التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية
التربية الإسلامية أصولها وتطورها في البلاد العربية
ناشر
عالم الكتب
ایڈیشن
طبعة مزيدة ومنقحة ١٤٢٥هـ/ ٢٠٠٥م
اصناف
•Family and Education
علاقے
قطر
مقدمات
نبذة تفصيلية عن المؤلف
...
نبذة تفصيلية عن المؤلف:
الاسم بالكامل: محمد منير مرسي البري، وشهرته منير مرسي.
ولد في ٢١/ ٩/ ١٩٣٣ ببركة السبع، محافظة المنوفية.
كان والد ﵀ من رجال التربية والتعليم.
حصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة العياط الابتدائية بمحافظة الجيزة عام ١٩٤٧، وعلى شهادة التوجيهية من مدرسة الإبراهيمية الثانوية بجاردن سيتي بالقاهرة عام ١٩٥٢، وعلى ليسانس كلية دار العلوم - جامعة القاهرة ١٩٥٢.
وعلى الدبلوم العامة في التربية ١٩٥٧ والدبلوم الخاص في التربية ١٩٥٨ ودرجة الماجستير في التربية ١٩٦١ من كلية التربية - جامعة عين شمس. وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية ".PH. D" من جامعة لندن - إنجلترا عام ١٩٦٩.
عمل مدرسا بمدرسة النقراشي النموذجية الإعدادية في بداية حياته المهنية، ثم عمل بإدراة تعليم الكبار وإدارة البحوث الفنية بوزارة التربية والتعليم.
أعير للعمل أستاذا للغة العربية بجامعة تاجيكستان بالاتحاد السوفيتي سابقا في الفترة من ١٩٦٠-١٩٦٢. وبعد عودته كتب كثيرا من المقالات عن الثقافة العربية وعن تجربته العلمية والدراسات العربية في مجلة "المجلة" ومجلة "الرسالة" ومجلة "الثقافة". وكان لتشجيع الكاتب الكبير يحيى حقي أثر كبير في ذلك. وترجم وقتها إلى العربية بعض الكتب القيمة بالروسية عن الأدب والشعر والثقافة العربية منها: "مع المخطوطات العربية" لكراتشكوفسكي" و"الشعر العربي في الأندلس" له أيضا، وأراجيز الملاح العربي لفاسكودي جاما أحمد بن ماجد، وهي أطروحة علمية لشوموفسكي، والرسالة الثانية لأبي دلف من تأليف أنس خالدوف.
حصل عام ١٩٦٥ على بعثة حكومية لكلية التربية جامعة عين شمس لدراسة الدكتوراه بجامعة لندن بإنجلترا. وحصل على درجة دكتوراه الفلسفة في التربية تخصص تربية مقارنة منها عام ١٩٦٩. وكان أستاذه المشرف عليه هو عالم التربية المقارنة المعروف "جوزيف لاواريز". كما تعلم وقتها أيضا من نجوم مرموقين يعتبرون الآن روادا يشار إليهم بالبنان في الميدان من أمثال "نيقولا هانز" و"برايان هولمز"
1 / 1
و"إدموندكنج"، والمؤرخ العربي المشهور عبد اللطيف الطيباوي ﵀، والذي حصل على أرفع الدرجات العلمية من جامعة لندن "D.Lit" وصاحب المؤلفات العربية والإنجليزية القيمة في تاريخ العرب والإسلام. ومن أحدث كتبه باللغة الإنجليزية كتابه عن التربية الإسلامية بين التقليد والمعاصرة. وبلغ من ثقته العلمية في شخصية صاحب النبذة أن طلب منه قراءة أصول الكتاب قبل طباعته. ولم ينس أن يشكره على ذلك في مقدمة الكتاب بعد صدوره باللغة الإنجليزية.
