللواء المرفوع في بنى لؤىّ. وذى الفرع المنيف في عبد مناف بن قصّى المثبت بالعصمة، المؤيد بالحكمة، الشادخ «١» الغرّة الواضح التحجيل، النبىّ الأمىّ المكتوب في التوراة والإنجيل وعلى آله الأطهار، وخلفائه من الأختان والأصهار، وعلى جميع المهاجرين والأنصار.
اعلم أنّ متن كلّ علم وعمود كل صناعة- طبقات العلماء فيه متدانية، وأقدام الصناع فيه متقاربة أو متساوية، إن سبق العالم العالم لم يسبقه إلا بخطإ يسيرة، أو تقدّم الصانع الصانع لم يتقدّمه إلا بمسافة قصيرة وإنما الذي تباينت فيه الرتب، وتحاكت فيه الركب، ووقع فيه الاستباق والتناضل، وعظم فيه التفاوت والتفاضل، حتى انتهى الأمر إلى أمد من الوهم متباعد، وترقى إلى أن عدّ ألف بواحد- ما في العلوم والصناعات من محاسن النكت والفقر، ومن لطائف معان يدق فيها مباحث للفكر، ومن غوامض أسرار، محتجبة وراء أستار، لا يكشف عنها من الخاصة إلا أوحدهم وأخصهم، وإلا واسطتهم وفصهم، وعامتهم عماة عن إدراك حقائقها بأحداقهم عناة في يد التقليد لا يمنّ عليهم بجزّ نواصيهم وإطلاقهم ثم إن أملأ العلوم بما يغمر القرائح، وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح «٢» من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذى علم، كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بز أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرّية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعظ والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوّة لحييه لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلا رجل قد برع في علمين مختصين بالقرآن، وهما علم المعاني وعلم البيان وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همة في معرفة لطائف حجة اللَّه، وحرص على استيضاح معجزة رسول اللَّه بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظ، جامعا بين أمرين تحقيق وحفظ كثير المطالعات، طويل المراجعات قد رجع زمانا ورجع إليه، وردّ وردّ عليه فارسا في علم الإعراب، مقدّما في حملة الكتاب وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة منقادها، مشتعل القريحة وقادها يقظان النفس درّاكا للمحة وإن لطف

(١) . قوله «الشادخ الغرة» في الصحاح: شدخت الغرة، إذا اتسعت. (ع)
(٢) . قوله «بما يبهر الألباب القوارح» في الصحاح: قرح الجافر، إذا انتهت أسنانه، وكل ذى حافر يقرح، وكل ذى خف يبزل. (ع)

