Islamic Criminal Legislation Compared to Secular Law
التشريع الجنائي الإسلامي مقارنا بالقانون الوضعي
ناشر
دار الكاتب العربي
پبلشر کا مقام
بيروت
ـ[التشريع الجنائي الإسلامي مقارنًا بالقانون الوضعي]ـ
المؤلف: عبد القادر عودة
الناشر: دار الكاتب العربي، بيروت
عدد الأجزاء: ٢
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
نامعلوم صفحہ
[مقدمة المؤلف]
الحمد الله الذي علم الإنسان بعد جهل، وهداه بعد ضلال، وفقهه بعد غفلة، والصلاة والسلام على محمد رسول الله الذي أرسله ربه للناس كافة بشيرًا ونذيرًا وهاديًا ومعلمًا؛ ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيَّ عن بيّنة.
وبعد؛ فهذه دراسات في التشريع الجنائي الإسلامي مقارنة بالقوانين الوضعية، وفقني الله فيها إلى إظهار محاسن الشريعة، وتفوقها على القوانين الوضعية، وسبقها إلى تقرير كل المبادئ الإنسانية، والنظريات العلمية والاجتماعية التي لم يعرفها العالم ولم يهتد إليها العلماء إلا أخيرًا.
وسيرى القارئ مصداق هذا القول بين دفتي هذا الكتاب، وأرجو أن لا ينتهي من قراءته إلا وقد أصبح يعتقد بما أعتقده، وهو أن الشريعة الإسلامية هي شريعة كل زمان ومكان.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي* وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي* وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي* يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٥ - ٢٨] .
* * *
1 / 3
تقديم وتوجيه
١ - موضوع البحث: هذه دراسات في التشريع الجنائي الإسلامي مقارنة بالقوانين الوضعية وعلى الأخص القانون المصري، تقوم على بحث المبادئ والنظريات العامة في الشريعة والقوانين، وبيان وجوه الخلاف والوفاق بينهما. وقد بدأت فيها بمقارنة أحكام القسم الجنائي، وأرجو أن يعينني الله حتى أتمه، وأن يوفقني بعد إتمامه إلى مقارنة أحكام القسم المدني.
٢ - محتويات الجزء الأول: وقد خصصت هذا الجزء لمباحث القسم الجنائي العام، وسيكون الجزء الثاني شاملًا للقسم الجنائي الخاص.
٣ - مدى المقارنة بين الشريعة والقانون الوضعي: وسيرى القارئ أني حرصت أشد الحرص على أن تكون المقارنة شاملة لكل المبادئ والنظريات في كل موضوع جل أو هان، وقد أردت من هذا أن يكون القارئ على علم بأحكام الشريعة في كل صغيرة وكبيرة ومدى اتفاقها أو اختلافها مع أحكام القوانين الوضعية، كما أردت أن أقطع الطريق على من في قلوبهم مرض فلا يقولون لماذا خاض في هذا الموضوع وترك ذاك. وحين أقارن بين الشريعة والقوانين الوضعية، لن أتتبع القانون في أطواره الأولى بالمقارنة والموازنة، ولن أقارن بين القانون في القرن السابع الميلادي وبين الشريعة التي أنزلت على محمد ﷺ في أول هذا القرن؛ فإن القانون في هذه العهود لم يكن في مستوى يسمح له أن يقارن بالشريعة الإسلامية، ولكني أقارن حين أقارن بين القانون في عصرنا الحاضر وبين الشريعة، وحين أفعل هذا إنما أقارن بين قانون متغير متطور يسير حثيثًا نحو الكمال حتى يكاد يبلغه كما يقال، وبين شريعة نزلت من ثلاثة عشر قرنًا لم تتغير ولم تتبدل فيما مضى ولن تتغير أو تتبدل في المستقبل، شريعة تأبى طبيعتها التغيير والتبديل؛ لأنها من
1 / 4
عند الله، ولا تبديل لكلمات الله، ولا لأىًّ من صنع الله الذي أتقن كل شئ خلقه، فليس ما يخلقه في حاجة إلى إتقان من بعد خلقه. فنحن إذن حين نقارن إنما نقارن بين أحدث الآراء والنظريات في القانون، وبين أقدمها في الشريعة، أو نحن نقارن بين الحديث القابل للتغيير والتبديل، وبين القديم المستعصي على التغيير والتبديل، وسنرى ونلمس من هذه المقارنة أن القديم الثابت خير من الحديث المتغير، وأن الشريعة على قدمها أجل من أن تقارن بالقوانين الوضعية الحديثة، وأن القوانين الوضعية بالرغم مما انطوت عليه من الآراء واستحدث لها من المبادئ والنظريات لا تزال في مستوى أدنى من مستوى الشريعة.
