جواهر حسان في تفسير القرآن
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
من آمن بالله وقبل شرعه ومدح الله تعالى القوم الذين أمرهم شورى بينهم لأن في ذلك اجتماع الكلمة والتحاب واتصال الايدي والتعاضد على الخير وفي الحديث ما تشاور قوم قط الا هدوا لأحسن ما بحضرتهم وقوله تعالى ومما رزقناهم يتفقون معناه في سبيل الله وبرسم الشرع وقال ابن زيد قوله تعالى والذين استجابوا لربهم الآية نزلت في الأنصار والظاهر أن الله تعالى مدح كل من انصف بهذه الصفة كائنا من كان وهل حصل الانصار في هذه الصفة الا بعد سبق المهاجرين اليها رضي الله عن جميعهم بمنه وقوله عز وجل والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون مدح سبحانه في هذه الآية قوما بالانتصار ممن بغى عليهم ورجح ذلك قوم من العلماء وقالوا الانتصار بالواجب تغيير منكر قال الثعلبي قال ابراهيم النخعي في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فاذا قدروا عفوا انتهى وقوله سبحانه وجزاء سيئة سيئة مثلها قيل سمى الجزاء باسم الابتداء وان لم يكن سيئة لتشابههما في الصورة قال ع وإن أخذنا السيئة هنا بمعنى المصيبة في حق البشر أي يسوء هذا هذا ويسوءه الآخر فلسنا نحتاج الى أن نقول سمة العقوبة باسم الذنب بل الفعل الأول والآخر سيئة قال الفخر اعلم أنه تعالى لما قال والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون أردفه بما يدل على أن ذلك الانتصار يجب أن يكون مقيدا بالمثل فان النقصان حيث والزيادة ظلم والمساواة هو العدل فلهذا السبب قال تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها انتهى ويدل على ذلك قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ونحوه من الآي واللام في قوله ولمن انتصر بعد ظلمه لام التقاء القسم وقوله من سبيل يريد من سبيل حرج ولا سبيل حكم وهذا ابلاغ في اباحة الانتصار والخلاف فيه هل هو بين المؤمن والمشرك أو بين المؤمنين وقوله تعالى انما السبيل على الذين يظلمون الناس الآية المعنى انما السبيل الحكم والاثم على الذين يظلمون الناس روى الترمذي عن كعب بن عجرة قال قال لي النبي صلى الله عليه وسلم أعيذك بالله يا كعب من أمراء يكونون فمن غشي ابوابهم فصدقهم في كذبهم وأعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ولا يرد علي الحوض يا كعب الصلاة برهان والصبر جنة حصينة والصدقة تطفيء الخطيئة كما يطفئ الماء النار يا كعب أنه لا يربو لحم نبت من سحت الا كانت النار أولى به قال أبو عيسى هذا حديث حسن وخرجه ايضا في كتاب الفتن وصححه انتهى وقوله تعالى انما السبيل الى قوله اليم اعتراض بين الكلامين ثم عاد في قوله ولمن صبر الى الكلام الأول كأنه قال ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ولمن صبر وغفر الآية واللام في قوله ولمن صبر يصح أن تكون لام قسم ويصح أن تكون لام الابتداء وعزم الأمور محكمها ومتقنها والحميد العاقبة منها فمن رأيى أن هذه الآية هي فيما بين المؤمنين والمشركين وأن الصبر للمشركين كان أفضل قال أن الآية نسخت بآية السيف ومن رأى أن الآية بين المؤمنين قال هي محكمة والصبر والغفران أفضل اجماعا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله أجر فليقم فيقوم عنق من الناس كبير فيقال ما أجركم فيقولون نحن الذين عفونا عمن ظلمنا في الدنيا وقوله تعالى ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده تحقير لأمر الكفرة أي فلا يبالي بهم أحد من المؤمنين لأنهم صائرون الى ما لا فلاح لهم معه ثم وصف تعالى لنبيه حالهم في القيامة عند رؤيتهم العذاب وقولهم هل الى مرد من سبيل ومرادهم الرد الىالدنيا والرؤية هنا رؤية عين والضمير في قوله عليها عائد على النار وان لم يتقدم لها ذكر من حيث دل عليها قوله رأوا العذاب وقوله من الذل يتعلق بخاشعين وقوله تعالى ينظرون من طرف خفي قال قتادة والسدي المعنى يسارقون النظر لما كانوا فيه هنا من الهم وسوء الحال لا يستطيعون النظر بجميع العين وانما ينظرون ببعضها قال الثعلبي قال يونس من بمعنى الباء أي ينظرون بطرف خفي أي ضعيف من أجل الذل والخوف ونحوه عن الأخفش انتهى وفي البخاري من طرف خفي أي ذليل وقوله تعالى وقال الذين آمنوا أن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القامة الآية وقول الذين آمنوا هو في يوم القيامة عند ما عاينوا حال الكفار وسوء منقلبهم وقوله تعالى الا ان الظالمين في عذاب مقيم يحتمل أن يكون من قول المؤمنين يومئذ حكاه الله عنهم ويحتمل أن يكون استئنافا من قول الله عز وجل واخباره لنبيه محمد عليه السلام وقوله تعالى وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله الآية انحاء على الأصنام والأوثان التي أظهر الكفار ولايتها واعتقدت ذلك دينا ثم أمر تعالى نبيه أن يأمرهم بالاستجابة لدعوة الله وشريعته