المقدمة / 2

شأنها، متنبها على الرمزة وإن خفى مكانها، لا كزّا جاسيا، ولا غليظًا جافيًا متصرفا ذا دراية بأساليب النظم والنثر، مرتاضا غير ريض «١» بتلقيح بنات الفكر قد علم كيف يرتب الكلام ويؤلف، وكيف ينظم ويرصف، طالما دفع إلى مضايقه، ووقع في مداحضه ومزالقه.
ولقد رأيت إخواننا في الدين من أفاضل الفئة الناجية «٢» العدلية، الجامعين بين علم العربية والأصول الدينية، كلما رجعوا إلىّ في تفسير آية فأبرزت لهم بعض الحقائق من الحجب، أفاضوا في الاستحسان والتعجب واستطيروا شوقا إلى مصنف يضم أطرافا من ذلك حتى اجتمعوا إلىّ مقترحين أن أملى عليهم (الكشف عن حقائق التنزيل، وعيون الأقاويل في وجوه التأويل) فاستعفيت، فأبوا إلا المراجعة والاستشفاع بعظماء الدين وعلماء العدل والتوحيد والذي حدانى على الاستعفاء على علمى أنهم طلبوا ما الإجابة إليه علىّ واجبة لأنّ الخوض فيه كفرض العين ما أرى عليه الزمان من رثاثة أحواله وركاكة رجاله وتقاصر هممهم عن أدنى عدد هذا العلم فضلا أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمى المعاني والبيان، فأمليت عليهم مسألة في الفواتح، وطائفة من الكلام في حقائق سورة البقرة وكان كلاما مبسوطا كثير السؤال والجواب طويل الذيول والأذناب، وإنما حاولت به التنبيه على غزارة نكت هذا العلم وأن يكون لهم منارًا ينتحونه ومثالا يحتذونه، فلما صمم العزم على معاودة جوار اللَّه والإناخة بحرم اللَّه فتوجهت تلقاء مكة، وجدت في مجتازى بكل بلد من فيه مسكة من أهلها- وقليل ما هم- عطشى الأكباد إلى العثور على ذلك المملى، متطلعين إلى إيناسه، حرّاصا على اقتباسه، فهز ما رأيت من عطفي وحرّك الساكن من نشاطي، فلما حططت الرحل بمكة إذا أنا بالشعبة السنية، من الدوحة الحسنية: الأمير الشريف الإمام شرف آل رسول اللَّه أبى الحسن على بن حمزة بن وهاس، ادام اللَّه مجده، وهو النكتة والشامة في بنى الحسن مع كثرة محاسنهم وجموم مناقبهم- أعطش الناس كبدًا وألهبهم حشى وأوفاهم رغبة، حتى ذكر أنه كان يحدّث نفسه- في مدّة غيبتي عن الحجاز مع تزاحم ما هو فيه من المشادّة- بقطع الفيافي وطى المهامه والوفادة علينا بخوارزم ليتوصل إلى إصابة هذا الغرض فقلت قد ضاقت على المستعفى الحيل، وعيت به العلل ورأيتنى قد أخذت منى السنّ، وتقعقع الشنّ، وناهزت العشر التي سمتها العرب دقاقة الرقاب، فأخذت في طريقة أخصر من الأولى مع ضمان التكثير من الفوائد

(١) . قوله «غير ريض» في الصحاح: ناقة ريض، أول ما ريضت وهي صعبة بعد. (ع)
(٢) . قوله «من أفاضل الفئة الناجية» هي التي سماها أهل السنة بالمعتزلة، فقوله «إخواننا في الدين» يقتضى أنه من المعتزلة. ولذا تراه في مسائل الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة يقول بقول المعتزلة، فإذا كان ظاهر الآية يوافقهم أبقاها على ظاهرها، وإذا كان يخالفهم صرفها عن ظاهرها إلى معنى يوافقهم، عفى اللَّه عنه. (ع)

المقدمة / 3

والفحص عن السرائر، «١» ووفق اللَّه وسدّد ففرغ منه في مقدار مدّة خلافة أبى بكر الصدّيق رضى اللَّه عنه «٢» وكان يقدّر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة، وما هي إلا آية من آيات هذا البيت المحرم، وبركة أفيضت علىّ من بركات هذا الحرم المعظم أسأل اللَّه أن يجعل ما تعبت فيه منه سببًا ينجيني، ونورًا لي على الصراط يسعى بين يدي وبيميني ونعم المسئول.

(١) . قوله «والفحص عن السرائر» لعله «الشرائد» أو «الشدائد» . (ع)
(٢) . «قوله ففرغ منه في مقدار خلافة أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه: وكان يقدر تمامه في أكثر من ثلاثين سنة» كانت مدة خلافة أبى بكر رضى اللَّه عنه سنتين وثلاثة أشهر على الصواب وكأنه لمح بذكر الثلاثين إلى حديث سفينة مرفوعا «الخلافة بعدي ثلاثون سنة» أخرجه الترمذي وغيره. فكأنه قال يقدر تمامه في مدة الخلفاء الراشدين فيسره اللَّه في قدر مدة أولهم وأفضلهم. وكانت أيضا أقصر كل من الثلاثة الذين بعده لأن خلافة عمر رضى اللَّه عنه كانت عشرا وأشهرا، وعثمان رضى اللَّه عنه اثنى عشرة سنة، وعلى رضى اللَّه عنه خمس سنين إلا أشهرًا. وقتل على رضى اللَّه عنه بعد النبي صلى عليه وسلم بتسع وعشرين سنة ونصف، وأكمل النصف مدة الحسن بن على رضى اللَّه عنه، واللَّه أعلم،؟؟؟ من تخريج الأحاديث للحافظ ابن حجر.