بعد عودته إلى مصر عام ١٩٦٩ التحق بالعمل مدرسا بقسم أصول التربية بكلية التربية جامعة عين شمس. ثم لم يلبث أن انتقل إلى قسم التربية المقارنة والإدارة التعليمية بنفس الكلية. ثم رقي إلى أستاذ مساعد بنفس القسم عام ١٩٧٤ ثم إلى أستاذ بنفس القسم عام ١٩٧٩ بناء على قرار اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة بجلستها بتاريخ ٢٧/ ٩/ ١٩٧٩. ثم عين أستاذا بجامعة قطر بقرار مجلس الجامعة بتاريخ ٢٦/ ١٢/ ١٩٧٩.
عند عودته من البعثة الدراسية أحس بحاجة ميدان التربية بصفة عامة وميدان التربية المقارنة والإدراة التعليمية بصفة خاصة إلى المصادر العربية الحديثة التي يستعين بها في تدريس مقرراته للطلاب. وبدأ بالتدريج في توفير هذه المصادر عن طريق الترجمة من الإنجليزية مبتدئا بترجمة جزء من رسالته للدكتوراه صدر بعنوان إدارة وتنظيم التعليم العام. وفي نفس الوقت اتجه إلى ترجمة مجموعة حديثة مختارة من الكتب الإنجليزية بالتعاون أحيانا مع بعض زملائه. منها كتاب المدرسة الشاملة "لروبين بيدلي" ومدارس بلا فشل "لجلاسر" والتعليم والتنمية القومية من تحرير آدامز" وانثروبولوجيا التربية "وفلسفة التربية" لجورج نيللر" والتاريخ الاجتماعي للتربية لروبرت لك. واتجه أيضا إلى التأليف فألف وقتها كتاب "الإدارة التعليمية أصولها وتطبيقاتها "و"التعليم العام في البلاد العربية" و"الإدارة المدرسية الحديثة".
أعير للعمل بجامعة قطر ابتداء مع العام الجامعي ٧٥/ ١٩٧٦. وعمل بها أستاذا مساعدا ثم أستاذا طيلة فترة عمله بها حتى عام ١٩٩٠.
كان المدير المؤسس لمركز البحوث التربوية بجامعة قطر منذ تأسيسه عام ١٩٨٠ حتى انتهاء عمله بجامعة قطر في أكتوبر ١٩٩٠.
1 / 2
ألف خلال حياته العلمية والمهنية كثيرا من الكتب، وقام بكثير من الدراسات والبحوث. ونشر كثيرا من المقالات باللغة العربية والإنجليزية مما يتضح من قائمة المؤلفات في نهاية الكتاب.
أشرف على عدة رسالات علمية لدرجة الماجستير والدكتوراه، كما اشترك في مناقشة كثير من الرسائل العلمية.
قام بتحكيم كثير من الدراسات والبحوث والأعمال العلمية والأكاديمية في ميدان التخصص منها أعمال علمية للترقية إلى وظائف أعلى لهيئة التدريس "أستاذ مساعد، أستاذ" في عدة دول عربية منها الأردن والعراق والسعودية واليمن والكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة.
شارك في أعمال استشارية ومهمات علمية تطويرية تجديدية وتدريبية كثيرة في مختلف الدول العريبة منها اليمن وليبيا والسعودية والبحرين والكويت ودولة الإمارات وقطر وماليزيا.
اشترك في كثير من المؤتمرات التربوية الدولية في كثير من بقاع العالم منها أمريكا وإنجلترا وفرنسا والفلبين والمكسيك وماليزيا، وشارك في أعمال هذه المؤتمرات بالجهود العلمية كتابة وتحدثا. وله صلات علمية بالجامعات البريطانية والأمريكية.
حاضر في كثير من الجامعات الأجنبية والمصرية منها جامعات الاتحاد السوفيتي سابقا وبريطانيا وجامعات والإسكندرية وطنطا والزقازيق والمنصورة والأزهر وكلية التربية وكليات البنات بجامعة عين شمس وكلية التربية بجامعة قطر.
