المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية

المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية

ناشر

دار السلام

ایڈیشن

الثانية

اشاعت کا سال

١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م

پبلشر کا مقام

القاهرة

علاقے
مصر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الكتاب: المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية
المؤلف: د. علي جمعة محمد
(مفتي الديار المصرية)
الناشر: دار السلام - القاهرة
الطبعة: الثانية - ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

تنبيه: الصفحة رقم ١٠٦ ناقصة

1 / 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على سيدنا رسول اللَّه وآله وصحبه
ومن والاه.
أما بعد ...
فهذه هي الطبعة الثانية من كتاب المدخل، الذي صدرت طبعته
الأولى عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي سنة ١٩٩٦ م، بعد أن قمت
بإعادة ترتيب مادته والتوسع في أجزاء كثيرة منه، وزيادة التوثيق وتقديم
ما كان حقه التقديم، وتأخير ما كان فرضه التأخير، واختصار وتهذيب
في مواطن كثيرة، وضم الشبيه إلى شبيهه، والنظير إلى نظيره كما سيراه
كل من قارن بين هذه الطبعة وأختها السابقة حتى شعرت وإن اتحد
الهدف واتفقت المادة أنه كتاب جديد، ناهيك عن تصحيح الأخطاء
المطبعية وتحرير النقول والعزو، فرأيت أن أسميه (المدخل إلى دراسة
المذاهب الفقهية) حتى أحافظ على الكلمة الأساس التي اشتهر بها،
وأشير بتلك الزيادة إلى حقيقته التي سأل عنها من لم يطلع على
مضمونه، وإلى أنه أصبح ككتاب مختلف عن سابقه بقدر ما حدث فيه
من زيادة وتنقيح.
ولقد وضعت له فهرسًا مفصلًا، وأرجو اللَّه أن ينفع به وأن يكون
خطوة في بناء أداة الفهم الصحيح للتراث الإسلامي ومذاهبه الفقهية حتى
يتم الاستفادة منه على الوجه الأكمل دون القبول المطلق، أو الرفض
المطلق، أو الانتقاء العشوائي، حتى نتحرر من المناهج غير العلمية التي
غبلت العقل المسلم، ونرجع إلى عهود السلف الصالح الذين خدموا دين
اللَّه وعقل الإنسان بهدف عبادته سبحانه وعمارة الكون.
القاهرة فى غرة رمضان ١٤٢٢ هـ
- ١٦ نوفمبر ٢٠٠١ م
أ. د. عَلي جُمعة محمد

1 / 5

الفصل الأول
ماهية التراث الإسلامي
التراث هو: نتاج العقل البشري المسلم عبر القرون.
وقانون الآثار المصري المعمول به الآن، يحدد مائة سنة سابقة عن الآن حتى نعتبر الشيء في عالم الأشياء أثرًا.
وقديمًا كان عصر الخديوي إسماعيل هو الحد الفاصل في مسألة الآثار، وهو عصر يعد نقطة فارقة في تاريخ مصر، وفي تاريخ الشرق المسلم، تغير فيه كل شيء، وأراد الخديوي إسماعيل أن يخرج مصر من سياقها التاريخي لتصبح قطعة من أوربا، فجاءها خير كثير من هذا، وجاءها شر أيضًا.
حدث هذا التغير، وحدث معه شيء كثير من الاضطراب: الاجتماعي،
والسياسي، والاقتصادي، والثقافي في مصر.
فقد غَيَّر الخديوي إسماعيل نمط حياة الإنسان المصري، غَيَّر برنامجه اليومي..
غَيَّر التقويم من الهجري إلى الميلادي..
غَئر الساعة من العربي إلى الأفرنجي..
غَيَّر الأزياء..
غَيَّر نمط المعيشة.
وقبله بدأ محمد علي التعليم الموازي، فترك الأزهر على حاله وأنشأ - موازيًا له - تعليما سماه التعليم المدني، وأرسل البعثات إلى أوربا فحدث بعد ذلك ما أسميناه بازدواجية التعليم، وأصبح هناك من يدري الشرع ويطلع على التراث، ومن يستطع أن يتعامل معه، وهناك أيضًا من أصحاب العلوم والفنون من لا يستطيع أن يتعامل مع هذا التراث، وسمي الأول بالسلفي، والآخر بالعصري، وأصبحت هناك معركة، ما كنا
نود أن تكون، لون ما أسموه بالأصالة والمعاصرة، حتى أطلق عليها بعضهم: " المعركة بين الطربوش والعمامة " على سبيل الرمز، وظل هذا التخالف في ازدياد إلى عصر الخديوي إسماعيل.
لقد كانت ساعاتنا ساعات غروبية تتسق مع العبادة، وتنضبط الساعة مع أذان المغرب على الساعة ١٢، فنعرف الساعة الأولى من الليل، والساعة الثانية من الليل، والساعة الثالثة من الليل، فعندما نقرأ حديث البخاري: " أن من اغتسل يوم الجمعة