المقدمة / 4

الجزء الأول
سورة فاتحة الكتاب
مكية. وقيل مكية ومدنية لأنها نزلت بمكة مرة وبالمدينة أخرى. وتسمى أمّ القرآن لاشتمالها على المعاني التي في القرآن من الثناء على اللَّه تعالى بما هو أهله، ومن التعبد بالأمر والنهى، ومن الوعد والوعيد. وسورة الكنز والوافية لذلك. وسورة الحمد والمثاني لأنها تثنى في كل ركعة. وسورة الصلاة لأنها تكون فاضلة أو مجزئة بقراءتها فيها. وسورة الشفاء والشافية. وهي سبع آيات بالاتفاق، إلا أنّ منهم من عدّ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ دون التسمية، ومنهم من مذهبه على العكس.
[سورة الفاتحة (١): آية ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)
قرّاء المدينة والبصرة والشأم وفقهاؤها على أنّ التسمية ليست بآية من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وإنما كتبت للفصل والتبرك بالابتداء بها، كما بدأ بذكرها في كل أمر ذى بال، وهو مذهب أبى حنيفة ﵀ ومن تابعه، ولذلك لا يجهر بها عندهم في الصلاة. وقرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما على أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وعليه الشافعي وأصحابه ﵏، ولذلك يجهرون بها. وقالوا:
قد أثبتها السلف في المصحف مع توصيتهم بتجريد القرآن، ولذلك لم يثبتوا (آمين) فلولا أنها من القرآن لما أثبتوها. وعن ابن عباس: «من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب اللَّه تعالى» «١» .

(١) . موقوف، ليس بمعروف عنه، والذي في الشعب للبيهقي عنه: «من ترك بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب اللَّه» . وتعقب ابن الحاجب ما أورده الزمخشري بأن قال: «الصواب مائة وثلاث عشرة» وبهذا اللفظ ذكر الشهرزوري في المصباح. وزاد: وإنما لم يقل «أربع عشرة» لأن براءة لا بسملة فيها، انتهى. روى البيهقي في الشعب عن أحمد بن حنبل أنه قال: «من لم يقل مع كل سورة بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من كتاب اللَّه تعالى» . قلت: وقفت على سبب الغلط في منقول الزمخشري. وذلك أن الحاكم روى في ترجمة عبد اللَّه بن المبارك بسند له عن على القاشاني قال: «رأيت عبد اللَّه بن المبارك يرفع يديه في أول تكبيرة على الجنازة ثم الثانية أخفض قليلا والصلوات مثل ذلك» . قال على قال عبد اللَّه «من ترك بسم اللَّه الرحمن الرحيم في فواتح السور فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية» . قال عبد اللَّه: وأخبرنا حنظلة بن عبد اللَّه عن شهر بن حوشب عن ابن عباس رضى اللَّه عنه قال: «من ترك بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقد ترك آية من كتاب اللَّه تعالى» . فلما لم يخص ابن عباس سورة حمله ابن المبارك على الكل إلا براءة فكان مائة وثلاث عشرة.