وليعجب من شاء كما يشاء من هذا القول، فإن الحق في هذه الأيام أصبح غير مألوف بحيث يعجب منه أكثر الناس، ولكن العجب لن يستبد بمن كان له عقل يفكر، ويقدر، ويقارن، ويوازن، ويميز الخبيث من الطيب.
إن الحديث قد يكون خيرًا من القديم إذا قورن ما صنعه الناس قديمًا بما يصنعه الناس اليوم، ولكن الحديث لن يتهيأ له أن يصل إلى مستوى القديم إذا قورن ما يصنعه الناس بما صنعه رب الناس.
لقد صنع الله موسى وعيسى ومحمدًا وأوحى إليهم بالتوراة والإنجيل والقرآن. فهل جاء قبلهم أو بعدهم من غير الرسل من يصح أن يوضع معهم موضع المقارنة؟ وهل استطاع البشر أن يأتوا بمثل ما أتوا به؟ ولقد صنع الله السماء والأرض، وسخر لنا الشمس والقمر، وخلقنا معشر البشر، فهل يحسن البشر أن يصنعوا مثل هذا؟ أنهم لا يحسنون أن يصنعوه، بل إن أكثرهم لا يحسنون أن يفقهوه.
وإذا استساغت عقول البشر أن تضع ما يصنعه مخلوق في مستوى ما صنعه مخلوق آخر؛ فإن هذه العقول لا تستسيغ بأي حال أن تضع ما يصنعه المخلوق في مستوى ما صنعه الخالق، لأنها تدرك الفرق بين الصناعتين، وتحس المدى الواسع بين الصانعين. ولا شك أن العقول التي تدرك هذا جديرة بأن تدرك الفرق بين
1 / 5
الشريعة الإسلامية وهي من صنع الله، وبين القوانين الوضعية وهي من صنع البشر، فإذا عجزت بعض العقول عن إدراك الفرق بينهما، فأولى بأصحابها أن لا يعجبوا مما نقول وعليهم أن يعجبوا من أنفسهم كيف لا يدركون الواقع المحسوس، وكيف لا يفهمون الأوليات والبدائة؟
٤ - المذاهب الشرعية المقارن بها: وسيرى القارئ أني لم أعتمد في المقارنة على مذهب واحد من مذاهب الفقهاء الإسلاميين، وإنما جعلت عماد المقارنة المذاهب الأربعة المشهورة، وهي: المذهب المالكي، والمذهب الحنفي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، فبينت أحكام كل مذهب من هذه المذاهب في كل موضوع طرقته، واجتهدت أن أبين أساس الخلاف بين المذاهب أن كان ثمة خلاف، ليكون القارئ ملمًا باتجاه كل مذهب وسنده.
٥ - علة الاقتصار على المذاهب الأربعة: وكان بودي أن أدرس بعض المذاهب الأخرى المشهورة كمذاهب الشيعة والخوارج والظاهرية، ولكن ظروفي ووسائلي ووقتي قصرت بي عن بلوغ ما أريد، فأنا موظف شاء حظه أن يكون مقر عمله في الريف دائمًا حيث تقل المكتبات والكتب أو تنعدم، ومن ثم فقد اعتمد على نفسي في اقتناء الكثير الذي لا أجده، وقنعت باستعارة القليل الذي أجده، وأغلب من يعتمدون على أنفسهم مثلي في هذه الحالة لا يستطيعون أن يحصلوا على كل ما يشتهون.
وكان الوقت معظم مشاكلي، فعملي الرسمي يأخذ مني كل أوقات فراغي تقريبًا، ولولا أني خصصت أوقات راحتي اليومية وأيام عطلتي السنوية للدراسة والاطلاع، لما تغلبت على هذه المشكلة.
وقد كان هذا كله سببًا في أن أقصر دراستي على هذه المذاهب الأربعة وأن أترك ما عداها من المذاهب المشهورة، ولعلي أتدارك ما فاتني في طبعة مقبلة إن شاء الله.