قام بزيارة بلاد أخرى كثيرة منها تركيا وباكستان والهند وهونج كونج وماليزيا وتايلاند ودول بحر البلطيق وإيطاليا وهولندا وألمانيا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا وأمريكا والمكسيك والفلبين.
اسمه مدرج في الموسوعة القومية للشخصيات المصرية الهامة التي أصدرتها مصلحة الاستعلامات في مصر عام ١٩٢٢. وهي تتضمن معلومات وبيانات تفصيلية أخرى عنه.
1 / 3
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
على الرغم من الأهمية الحيوية لموضوع التربية الإسلامية فإن المكتبة العربية تعاني من فقر شديد في الكتابات الحديثة عن هذا الموضوع. وما زالت الحاجة ماسة لكتابات أصيلة عن التربية الإسلامية تسبر أغوارها. وتكشف جوانبها لتعمق فهمنا لما ينبغي أن يكون عليه طريقنا في تنشئة الأجيال الصاعدة تنشئة صحيحة.
وهذا الكتاب يتناول التربية الإسلامية من حيث أصولها ومبادئها واتجاهاتها وتطورها في البلاد العربية عبر تاريخها الطويل منذ ظهور الإسلام حتى العصور الحديثة. والكتاب خطوة متواضعة، بيد أنه يسد حاجة قائمة. وهو يهم بالدرجة الأولى كل المشتغلين بالتربية والمعنيين بشئونها بصفة خاصة. والتربية الإسلامية خاصة، ويهم كل المربين والمعلمين والآباء والأمهات.
والكتاب أيضا يهم كل مسلم لأنه بحكم إسلامه راعٍ وهو مسئول عن رعيته. ومن هذا فإن هذا الكتاب يمثل اهتمامًا مشتركًا لكثير من أبناء أمتنا الإسلامية.
وقد صدرت أول طبعة من هذا الكتاب عام ١٩٧٧. وهو يخرج في هذه الطبعة الجديدة في صورة مزيدة ومنقحة. فقد أضفنا جزءا عن الماوردي وابن مسكويه وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب وآرائهم التربوية. ونقحنا وأضفنا وعدلنا أجزاء متفرقة من الكتاب حتى يخرج في صورة أفضل للمهتمين بموضوعه. وشعاري الذي أتمسك به دائما هو قوله تعالى ﷿: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .
القاهرة، ٢١ سبتمبر ١٩٩٩
أ. د. محمد منير مرسي
1 / 4
الفهرس:
نبذة تفصيلية عن المؤلف ١
مقدمة ٤
تمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية ٧
الفصل الأول: التربية الإسلامية: مدخل أولي ١٧
الفصل الثاني: أهداف التربية الإسلامية وأسسها وأساليبها ٤٨
الفصل الثالث: فلسفة التربية الإسلامية: ٩٩
أولا: الإسلام والكون: مدخل أنطولوجي ٩٩
ثانيا: المعرفة في الإسلام: مدخل إبستمولوجي ١٢١
ثالثا: الأخلاق في الإسلام: مدخل إكسيولوجي ١٣٨
الفصل الرابع: تربية الطفل في الإسلام ١٩٥
الفصل الخامس: تعليم المرأة في الإسلام ٢٢٧
الفصل السادس: المعلم في التربية الإسلامية ٢٤٢
الفصل السابع: تطور التربية الإسلامية وأهم سماتها في العصور الوسطى ٢٥٥
الفصل الثامن: مراكز التعليم الإسلامي ٢٨٣
الفصل التاسع: أعلام التربية الإسلامية في العصر الوسيط. ٣٠٧
١- ابن سحنون وآراؤه التربوية. ٣٠٧
٢- القابسي وآراؤه التربوية. ٣١٣
٣- ابن مسكويه وآراؤه التربوية. ٣١٩
٤- الماوردي وآراؤه التربوية. ٣٣٨