1 / 1

فإن قلت: بم تعلقت الباء؟ قلت: بمحذوف تقديره: بسم اللَّه أقرأ أو أتلو «١» لأن الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنّ المسافر إذا حلّ أو ارتحل فقال: بسم اللَّه والبركات، كان المعنى:
بسم اللَّه أحل وبسم اللَّه أرتحل وكذلك الذابح وكل فاعل يبدأ في فعله ب «بسم اللَّه» كان مضمرا ما جعل التسمية مبدأ له. ونظيره في حذف متعلق الجارّ قوله ﷿: (فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ)، أى اذهب في تسع آيات. وكذلك قول العرب في الدعاء للمعرس: بالرفاء والبنين، وقول الأعرابى: باليمن والبركة، بمعنى أعرست، أو نكحت. ومنه قوله:
فقُلْتُ إلى الطَّعام فقَالَ مِنْهُمْ … فَرِيقٌ نحْسُدُ الإِنْسَ الطَّعامَا «٢»

(١) . قال محمود رحمه اللَّه تعالى: «الباء في البسملة تتعلق بمحذوف تقديره: بسم اللَّه أقرأ أو أتلو» قال أحمد:
رحمه اللَّه تعالى: الذي يقدره النحاة «أبتدئ» وهو المختار لوجوه: الأول: أن فعل الابتداء يصح تقديره في كل بسملة ابتدئ بها فعل ما من الأفعال خلاف فعل القراءة، والعام صحة تقديره أولى أن يقدر، ألا تراهم يقدرون متعلق الجار الواقع خبرًا أو صفة أو صلة أو حالا بالكون والاستقرار حيثما وقع ويؤثرونه لعموم صحة تقديره، والثاني: أن تقدير فعل الابتداء مستقل بالغرض من البسملة إذ الغرض منها أن تقع مبدأ فتقدير فعل الابتداء أوقع بالمحل، وأنت إذا قدرت «أقرأ» فإنما تعنى أبتدئ القراءة والواقع في أثناء التلاوة قراءة أيضا لكن البسملة غير مشروعة في غير الابتداء. ومنها طهور فعل الابتداء في قوله تعالى: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) . وقال ﵇: «كل أمر خطير ذى بال لا يبدأ فيه باسم اللَّه فهو أبتر» . ولا يعارض هذا ما ذكره من ظهور فعل القراءة في قوله تعالى:
(اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ) فان فعل القراءة إنما ظهر ثم لأن الأهم هو القراءة غير منظور إلى الابتداء بها. ألا ترى إلى تقدم الفعل فيها على متعلقه لأنه الأهم ولا كذلك في البسملة فان الفعل المقدر كائنا ما كان إنما يقدر بعدها، ولو قدر قبل الاسم لفات الغرض من قصد الابتداء إذًا على أنه الأهم في البسملة، فوجب تقديره، وسيأتى الكلام على هذه النكتة.
(٢) .
ونار قد حضأت بعيد وهن … بدار ما أريد بها مقاما
سوى ترحيل راحلة وعين … أكاليها مخافة أن تناما
أتوا ناري فقلت منون أنتم … فقالوا الجن قلت عموا ظلاما
فقلت إلى الطعام فقال منهم … زعيم نحسد الانس الطعاما
لقد فضلتم في الأكل فينا … ولكن ذاك يعقبكم سقاما
لسمير بن الحارث الضبي، وقيل لتأبط شرًا، وقيل لشمر الغساني، وقيل للفرزدق يصف نفسه بالجرأة واقتحام المخاوف، يقول: ورب نار قد حضأتها بالحاء المهملة: أشعلتها وسعرتها، وقيل هو خضأتها، بالمعجمة، ولا أعلمه وإن ذكره بعض النحاة في باب الحكاية، وبعيد: تصغير بعد، والوهن والموهن: بمعنى الفتور أو النوم أو هدوء الصوت، وقيل: نحو نصف الليل. أى أوقدتها في جوف الليل في مفازة لا أريد إقامة بها سوى تجهيز ما يلزم لراحلتى في السفر ولأجل عين أكاليها أى أساهرها أو أحافظها، فأنا أحفظها من النوم وهي تحفظني من العدو، والضمير في أتوا: لمبهم.
ومنون استفهام، وكان حقه: من أنتم، لأنه لا يأتى بصورة الجمع إلا في الوقف، والأصل في نونه الأخيرة السكون للوزن، على أن إجراء الوصل مجرى الوقف كثير في النظم كما صرحوا به وجعلوا هذا منه، وكأن هناك قول مقدر مثل «جئناك» فحكى إعراب ضمير الفاعل فيه حتى يظهر استشهاد يونس به في الحكاية. فقالوا: نحن الجن. وكان الظاهر:
فقلت عموا. ولكن أتى به مستأنفًا جواب سؤال مقدر تقديره: فماذا قلت لهم؟ فقال: قلت عموا، أى تنعموا في وقت الظلام، وعطف قوله «فقلت» بالفاء دلالة على التعقيب، وأما رواية «عموا صباحا» فمن قصيدة أخرى تعزى إلى خديج بن سنان الغساني ومنها:
نزلت بشعب وادى الجن لما … رأيت الليل قد نشر الجناحا
وشبه الليل بطائر، فأثبت له ما للطائر، أو شبه الظلمة بالجناح. وقوله «إلى الطعام» أى هلموا وأقبلوا إليه. دل المقام على ذلك، فقال زعيم منهم، أى سيد وشريف: نحن نحسد الانس في الطعام أو على الطعام، فهو نصب على نزع الخافض، ويجوز أنه بدل، ويجيء «حسد» متعديا لاثنين، والطعاما: مفعوله الثاني. وقال الجوهري: الأنس هنا بالتحريك: لغة في الانس، ويجوز قراءته «الانس» على اللغة المشهورة. لقد فضلتم عنا في الأكل حال كونكم فينا أى فيما بيننا، ولكن ذاك يلحقكم سقاما في العاقبة. وهذا كله من أكاذيب العرب.