من قبل اتيان يوم القيامة الذي لا يرد أحد بعده الى عمل قال ع في الآية الأخرى في سورة ألم غلبت الروم ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب اللفظ والنكير مصدر بمعنى الانكار قال الثعلبي مالكم من ملجأ أي معقل ومالكم من نكير أي من انكار على ما ينزل بكم من العذاب يغير ما بكم انتهى وقوله تعالى فإن أعرضوا الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم والانسان هنا اسم جنس وجمع الضمير في قوله تصبهم وهو عائد على لفظ الانسان من حيث هو اسم جنس وقوله تعالى لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء الآية هذه آية اعتبار دال على القدرة والملك المحيط بالجميع وأن مشيئته تعالى نافذة في جميع خلقه وفي كل أمرهم وهذا لا مدخل لصنم فيه فان الذي يخلق ما يشاء هو الله تبار وتعالى وهو الذي يقسم الخلق فيهب لمن يشاء اناثا ويهب لمن يشاء الأولاد الذكور أو يزوجهم أي ينوعهم ذكرانا واناثا وقال محمد بن الحنفية يريد بقوله تعالى أو يزوجهم التوأم أي يجعل في بطن زوجا من الذرية ذكرا وانثى والعقيم الذي لا يولد له وهذا كله مدبر بالعلم والقدرة وبدأ في هذه الآية بذكر الاناث تانيسا بهن ليتهم بصونهن والاحسان اليهن وقال النبي صلى الله عليه وسلم من ابتلى من هذه البنات بشيء فأحسن اليهن كن له حجابا من النار وقال واثلة بن الأسقع من يمن المرأة تبكيرها بالانثى قبل الذكر لأن الله تعالى بدأ بذكر الاناث حكاه عنه الثعلبي قال وقال اسحاق بن بشر نزلت هذه الآية في الانبياء ثم عمت فيهب لمن يشاء اناثا يعني لوطا عليه السلام ويهب لمن يشاء الذكور يعني ابراهيم عليه السلام أو يزوجهم ذكرانا واناثا يعني نبينا محمدا عليه السلام ويجعل من يشاء عقيما يعني يحيى بن زكريا عليهما السلام وقوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله الا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا الآية نزلت بسبب خوض كان للكفار في معنى تكليم الله موسى ونحو ذلك ذهب قريش واليهود في ذلك الى تجسيم ونحوه فنزلت الآية مبينة صورة تكليم الله عباده كيف هو فبين الله تعالى أنه لا يكون لأحد من الأنبياء ولا ينبغي له ولا يمكن فيه أن يكلمه الله الا بأن يوحي اليه أحد وجوه الوحي من الالهام قال مجاهد أو النفث في القلب أو وحي في منام قال النخعي وكان من الأنبياء من يخط له في الأرض ونحو هذا أو بأن يسمعه كلامه دون أن يعرف هو للمتكلم جهة ولا حيزا كموسى عليه السلام وهذا معنى من وراء حجاب أي من خفاء عن المكلم لا يحده ولا يتسور بذهنه عليه وليس كالحجاب في الشاهد أو بأن يرسل اليه ملكا يشافهه بوحي الله عز وجل قال الفخر قوله فيوحي باذنه ما يشاء أي فيوحي ذلك الملك باذن الله ما يشاء الله انتهى وقرأ جمهور القراء والناس أو يرسل بالنصب فيوحي بالنصب أيضا وقرأ نافع وابن عامر وابن عباس واهل المدينة أو يرسل بالرفع فيوحي بسكون الياء وقوله أو من وراء حجاب من متعلقة بفعل يدل ظاهر الكلام عليه تقديره أو يكلمه من وراء حجاب وفي هذه الآية دليل على أن الرسالة من أنواع التكليم وأن من حلف لا يكلم فلانا وهو لم ينو المشافهة ثم أرسل رسولا حنث وقوله تعالى وكذلك أوحينا اليك روحا من أمرنا الآية المعنى وبهذه الطرق ومن هذا الجنس أوحينا اليك أي بالرسول والروح في هذه الآية القرآن وهدي الشريعة سماه روحا من حيث يحي به البشر والعالم كما يحي الجسد بالروح فهذا على جهة التشبيه وقوله تعالى من أمرنا أي واحد من أمورنا ويحتمل أن يكون الأمر بمعنى الكلام ومن لابتداء الغاية وقوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان توقيف على مقدار النعمة والضمير في جعلناه عائد على الكتاب ونهدي بمعنى نرشد وقرأ جمهور الناس وانك لتهدي بفتح التاء وكسر الدال وقرأ حوشب لتهدي بضم التاء وفتح الدال وقرأ عاصم لتهدي بضم التاء وكسر الدال وقوله صراط الله يعني صراط شرع الله ثم استفتح سبحانه القول في الاخبار بصيرورة الأمور اليه سبحانه مبالغة وتحقيقا وتثبيتا فقال الا الى الله تصير الأمور قال الشيخ العارف بالله أبو الحسن الشاذلي رحمه الله إن اردت أن تغلب الشر كله وتلحق الخير كله ولا يسبقك سابق وإن عمل فقل يا من له الخير كله أسألك الخير كله واعوذ بك من الشر كله فانك أنت الله الغني الغفور الرحيم أسألك بالهادي محمد صلى الله عليه وسلم الى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض الا الى الله تصير الأمور مغفرة تشرح بها صدري وتضع بها وزرى وترفع بها ذكرى وتيسر بها أمري وتنزه بها فكري وتقدس بها سري وتكشف بها ضري وترفع بها قدري انك على كل شيء قدير اه ت قوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب هذا بين وقوله ولا الايمان فيه تأويلات قيل معناه ولا شرائع الايمان ومعالمه قال ابو العالية يعني الدعوة الى الايمان وقال الحسين
صفحہ 118