1 / 7

غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر "
يفهمه الناس، لأنهم يعرفون ما الساعة الأولى،
وما الساعة الثانية.
تم اختلف الحال في عصر الخديوي إسماعيل فأصبحت الساعة (١٢) هي وسط
النهار، ومن المعلوم أن اليوم ليس (٢٤) ساعة تمامًا، بل يختلف باختلاف الأيام في السنة، فهو ٢٤ ساعة و١٧ دقيقة، أو ٢٤ ساعة إلا ١٧ دقيقة، لأجل هذه الى (٣٤)
دقيقة يختلف أذان الظهر عندنا الآن، فنجده يؤذن مرة ٣٥.
١١، ومرة ٠٧.
١٢، لأن هذه المساحة من الوقت هي التي يختلف فيها اليوم واقعيًّا على مر السنة.
كان المسلمون يكيفون أنفسهم ومعيشتهم بطريقة تجعل العبادة سهلة، وتجعل هذه الشعائر التي يقيمونها تنطق تمامًا مع النظام اليومي الذي يعيشونه.
لم يكن هناك نوع تنافر ولا اضطراب، ولا ضيق، ولا نوع فوات للصلاة.
كانوا ينامون بعد العشاء ويستيقظون قبل الفجر، كانوا يدركون ما معنى ثلث الليل الأخير الذي يستجيب اللَّه
فيه الدعاء، كان هناك تفاعل مع هذا الدين.
ولكن دخلت الأوبرا، واضطروا إلى أن يخلعوا سراويلهم المغربية التي كانت أقرب إلى الالتزام بستر العورة في الصلاة، ليلبسوا الأزياء الأفرنجية، والياقات البيضاء المنشية،
التي لو جاء عليها ماء، لفسد ما بها من نشا، وأصبح من علامات الفسق عند المتدينين: لبس الجورب " الشراب "، وأصبع العوام يقولون: " كفر أبو فلان ولبس الشراب "؛ لأن لبسه " للشراب " كان دليلًا على أنه لا يتوضأ، وكان دليلًا على أنه خرج من منظومة ونسق معين، ودخل في نسق آخر.
ترك الناس الصلاة شيئًا فشيئًا؛ لأنهم ذهبوا عند المغرب للأوبرا، والذين يذهبون إلى الأوبرا كانوا هم عُلَيةَ القوم.
سهروا هناك حتى الساعة الثانية بالليل، فضاع عليهم
المغرب والعشاء، وضاع عليهم الفجر، وانتظرهم البواب، والطباخ، والسائق، فلم يصلوا هم الآخرون، وشاع عدم الصلاة في الناس، وشاع ترك الصلاة بالكلية.

1 / 8

هذا عرض بسيط لا نقف عنده طويلًا، لكن هذه اللحظة الفارقة في تاريخنا: لحظة عصر الخديوي إسماعيل.
يمكن أن نعد ما قبلها من التراث، حتى يدخل في التراث إنتاج الشيخ الباجوري المتوفى (١٢٧٧ هـ لم ١٨٥٦ م)، والذي كان شيخًا للأزهر، وهذا قياسًا لحد التراث على حد الآثار (مائة سنة) كما مرَّ.
* * *