1 / 2

فإن قلت: لم قدّرت المحذوف متأخرًا؟ «١» قلت: لأنّ الأهم من الفعل والمتعلق به هو المتعلق به لأنهم كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، فوجب أن يقصد الموحد معنى اختصاص اسم اللَّه ﷿ بالابتداء، وذلك بتقديمه وتأخير الفعل كما فعل في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ، حيث صرح بتقديم الاسم إرادة للاختصاص. والدليل عليه قوله:
(بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها) . فإن قلت: فقد قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ)، فقدّم الفعل. قلت:
هناك تقديم الفعل أوقع لأنها أوّل سورة نزلت فكان الأمر بالقراءة أهم.
فإن قلت: ما معنى تعلق اسم اللَّه بالقراءة؟ «٢» قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بها تعلق القلم بالكتبة في قولك: كتبت بالقلم، على معنى أنّ المؤمن لما اعتقد أنّ فعله لا يجيء معتدا به في الشرع واقعا على السنة حتى يصدر بذكر اسم اللَّه لقوله ﵊: «كل أمر ذى بال لم يبدأ فيه

(١) . قال محمود: «لم قدرت المحذوف متأخرًا.. الخ» قال أحمد ﵀: لأنك لو ابتدأت بالفعل في التقدير لما كان الاسم مبتدأ به فيفوت الغرض من التبرك باسم اللَّه تعالى أول نطقك. وأما إفادة التقديم الاختصاص ففيه نظر سيأتى إن شاء اللَّه تعالى.
(٢) . قال محمود: «فان قلت ما معنى تعلق اسم اللَّه تعالى بالقراءة … الخ»؟ قال أحمد ﵀: وفي قوله «إن اسم اللَّه هو الذي صير فعله معتبرًا شرعا» حيد عن الحق المعتقد لأهل السنة في قاعدتين: إحداهما أن الاسم هو المسمى، والأخرى أن فعل العبد موجود بقدرة اللَّه تعالى لا غير فعلى هذا تكون الاستعانة باسم اللَّه معناها اعتراف العبد في أول فعله بأنه جار على يديه، وهو محل له لا غير وأما وجود الفعل فيه فباللَّه تعالى أى بقدرته تسليما للَّه في أول كل فعل والزمخشري ﵀ لا يستطيع هذا التحقيق لاتباعه الهوى في مخالفة القاعدتين المذكورتين، فيعتقد أن اسم اللَّه تعالى الذي هو التسمية معتبر في شرعية الفعل لا في وجوده إذ وجوده على زعمه بقدرة العبد، فعلى ذلك بنى كلامه.
أقول: دعواه أن عند أهل السنة الاسم غير المسمى ممنوعة، وتحقيقه قد ذكر في غير هذا الكتاب. [.....]