1 / 6
٦ - لغة البحث: ولم أشأ أن أكتب اللغة التي يكتب بها فقهاء الشريعة؛ لأني دون شك أعجز من أن أجاريهم في أسلوبهم الدقيق العميق ولأن القارئ العادي يعجز عن فهم هذا الأسلوب، وفضلت أن أكتب باللغة التي يكتبها ويفهمها رجل القانون الآن مكتفيًا بإبقاء الاصطلاحات الفنية الشرعية أو ذكرها وذكر ما يقابلها في اصطلاحنا القانوني، ولكني لم أهمل الإشارة إلى المراجع التي استندت إليها أو أخذت عنها.
وقد دفعني لسلوك هذا الطريق الحرص على أن يفهم كل قارئ ما أكتب دون حاجة إلى تعمق في الفهم أو كد للذهن، ولعلي بهذه الطريقة أكون قد سهلت لمن درسوا دراسة مدنية فهم الشريعة دون حاجة للرجوع إلى كتبها، بل لعلي أكون قد سهلت لهؤلاء فهم كتب الشريعة على حقيقتها إذا ما حاولوا الرجوع إليها بعد قراءة كتابي هذا، فمما لا شك فيه أن كتب الشريعة مكتوبة بلغة دقيقة مركزة، ولا يستطيع فهم هذه الكتب إلا من مرن على قراءتها، وكان على علم بالقواعد الشرعية الأساسية، هذه صفات لا تتوافر غالبًا فيمن درسوا دراسة مدنية.
على أني مهما حاولت أن ألتزم أساليبنا القانونية، فإني اعلم أني عاجز عن التخلص من أثر الأساليب الشرعية، ولعل مصاحبتي الطويلة لكتب الشريعة قد تركت أثرها في لغتي وأسلوبي، وهو أثر أرجو أن يفيد القارئ وأن يقربه بمرحلة من فهم كتب الشريعة.
٧ - الفقهاء والشراح: وقد التزمت أن أقصر لفظ الفقهاء على علماء الشريعة، وأن أخصص لفظ الشراح لعلماء القانون، وأحب الآن أن أنبه لذلك حتى إذا ما عرض أحد اللفظين غير مميز على القارئ لم يشتبه عليه الأمر. وأساس هذه التفرقة غلبة التسمية وانطباق اسم كلِّ على عمله، ففي الشريعة يسمون العالم في الغالب فقيهًا، وفي القوانين يسمون العالم في الغالب شارحًا، والواقع أن طبيعة عمل كل منهما تصلح أساسًا للاسم الذي غلب عليه، فالعالم في الشريعة يشرح
1 / 7
النصوص وهي قليلة، ويستنبط القواعد والمبادئ والنظريات التي تترتب على هذه النصوص ويترتب على أساسها الأحكام، فأكثر عمله فقه وأقله شرح، ومن ثم غلب عليه لفظ الفقيه. والعالم في القانون أكثر عمله شرح النصوص التي لا حد لها من الكثرة، وهو يشرحها طبقًا للقواعد والمبادئ التي جاءت بها النصوص العامة، وهذا لا يمنعه أن يستنبط بين الحين والآخر مبدأ جديدًا أو نظرية حديثة، إلا أن استنباط المبادئ والنظريات هو أقل عمله وشرح النصوص هو أكثر عمله، لأن ورود النصوص في كل ما يتصور من حالات يسد عليه باب التفكير والاستنباط ويوجهه إلى الشرح، ومن ثم غلب عليه لفظ الشارح.
٨ - لماذا بدأت بالقسم الجنائي؟: ولقد بدأت بالقسم الجنائي لأنه القسم المنبوذ المظلوم في الشريعة. فنحن معشر القانونيين لا ندرس من الشريعة إلا الجزء الخاص بالأحوال الشخصية، وما عدا ذلك فهو مهمل إهمالًا يكاد يكون تامًا، وبخاصة القسمين المدني والجنائي. وقد أدى بنا هذا الإهمال إلى نتيجة لابد منها وهي أنا نجهل أحكام هذين القسمين جهلًا فاضحًا. ولكننا بالرغم من ذلك نعترف بان الشريعة بلغت في المسائل المدنية مستوى لا يقل عن المستوى الذي بلغته القوانين الوضعين.