٥- الغزالي وآراؤه التربوية. ٣٦٠
1 / 5
٦- ابن تيمية وآراؤه التربوية. ٣٧٥
٧- ابن خلدون وآراؤه التربوية. ٣٩٦
الفصل العاشر: التربية في الشرق العربي الإسلامي في العصور الحديثة ٤٠٩
الفصل الحادي عشر: أعلام النهضة التربوية في العصر الحديث: ٤٢٨
١- محمد بن عبد الوهاب وآراؤه التربوية. ٤٢٨
٢- رفاعة الطهطاوي وآراؤه التربوية. ٤٣٣
٣- علي مبارك وآراؤه التربوية. ٤٤٨
الفصل الثاني عشر: الاتجاهات التربوية في العصر الحديث ٤٥٦
١- اقتباس النظم التعليمية. ٤٥٦
٢- ظهور حركة التربية الحديثة. ٤٥٧
٣- استقدام الخبراء الأجانب. ٣٦٠
٤- الاهتمام بإعداد المعلمين. ٤٦٢
٥- إنشاء الجامعات الحديثة. ٤٦٣
٦- ظهور الاتجاهات التعليمية المتميزة. ٤٦٣
٧- تطوير الأزهر. ٤٦٧
المراجع. ٤٧١
كتب أخرى للمؤلف ٤٨٢
1 / 6
تمهيد: مشكلات منهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية
قد يعجب دارس تاريخ التربية من إغفال مراجع التربية المؤلفة في الغرب لموضوع التربية الإسلامية على الرغم من أن التربية الإسلامية قد عاشت أزهى فتراتها في وقت خيم فيه ظلام العصور الوسطى على الغرب. وإذا كانت هذه الفترة من الظلام قد ميزت القرون الخمسة الأولى من العصور الوسطى في الغرب فإن شمس الحضارة كانت تشرق عالية في الشرق. بل إن النهضة الأوربية التي بدأت في النصف الثاني من القرون الوسطى قد اعتمدت في غذائها الثقافي والفكري على نتاج الثقافة العربية والإسلامية إبان عصرها الذهبي.
ولعل العذر في هذا الإغفال من جانب المؤلفين الغربيين يرجع إلى عدم اهتمامهم بالموضوع رغم أهميته أو لجهلهم به أو ربما لتحيزهم وتعصبهم في بعض الأحيان. ويذكر كاتب هذه السطور أنه عندما قام مع زميلين له بترجمة كتاب التاريخ الاجتماعي للتربية لمؤلفه روبرت بك من الإنجليزية إلى العربية؛ تم الاتصال بالمؤلف الأمريكي لاستئذانه في الترجمة العربية مع طلب مقدمة منه لهذه الترجمة. وفي رده عبر عن إحساسه بهذا النقص من الكتاب وعلل ذلك بعدم معرفته بهذا الجانب الهام من التربية في الشرق. وقد نشرت الترجمة ولم تنشر معها المقدمة لأنها وردت متأخرة.
وقد تكون دهشة دارس تاريخ التربية أشد عندما يرى أن المؤلفات العربية تعالج موضوعات التربية الإسلامية عند الكلام عن التربية في العصور الوسطى وكأن دراسة الموضوع تقف عند هذه الفترة الزمنية.
صحيح أن التربية الإسلامية -كما قلنا- عاشت أزهى عصورها في هذه الفترة التي أعقبها فترة تدهور وانحطاط. لكن هذا لا يقلل من دراسة التربية الإسلامية خلال تلك الفترة لمتابعة تطورها ونمو اتجاهاتها حتى نأتي إلى العصور الحديثة لتكتمل الصورة.
1 / 7
وللأسف الشديد أن الفجوة في تتبع دراسة تطور التربية الإسلامية حتى العصورة الحديثة ما زالت قائمة، ولا توجد حتى الآن محاولة جادة في هذا الاتجاه. وليس من قبيل التواضع القول بأن ما يقدمه المؤلف في هذا الكتاب ليس إلا خطوة على الطريق أو هي جهد المقل إن صح هذا التعبير.