1 / 3

باسم اللَّه فهو أبتر» «١» إلا كان فعلا كلا فعل، جعل فعله مفعولا باسم اللَّه كما يفعل الكتب بالقلم.
والثاني أن يتعلق بها تعلق الدهن بالإنبات «٢» في قوله: (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ) على معنى: متبرّكا بسم اللَّه أقرأ، وكذلك قول الداعي للمعرس: بالرفاء والبنين، معناه أعرست ملتبسا بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أعرب وأحسن فإن قلت: فكيف قال اللَّه ﵎ متبركا باسم اللَّه أقرأ؟ قلت:
هذا مقول على ألسنة العباد، كما يقول الرجل الشعر على لسان غيره، وكذلك:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ- إلى آخره، وكثير من القرآن على هذا المنهاج، ومعناه تعليم عباده كيف يتبركون باسمه، وكيف يحمدونه ويمجدونه ويعظمونه. فإن قلت: من حق حروف المعاني التي جاءت على حرف واحد أن تبنى على الفتحة التي هي أخت السكون، نحو كاف التشبيه ولام الابتداء وواو العطف وفائه وغير ذلك، فما بال لام الإضافة وبائها بنيتا على الكسر؟
قلت: أما اللام فللفصل بينها وبين لام الابتداء، وأما الباء فلكونها لازمة للحرفية والجر، والاسم أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة، لئلا يقع ابتداؤهم بالساكن إذا كان دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن، لسلامة لغتهم من كل لكنة وبشاعة، ولوضعها على غاية من الإحكام والرصانة، وإذا وقعت في الدرج لم تفتقر إلى زيادة شيء. ومنهم من لم يزدها واستغنى عنها بتحريك الساكن، فقال: سم وسم. قال:
بِاسْمِ الذِي في كلِّ سُورةٍ سِمُهْ»

(١) . لم أره هكذا. والمشهور فيه حديث أبى هريرة من رواية قرة عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى اللَّه عنه بلفظ «لا يبدأ فيه بحمد اللَّه أقطع» أخرجه أبو عوانة في صحيحه، وأصحاب السنن. ولأحمد من هذا الوجه «لا يفتتح بذكر اللَّه فهو أبتر أو أقطع» وللخطيب في الجامع من طريق مبشر بن إسماعيل عن الزهري بلفظ «لا يبدأ فيه ببسم اللَّه الرحمن الرحيم فهو أقطع» والراوي له عن مبشر- مجهول
(٢) . قوله «تعلق الدهن بالانبات» هذا يناسب قراءة «تنبت» من أنبت الرباعي: كما يأتى. (ع)
(٣) .
باسم الذي في كل سورة سمة … قد وردت على طريق تعلمه
أرسل فيها بازلا يقرمه … فهو بها ينحو طريقًا يعلمه
لرؤبة بن العجاج يصف إبلا. ولفظ «اسم» من الألفاظ العشرة التي سمع بناء أوائلها على السكون كابن وامرئ، فإذا ابتدءوا بها زادوا همزة الوصل ولا حاجة لها في الدرج، وسمع تحريك أول بعضها كما في سمه بتثليث أوله وباسم متعلق بأرسل وباؤه للملابسة. وضمير وردت للسورة. وضمير تعلمه بالفوقية للَّه على طريق الالتفات إلى الخطاب، ويمكن أنه لمخاطب مبهم، وعلى روايته بالتحتية فالضمير للَّه فقط. ويحتمل من بعد أن ضمير وردت للإبل فكذلك تعلمه بالفوقية، وأما بالتحتية فضميره للَّه أو للراعي. والبازل: الذي انشق نابه من الإبل وذلك في السنة التاسعة وربما يزل في الثامنة، وقرم الى اللحم ونحوه: اشتاق إليه. والتقريم والاقرام: التشويق إليه والجملة حال من الراعي المرسل أو صفة لبازل، وعليه فلم يبرز ضمير الفاعل لأمن اللبس. فهو أى البازل وينحو: أى يقصد بها، والباء للظرفية أو للتعدية إلى المفعول به كذهبت بزيد، ويجوز أن الضمير للراعي فالباء للتعدية فقط. وروى «نزلت» بدل «وردت» وهو يؤيد جعل الضمير للسورة، وروى البيت الثاني قبل الأول.
والمعنى أرسل فيها الراعي ملتبسًا بذكر اسم اللَّه بازلا حال كونه يشوقه إليها باعفائه من العمل وحبسه عن الإبل ثم إرساله فيها، فذلك البازل يقصد بها طريق يعرفه وهو طريق الضراب، وعلم ما لا يعقل مجاز عن اهتدائه إلى منافعه، على طريق الاستعارة التصريحية والمجاز المرسل، أو شبهه بالعاقل على طريق المكنية، فالعلم تخييل لذلك التشبيه. وكون اسمه تعالى في كل سورة ظاهر على القول بأن البسملة آية من كل سورة، وإلا ورد مثل سورة العصر. وربما يدفع إيطاء القافية باختلافها في الفاعل وفي معنى المفعول وفي الحقيقة والمجاز.