وقد ساعدنا على هذا الاعتراف من وجه أن رجال القانون يرجعون إلى الشريعة مجبرين في قليل من المواضع المدنية، لأن نصوص القانون المدني التي تحكم هذه المواضيع أخذت عن الشريعة الإسلامية، وهذه النصوص على قلتها يمكن أن تعطي فكرة لا بأس بها عن الشريعة. كذلك ساعد على هذا الاعتراف من وجه آخر أن المرحوم محمد قدري باشا سهل بكتابه "مرشد الحيران" المقارنة بين القسم المدني من الشريعة على مذهب أبي حنيفة وبين القوانين الوضعية، حيث نظم أحكام المذهب الحنفي في المسائل المدنية في مواد وأبواب متتالية على غرار مواد وأبواب القانون المدني المصري، فمكن ﵀ بعمله هذا لكل من يطلع
1 / 8
على كتابه أن يقارن بسهولة بين أحكام الشريعة وأحكام القانون، وأن يعرف دون الرجوع إلى الكتب الفقهية مدى الائتلاف والاختلاف، وإن كانت هذه المعرفة وتلك المقارنة لا تنتهي في الغالب إلى نتائج صحيحة ما دام المطلع يجهل كل الجهل الأصول والقواعد العامة التي قامت عليها الأحكام الشرعية، وما دام يجهل كل شئ عن آراء فقهاء المذاهب الأخرى.
أما القسم الجنائي فهو في عقيدة جمهور رجال القانون لا يتفق مع عصرنا الحاضر ولا يصلح للتطبيق اليوم، ولا يبلغ مستوى القوانين الوضعية. وهي عقيدة خاطئة مضللة. وإذا حاول أي شخص منصف أن يعرف الأساس الذي قامت عليه هذه العقيدة فسيعجزه أن يجد لها أساسًا سوى الجهل، وسيدهشه أن يعلم أننا نحكم على القسم الجنائي في الشريعة بعد الصلاحية ونحن نجهل كل الجهل أحكام الشريعة الجنائية مجملة ومفصلة.
ومن المؤلف للنفس أن تروج هذه العقيدة الخاطئة أو الأكذوبة الكبرى، وأن يلقنها الطلبة على أنها عقيدة مسلًّم بها من أولي العلم والقائمين على أمر التشريع، بالرغم من أنها قائمة على مخالفة الواقع، وإنكار الحقائق، والجهل الفاضح بأحكام الشريعة. ومن أراد أن يعرف مدى خطأ هذه العقيدة وضلالها فعليه أن يرجع إلى كتب الشريعة الإسلامية ليرى أن كل مبدأ وكل قاعدة وكل نظرية في الشريعة الإسلامية تنادي بخطأ هذه العقيدة وبعدها عن الصواب.
وقد رأيت في الواجب عليّ - بعد أن تبين لي ذلك - أن أحارب هذه العقيدة الخاطئة الظالمة، وأن أبدأ بالكتابة في القسم الجنائي الذي نبذناه دون حق، وجهلناه دون عذر؛ لأعرّف الناس بهذا القسم على حقيقته، ولأبين لهم أن الشريعة تتفوق على القوانين الوضعية تفوقًا عظيمًا في المسائل الجنائية العامة، وأن القسم الجنائي في الشريعة صالح كل الصلاحية للتطبيق في عصرنا الحالي وفي المستقبل كما كان صالحًا كل الصلاحية في الماضي.
1 / 9
٩ - كيف دفعت لدراسة الشريعة؟ وأعترف للقارئ أنني لم أبدأ دراسة الشريعة الإسلامية إلا في سنة ١٩٤٤م، وأنني لم أكن قبل ذلك مشغوفًا بقراءة كتب الفقه، ولكني كنت مشغوفًا بقراءة كتب التاريخ وسير أبطال الإسلام. وكتب التاريخ الإسلامي لا تتعرض عادة للمسائل الفقهية، ولكنها حين تتعرض للبطل كقاضِ أو حاكم أو مشرِّع، تذكر بعض ما أثر عنه من قضاء أو حكم أو تشريع، وهذه الآثار تثير في الرجل الفني روح المقارنة والمفاضلة، وقد أدهشني أني لم أجد قضاء أو حكمًا أو تشريعًا إسلاميًا إلا روعيت فيه المبادئ والنظريات الجنائية الحديثة التي قيل لنا في المدارس أنها من ابتداع القوانين الوضعية، وإن العالم لم يعرفها إلا في القرن التاسع عشر على إثر الثورة الفرنسية، فحملني هذا التناقض الظاهر بين ما سمعت وبين ما لمست على أن أدرس القسم الجنائي في الشريعة دراسة منظمة، وقد خرجت من دراستي بأن العيب الوحيد في هذا القسم هو أن الناس يجهلونه كل الجهل، وأنه فيما عدا ذلك خير من أي قانون وضعي على وجه الأرض، بل هو المثل الأعلى الذي يجب أن يأخذ به ويحتذيه كل مشرع وضعي في أي بلد غير إسلامي.