1 / 9

توثيق التراث
هذا التراث - الذي بدأ مع تدوين العلوم عند المسلمين الأوائل في أواخر القرن الثاني الهجري، وامتد إلى عصر شيخ الإسلام الباجوري (١٢٢٧ هـ/١٨٥٦ م) - هو
النتاج الفكري الذي جعل لنفسه محورًا هو النص: الكتاب والسنة، النص بما اشتمل عليه من أحكام، ومن مقاصد شرعية تشتمل على قيم، وهذه القاصد والقيم تعمل في وسط قواعد، وتعمل كل هذه المنظومة في مجال السنن الإلهية التي خلقها اللَّه ﷿ في الكون، والنفس، والمجتمع.
فقد جعل المسلمون النص محورًا لحضارتهم، ومحور الحضارة معناه: أنهم جعلوه معيارا للتقويم، وجعلوه منطلَقًا للخدمة، وجعلوه مرجِعًا يرجعون إليه.
ولذلك نجد أنهم قد وَلَّدوا علومًا كثيرةً، كعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم
النحو، وعلم الصرف، وعلم الوضع، وعلم البلاغة، ...
، أرادوا بهذه العلوم أن يخدموا النص، وكذلك علم الخط يريدون به أن يخدموا النص، هذا الخط العجيب الذي يقول عنه ابن مقلة: إن كتاب اللَّه قد نزل على نسبة إلهية فاضلة، نظمه عجيب معجز، فلا بد أن يكتب بخط مبني على نسبة إلهية فاضلة، وتفتق ذهن ابن مقلة على
مسألة المسدس الدائري الذي رسم فيه الألف، واستطاع بميزان الألف أن يرسم الحروف كلها، فرسمت كل الحروف داخل المسدس داخل الدائرة.
يقول أبو حيان: لقد أوحى اللَّه تسديس الخط لابن مقلة كما أوحى للنحل
بتسديس بيوتها.
وليس هناك خط على وجه الأرض وإلى يومنا هذا يسير على نسبة واحدة كالخط العربي وما تفتق ذهن المسلمين بذلك إلا لأنهم قد خدموا النص، وأرادوا خدمته، وجعلوه محورًا واضخا لحضارتهم.
الفنون مثلًا وما حدث فيها من رسم وتعشيبات نباتية، وتلاعب بالخطوط،
والأشكال الهندسية، والتلاعب بالألوان، كل هذا إنما يحاولون به أن يصلوا إلى خدمة شيء معين جعلوه محورًا ينطلقون منه في حياتهم.
اقتضى وجود النص مسألة التوثيق، فالتوثيق هو السؤال الأول الذي يطرح نفسه على

1 / 10

الإنسان الذي يسعى إلى معرفة الحق، هل الذي بين يديَّ الآن هو الذي نطق به رسول اللَّه ﷺ، سواء أكان قرآنًا، أم سنة صادرة عن النبي ﷺ
فمن أجل الإجابة على هذا السؤال وُجِدَ ما يقرب من عشرين علمًا، تتعلق بعلم الرجال وعلم الأسانيد، وعلوم الجرح والتعديل، وعلوم مصطلح الحديث، علوم كثيرة تحاول أن تضبط المسألة.
ليس هناك كتاب على وجه الأرض له تلك الأسانيد المتصلة، التي يقول كل قارئ للقرآن فيها (والقارئ هنا معناه: متحمل القراءة، وعالم القراءة) لقد سمعت هذا الكلام حرفًا حرفًا بالتشكيل، وعلى هذا الخط الموجود أمامنا، من شيخي الذي ولد يوم كذا وتوفي سنة كذا، وكان اسمه كذا وكان يضحك ويقول كذا وكذا، وكان يبكي
في المواقف الفلانية، تاريخ حياته كاملًا موجود في ملف في هذا العلم، وهذا الشيخ يقول أيضًا: إنه سمع هذا الكلام عن شيخ آخر، وله كل هذه المواصفات، ليس هناك أحد في هذا السند من المجاهيل التي لا نعرفها، فنحن وحتى الآن نعرف كل واحد في هذه السلسلة، وهذا النقل ليس عن شخصٍ واحدٍ يمكن أن يكذب، ويمكن أن يخطئ، ويمكن أن يضعف في موقف معين، لا عن ألف، بل قد يكون عن آلاف،
فابن الجزري في كتابه النشر في القراءات العشر، أورد ما يقرب من ألفى طريق للقرآن، وكتاب النشر هذا، كتاب واحد، حصر ألف طريق، كأن هناك ألفًا قد تلقى عنهم ابن الجزري، وهؤلاء الألف قد تلقوا عن ألف من مشايخهم وهكذا، والأمر أعظم من هذا بكثير.
إن المسلمين يفتخرون بكتابهم، وأنه محفوظ عليهم، وأنه وارد إليهم بالأسانيد التي لو قارناها بكتب الديانات الأخرى، لوجدنا أن التوراة مثلًا يقول ابن حزم عنها:
لها سندُ واحدُ فقط، آخر شخصٍ في السند بينه وبين سيدنا موسى ﷺ ألف سنة أو أكثر.
كما أنه لا توجد النسخة الأصلية من الإنجيل، وإنما الذي يوجد له ترجمة يونانية، ومع ذلك، فمن المتُرجِم؟ لا نعرف.
مسألة مضحكة، ومحزنة، ومخزية أن يظل العقل البشري في حيرة من أمره أمام هذا الوضوح البين، بين مقارنة ظاهرية سطحية، تثبت من كل جهة قبل التعمق أن هذا