وعلى الرغم من وجود محاولات متزايدة للكتابة عن التربية الإسلامية في السنوات الأخيرة، فإن هذه المحاولات تقصر في الأغلب والأعم عن إشباع حاجات وتطلعات المهتمين بهذا النوع من الدراسات. وتبقى الكتابة عن التربية الإسلامية كالصخرة التي تتحدى ناطحها. وقد أردنا من هذه السطور أن نعرض لأهم المشكلات والصعوبات التي تكتنف الكتابة عن هذا الموضوع الحيوي الهام. ونحب أن نوضح منذ البداية أن ما نعنيه بالتربية الإسلامية هنا هو ليس مفهومها العام وإنما مفهومها الاصطلاحي الذي يخص المربين وأساتذة التربية والذي يتصل بالمفاهيم والأسس والمبادئ التي تحكم النظرية التربوية في الإسلام بأبعادها المختلفة. وسنحاول في السطور التالية أن نعرض لأهم هذه المشكلات المنهجية في الكتابة عن التربية الإسلامية.
أولا: أن الكتابة عن التربية الإسلامية تحتم على الباحث أو الكاتب الخوض في التراث، وهي عملية ليست سهلة وتكتنفها صعوبات كثيرة سنشير إلى بعضها فيما بعد. لكن مما يتصل بكلامنا هنا من هذه الصعوبات ما يتعلق بتناثر الكتابات عن التربية الإسلامية في التراث بصورة تحول دون الإلمام بشتاتها، وتحتاج هذه الكتابات إلى محاولات منسقة لحصرها وتصنيفها وتبويبها بحيث تقدم في صورة متكاملة يمكن للمربين والمشتغلين بالعلوم التربوية أن يستفيدوا منها. ومع أن هناك بعض الدراسات والمحاولات الجادة التي عملت في هذا السبيل فإنها تعتبر محاولات مرحلية لعبت دورها في تمهيد الطريق لدراسات أخرى تالية تستفيد منها وتضيف إليها.
إن إحدى الملاحظات التي يمكن أن تؤخذ على هذه الدراسات هو منهجها في البحث والتحليل الذي قد يفتقر أحيانا إلى النظرة الشمولية والاستقصائية والربط والتفسير والوصول إلى الاتجاهات أو المبادئ العامة. مثلا إحدى هذه
1 / 8
الدراسات عن التربية الإسلامية استعرضت آراء مختلفة عن أغراض أو أهداف التربية الإسلامية ووصلت بعد هذا الاستعراض إلى أن الصواب في نظر صاحب الدراسة هو ذكر صاحب المذهب ثم ذكر الغرض من التعليم الذي يلائم هذا المذهب. فهل هذا الاستنتاج صحيح؟ وهل هذا هو نوع الاستنتاج العام الذي نريد الوصول إليه؟
ثانيا: أن الكتابة عن التربية الإسلامية في معظمها تأخذ المنظور التاريخي الجزئي. بمعنى أنها تنظر إلى التربية الإسلامية على أنها فترة تاريخية معينة وعادة ما تكون هذه الفترة هي فترة العصور الوسطى التي تشمل فترة مجد الإسلام وازدهاره وبرز فيها علماء كثيرون كتبوا عن التربية والتعليم. ولذلك تهتم هذه الكتابات عادة بعرض الآراء. ومن الطبيعي أن يأتي عرض هذه الآراء حسبما اتفق دون نظام فكري معين. وغالبا ما تتكرر الآراء دون تمييز للسابق على اللاحق. وكثيرا ما يصعب على القارئ أن يخرج بصورة متكاملة مترابطة. كما يصعب على القارئ أن يربط بين ما قرأه وبين الوضع الراهن للتربية والتعليم بحيث يمكن أن يستفيد منه كمعلم أو كمربٍّ أو كمتخصص في علوم التربية.