١٠ - حاجة الكتب الشرعية إلى تهذيب: ولقد أتعبني دراسة القسم الجنائي حيث بدأت الدراسة وأنا لا أعرف شيئًا يذكر عن علم الأصول ولا المصطلحات الفقهية، وزاد الدراسة تعبًا أني لم أتعود قراءة كتب الفقه، وأن هذه الكتب ليست مفهرسة، وليس من السهل على من يحب الاطلاع على مسألة معينة أن يعثر على حكمها في الحال، بل عليه أن يقرأ بابًا وأبوابًا حتى يعثر على ما يريد خصوصًا إذا لم يكن له من يرشده، وقد ييأس الباحث من العثور على ما يريد ثم يوفقه الله فيعثر عليه مصادفة في مكان لم يكن يتوقع أن يجده فيه.
ولا يسير فقهاء المذاهب المختلفة على غرار واحد في الترتيب والتأليف، فما يقدمه مذهب قد يؤخره المذهب الآخر، وما يدخل في باب معين في هذا المذهب
1 / 10
قد لا يدخله المذهب الآخر في نفس الباب.
ويضاف إلى ما سبق أن الفقهاء يكتبون بعبارة مركزة دقيقة، وهم في كثير من الأحوال يذكرون الحكم ولا يذكرون علته خصوصًا في الكتب المختصرة والمتون.
ولا شك أن دراسة المذاهب الشرعية دراسة مقارنة مجهده بذاتها؛ لأني كنت أدرس بدلًا من الكتاب الواحد أربعة كتب؛ ولكن هذه الدراسة أفادتني في الواقع فائدة كبرى إذ سهلت لي فهم مختلف النظريات وفهم الأسس التي بني عليها كل فقيه نظريته، وساعدت على إظهار الفروق الدقيقة بين المذاهب الفقهية.
وأعترف أني عندما قرأت كتب الشريعة لأول مرة لم أفهمها حق الفهم، فقد أخذت عن بعض المسائل فكرة تبين لي خطؤها في القراءة الثانية، ومن ثم فقد قرأتها مثنى وثلاث ورباع، بل قرأتها حتى أصبحت أستزيد بقراءتها عمقًا ولا أكاد أصحح خطأ. ولقد حملني على قراءة الموضوع الواحد أكثر من مرة أني كنت أدرس المذاهب الأربعة وأدرس عدة كتب لمؤلفين مختلفين في كل مذهب، وساعد على هذا أني لم أحصل أول الأمر إلا على كتب قليلة مختصرة، ثم صرت أحصل تباعًا على غيرها مما هو أكثر توسعًا منها. على أني مع هذا لا أعتقد أني سلمت من الوقوع في خطأ، فما أنا إلا إنسان غير معصوم بذل جهده في تجنب الخطأ، وإني لأرجو ممن يعثر على خطأ أن يبصرني به مشكورًا لأتجنبه في المستقبل.
وحين لمست المجهود الذي يجب على رجل القانون أن يبذله ليلم بأحكام الشريعة، ورأيت النتائج الباهرة التي وصلت إليها، واكتشفت الأخطاء المضحكة المبكية التي وقعنا فيها، شعرت أن عليّ واجبًا عاجل الأداء نحو الشريعة، ونحو زملائي من رجال القانون، ونحو كل من درسوا دراسة مدنية، وهذا الواجب هو أن أعرض على الناس أحكام الشريعة في المسائل الجنائية في لغة يفهمونها وبطريقة يألفونها، وأن أصحح لرجال القانون معلوماتهم عن الشريعة، وأن أنشر على الناس الحقائق التي حجبها الجهل عنا زمنًا طويلًا.
1 / 11