1 / 11

الدين، دين حفظه اللَّه ﷾، ودين قد دافع عنه اللَّه تعالى، وجعله مهيمنًا على ما بين يديه من تلك الأديان والكتب.
من المترجم؟ لا نعرف، ما هي الأسانيد إلى تلك الترجمة؟ لا نعرف.
ثم إن مجموعة الباباوات الذين تولوا الكنيسة، والمعروف عنهم النقل إلى هذا المصدر المبتور: واحد منهم ثبت لديهم أنه من عبدة الشياطين، ومجموعة منهم ثبت لديهم أنهم من المجرمين السفاحين، ومجموعة أخرى من الداعرين، هذا ليس كلامنا، هذا كلامهم.
أما السند عندنا فوصل به الحال إلى أن رحل البخاري الطلب الحديث فذهب إلى شخص للرواية، فوجده ممسكًا بعشب في يده يحاول أن يجذب إليه بهيمته، فلما جاءت إليه أمسك بها ورمى العشب، فتركه البخاري، ولم يُحَدث عنه، وقال: إنك قد كذبت عليها فلم يأمنه.
إلى هذا الحد يتم عندنا التوثق.
وَتذكَّر البخاريُّ أن النبي ﷺ عندما وجد امرأة تريد أن تمسك بصبيها، فقدمت له تمرة، ثم لما أمسكت به أرادت أن تحرمه منها، فقال لها: لو فعلت لكذبت.
هذا المنهج - منهج توثيق المصدر - أثر تأثيرًا كبيرًا في عقلية المسلمين، وامتد ذلك التوثيق من المصدر (الكتاب والسنة) إلى الكتب التي ألفها الناس لخدمة هذا المصدر.
ولذلك هناك علم قد نشأ اسمه " علم الأثبات والمسانيد "،
علم الأثبات؟ السند ينتهي إلى المؤلف، وليس إلى رسول اللَّه ﷺ،
وأصبحنا إذا ما أردنا أن نقرأ كتابًا، لا بد علينا أولًا أن نتوثق أن هذا الكتاب منسوب نسبةً صحيحة إلى مؤلفه بالسند المتصل أيضًا.
ألف الشوكاني كتابًا ماتعًا أسماه: " إتحاف الأكابر بأسانيد الدفاتر "،
وليست بأسانيد الأحاديث النبوية فقط، هذا أمر آخر في علم الحديث، لكن علم الحديث،
وعلم القراءات، وما حدث فيه من توثيق أثر على عقلية المسلم، فأصبح طلب التوثيق ضروريًّا في كل حياته، فأصبح هناك طلب لقضية أسانيد الدفاتر، وأصبح منهجًا يتخذ، وأثر هذا حتى في شكل النقل، فلا بد علينا أن نحفظ الوسيلة، والطريقة التي
بها النقل، ومن هنا وضع العلماء الأثبات التي جمعت أسانيد العلوم كلها.
ومن جهة أخرى أخذ توثيق النص منحىً آخر بتصحيحه، وإتقانه في نفسه: فنرى