ثالثا: أن الكتابة في التربية الإسلامية قد يغلب عليها الأسلوب الإنشائي أو الخطابي أو أسلوب الوعظ والإرشاد. وهو أسلوب وإن كان له استخداماته فإنه لا يصلح للمعالجة الموضوعية والدراسة العلمية للتربية الإسلامية بمفهومها المهني الذي يفهمه المربون وأساتذة التربية وليس بمعناها العام كما أسلفنا ويتصل بذلك الخلط الذي يحدث كثيرا بين مفهوم التربية ومفهوم التعليم.
فالتربية أعم من التعليم، وصلة التعليم بالتربية هي صلة الخاص بالعام. وهذا يعني أن التربية كعملية ليست مسئولية المدرسة وحدها وإنما تشترك معها كل القوى الأخرى المربية في المجتمع. كما أن المدرسة وإن كان معظم وظائفها تعليمية فإن لها أيضا وظيفة تربوية. وبالمثل يمكن الكلام عن المعلم فهو معلم بالمعنى الخاص ومربٍّ أيضا بالمعنى العام. فالمعلم في علاقته بالتلميذ لا يمكن أن
1 / 9
يقتصر تأثيره على المادة العلمية أو التخصصية التي يدرسها وإنما يتعدى تأثيره إلى ما هو أبعد من ذلك من حيث القيم أو المثل أو السلوك وغيرها من المجالات التي يؤثر فيها المعلم على التلميذ. وعلى هذا ونظرا لهذا التداخل بين مفهومي التربية والتعليم نجد على سبيل المثال أن بعض المشتغلين بالتربية الإسلامية قد يرفض على غير حق اعتبار أسلوب الوعظ والإرشاد كأحد أساليب التربية الإسلامية. وينظر إلى أن أساليب التربية الإسلامية إنما تقتصر على الإلقاء أو الحفظ أو التلقين أو التسميع أو المحاورة أو الإملاء وغيرها من الأساليب التي تكون ألصق ما يكون بمفهوم التعليم.
رابعا: أن الكتابة في التربية الإسلامية قد تصطدم بمشكلة وضوح الرؤية في تتبع مسار الأصالة والتجديد للفكر الإسلامي عبر العصور المختلفة. فمن المعروف أن الفكر الإسلامي وإن كان يرجع في أصوله المتفق عليها إلى أصول واحدة هي القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. فإنه تعرض لتأثير عناصر فكرية غريبة عنه حتى منذ العصور الأولى للإسلام.
فبعض المسلمين دخلوا الإسلام ليهدموه ويروجوا البدع فيه وهم في حمايته وتحت رايته. وقصة عبد الله بن سبأ مع علي بن أبي طالب معروفة. فعبد الله بن سبأ يهودي أسلم ورأى مرة سيدنا عليا يرفع بيده ثقلا كبيرا يصعب على إنسان واحد أن يرفعه ولعله غطاء بئر على ما أذكر. فقال له عبد الله بن سبأ: والله ما رفعته بقوة جسمانية، وإنما بقوة ملكوتية، مرددا بذلك نظرية الفيض الإلهي عند المجوس، التي هي غريبة على روح الإسلام، وعندها نجد أن الإمام عليًّا يدرك المغزى وينكر على ابن سبأ هذا القول ويهدده بقوله: والله لو عدت إلى هذا القول لرجمتك. وهذا مجرد مثال واحد أردنا أن نورده للتدليل على دخول أفكار غريبة في الإسلام على يد أناس أسلموا ليكونوا معاول هدم الإسلام. وكم في الإسلام أناس من أمثال عبد الله بن سبأ. وقد ورد عن النبي ﷺ قوله: "تتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة الناجية منها واحدة والباقون هلكى" قيل: ومن الناجية؟، قال: "أهل السنة والجماعة". قيل: وما السنة والجماعة؟ قال: "ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
1 / 10