1 / 4

وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز: كيد ودم، وأصله: سمو، بدليل تصريفه: كأسماء، وسمى، وسميت. واشتقاقه من السمو، لأنّ التسمية تنويه بالمسمى وإشادة بذكره، ومنه قيل للقب النبز: من النبز بمعنى النبر، وهو رفع الصوت. والنبز قشر النخلة الأعلى. فإن قلت: فلم حذفت الألف في الخط وأثبتت في قوله: باسم ربك؟ قلت: قد اتبعوا في حذفها حكم الدرج دون الابتداء الذي عليه وضع الخط لكثرة الاستعمال، وقالوا: طولت الباء تعويضا من طرح الألف. وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال لكاتبه: طوّل الباء وأظهر السنات ودوّر الميم. و(الله) أصله الإله. قال:
مَعَاذَ الالهِ أَنْ تَكُونَ كظَبْيَةٍ «١»
ونظيره: الناس، أصله الأناس. قال:
إنَّ المَنايَا يَطَّلِعْ … نَ عَلَى الأُنَاسِ الآمِنِينَا «٢»
فحذفت الهمزة وعوّض منها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: يا اللَّه بالقطع، كما يقال:

(١) .
معاذ الاله أن تكون كظبية … ولا دمية ولا عقيلة ربرب
ولكنها زادت على الحسن كله … كمالا ومن طيب على كل طيب
للبعيث بن حريث في محبوبته أم السلسبيل، يقال: عاذ عياذًا وعياذة ومعاذًا وعوذًا، إذا التجأ إلى غيره، فالمعاذ مصدر نائب عن اللفظ بفعله، والدمية: الصنم والصورة من العاج ونحوه المنقوشة بالجواهر. وعقيلة كل شيء: أكرمه.
والربرب: القطيع من بقر الوحش: شبه محبوبته بالظبية وبالدمية وبالعقلية في نفسه، ثم وجدها أحسن منها فرجع عن ذلك والتجأ إلى اللَّه منه كأنه أثم أو المعنى لا أشبهها بذلك وإن وقع من الشعراء. وأتى بلا المؤكدة لما قبلها من معنى النفي أى ليست كظبية ولا دمية ولا عقيلة ربرب ولكنها زادت كمالا على الحسن المعروف كله، أو زادت على الحسن الحسى كمالا معنويا، وزادت من الطيب على كل طيب.
(٢) . شبه المنايا بأناس يبحثون عمن استحق الموت على طريق المكنية والاطلاع تخييل. والمعنى: أن المنايا تأتى الناس على حين غفلة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها. والأناس: اسم جمع لا واحد له من لفظه، مأخوذ من الإيناس وهو الأبصار لظهورها، أو من الأنس ضد الوحشة. والآمنون: الغافلون عن مجيء المنايا، فهو مجاز مرسل.