1 / 12

ابن الصلاح في مقدمته يرشد الطلبة والنساخ إلى كيفية كتابة النصوص، ونقلها، والتأكد من صحتها بمصطلحات هي أنقى وأبر من مصطلحات المستشرقين وأضبط،
ومن ضمن ما ذكره ابن الصلاح: أنه ينبغي على القارئ عند القراءة إذا ما وجد سقطًا أو خطأ أن لا يصلح في أصل النسخة، خيفة أن يكون ما ظنه سقطًا، أو خطأ ليس كذلك، بل على القارئ أن يصلح في الهامش وأن يشير بعلامة " صح " فوق الكلمة، ويخرج في الهامش ويقول ما يريد، سواء أكان من عنده أم كان من نسخة أخرى،
حتى يدع لآخرين من بعده ينظرون في هذه النسخة، ولا يقطع عليهم الطريق، ولا يحرف كلام الناس، وحتى لا يصبح عنده تسلط على الآخرين في العلم، وأن ما ذهب إليه قطعي، وأن ما ذهب إليه لابد على الناس جميعًا أن يتمثلوا به.
وتثبت أيضًا السماعات على النسخة، ومعنى السماعات: أن يقول المتلقي للكتاب مثلًا: " سمعت هذا الكتاب من الشيخ الفلاني، حيث قال لي: إنه سمعه من الشيخ الفلاني بتاريخ كذا في المكان الفلاني "، فيحدد الشخص، والزمان، والمكان، حتى إذا ما كان هناك اشتباه في الأسماء بين المشايخ يحدث تمييز بينهم بالتاريخ، وإذا ما كان هناك كذب، أو زيادة قد حرفها محرف، أو وضعها واضع، تتضح هذه عند العلماء
الذين يعرفون..
وبهذه الطريقة كشف عن كثير من أنواع التلاعب، وهذا علم قائم بذاته.
الحقيقة أن تحول المناهج إلى تلك الملكات، هي التي نفتقدها نحن الآن، نحن
أصبح عندنا معلومات، ولم يعد عندنا علم.
والفرق يينهما: أن المعلومات مفردة، والعلم نسق مرتبط بعضه مع بعض، له منهج، وله استعمال، وهذا هو الفرق بين العالم والمثقف، فالمثقف عنده كثير من المعلومات في مادة معينة، لكن ليس عالمًا في هذه المادة، وقد تفوق معلوماته معلومات بعض علماء هذه المادة، لكن لابد علينا أن نعي المنهج، وأن نعي طرق الاستعمال، وأن نعي الربط بين المعلومات، وأن نعي المعلومات أيضًا حتى نُحصِّل علمًا معينا.
وضع العلماء طرقًا ثمانية من طرق التحمل - أي تحمل العلم - أيضًا أخذوها من الحديث بعضها يتعلق بطريقة الأداء:

1 / 13

فمن ذلك: أن يقرأ الشيخ والتلميذ يسمع، ويقول: قد سمعت هذا، وهذا يكون أضبط؛ لأن الشيخ عندما يقرأ، يقرأ كثير من طلبة العلم الآن، من غير قراءة على عالم يستطيع أن يصحح، وأن ينقل الملكات، والمعلومات، ومناهج البحث العلمي منه إلى الطالب.
على كل حال فإن حضارة المسلمين لم تمت، بل نامت فقط، والنائم يستيقظ، واللَّه ﷿ ييعث مَنْ في القبور، على أن حالة النوم هذه استمرت عند المسلمين حتى دخول المطبعة الأميرية التي فتحها محمد علي (٨٢١ ام) لطبع كتب الجهادية،
وا لفنون، والزراعة، والصناعة، والطب، وغيرها.
ثم بعد ذلك بدأت في طباعة المصحف سنة ١٨٣٢ م)، لأن المشايخ حرموا طباعة الصحف ابتداء لسببين: أحدهما موضوعي، والآخر شكلي.
السبب الموضوعي: أنه سيكون فيه أخطاء فادحة نظرًا لصعوبة التصحيح وبدائية عملية الطباعة، وأنه لا بد علينا أن نكتبه بأيدينا حتى نتأكد من عدم وجود الأخطاء.
والسبب الشكلي: أنهم قد سمعوا أن الاسطوانة التي تدور عليها ورق الطباعة
مصنوعة من جلد الخنزير، فلا ينبغي أن تدنس صفحات المصحف بجلد الخنزير، فتأخرت طباعة المصحف.
ثم بعد ذلك أصدر محمد علي باشا، قرارا بطبع المصحف حتى ولو كان حرامًا!
وكانت هذه خطوة وعلامة فارقة من ارتباط الأحكام الشرعية بالسياسة فطبع
المصحف، طبع منه أول الأمر مائتا نسخة، واتضح أن فيه أخطاء فاحشة، فصححها،
وأذكر أن التصحيح قد تكلف ١٣ جنيهًا ذهبا لأجل تصحيح المصحف المطبوع.
وبعد ذلك بدأت دار الطاعة الأميرية في إخراج أوائل منتجاتها الأدبية، فقام
علماء المطبعة الأميرية من المصححين المطعيين.
وكانوا من أكابر العلماء أمثال الشيخ
قطة العدوي، والشيخ نصر الهوريني.

1 / 14