1 / 5

يا إله، والإله- من أسماء الأجناس كالرجل والفرس- اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، كما أن النجم اسم لكل كوكب ثم غلب على الثريا، وكذلك السنة على عام القحط، والبيت على الكعبة، والكتاب على كتاب سيبويه. وأما (الله) بحذف الهمزة فمختص بالمعبود بالحق، لم يطلق على غيره. ومن هذا الاسم اشتق: تأله، وأله، واستأله. كما قيل:
استنوق، واستحجر، في الاشتقاق من الناقة والحجر. فإن قلت: أاسم هو أم صفة؟ قلت:
بل اسم غير صفة، ألا تراك تصفه ولا تصف به، لا تقول: شيء إله، كما لا تقول: شيء رجل.
وتقول: إله واحد صمد، كما تقول: رجل كريم خير. وأيضا فإنّ صفاته تعالى لا بدّ لها من موصوف تجرى عليه، فلو جعلتها كلها صفات بقيت غير جارية على اسم موصوف بها وهذا محال. فإن قلت: هل لهذا الاسم اشتقاق؟ قلت: معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعدا معنى واحد، وصيغة هذا الاسم وصيغة قولهم: أله، إذا تحير، ومن أخواته: دله، وعله، ينتظمهما معنى التحير والدهشة، وذلك أنّ الأوهام تتحير في معرفة المعبود وتدهش الفطن، ولذلك كثر الضلال، وفشا الباطل، وقل النظر الصحيح. فإن قلت: هل تفخم لامه؟ قلت: نعم قد ذكر الزجاج أنّ تفخيمها سنة، وعلى ذلك العرب كلهم، وإطباقهم عليه دليل أنهم ورثوه كابرا عن كابر.
والرَّحْمنِ فعلان من رحم، كغضبان وسكران، من غضب وسكر، وكذلك الرحيم فعيل منه، كمريض وسقيم، من مرض وسقم، وفي الرَّحْمنِ من المبالغة ما ليس في الرَّحِيمِ، «١» ولذلك قالوا: رحمن الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا، ويقولون: إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعنى.
وقال الزجاج في الغضبان: هو الممتلئ غضبا. ومما طنّ على أذنى من ملح العرب أنهم يسمون مركبا من مراكبهم بالشقدف، وهو مركب خفيف ليس في ثقل محامل العراق، فقلت في طريق الطائف لرجل منهم: ما اسم هذا المحمل؟ أردت المحمل العراقي، فقال: أليس ذاك اسمه الشقدف؟
قلت: بلى، فقال: هذا اسمه الشقنداف، فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمى، وهو من الصفات الغالبة- كالدبران، والعيوق، والصعق- لم يستعمل في غير اللَّه ﷿، كما أنّ (الله) من الأسماء

(١) . قال محمود: «وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم … الخ» . قال أحمد ﵀: لا يتم الاستدلال بقصر البناء وطوله على نقصان المبالغة وتمامها، ألا ترى بعض صيغ المبالغة كفعل أحد الأمثلة أقصر من فاعل الذي لا مبالغة فيه البتة. وأما قولهم: رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا، فلا دلالة فيه أيضا على مبالغة رحمن بالنسبة إلى رحيم فان حاصله أن الرحمة منه بالدلالة على إتمامها ألا ترى أن ضاربا لما كان أعم من ضراب، كان ضراب أبلغ منه لخصوصه، فلا يلزم إذًا من خصوص رحيم أن يكون أقصر مبالغة من رحمن لعمومه.

1 / 6