Innovation in the Detriments of Heresy
الإبداع في مضار الابتداع
ناشر
دار الاعتصام
ایڈیشن
الخامسة
اشاعت کا سال
١٣٧٥ هـ - ١٩٥٦ م
اصناف
•Islamic thought
علاقے
مصر
الإبداع في مضار الابتداع
صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير
الشيخ علي محفوظ
عضو هيئة كبار العلماء
طبق ما قرره المجلس الأعلى من مناهج التعليم لقسم الوعظ والخطابة بالأزهر الشريف
وتمتاز بأبحاث مفيدة وزيادات ذات شأن
دار الاعتصام
1 / 1
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للَّه الذى خلق العباد لما شاء، ويسرهم لما خلقوا له على وفق علمه وإرادته، وصرفهم بمقتضى حكمته، فمنهم شقى وسعيد، وهداهم النجدين فمنهم قريب وبعيد، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد نبى الرحمة، ومرشد الأمة وكاشف الغمة، الذى نسخت شريعته كل شريعة، وشملت دعوته كل أمة، فلم يبق لأحد حجة دون حجته، ولا استقام لعاقل طريق سوى واضح محجته، جمعت سنته تحت حكمتها كل معنى حكيم فلا يسمع بعد بيانها خلاف مخالف ولا قول مختلف. من سلك سبيلها فهو على نور من ربه، وبصيرة من أمره، معدود في الفرقة الناجية، والمائل عنها واقع في ظلمته، مرتبك في حيرته، مردود إلى الفرق المقصرة أو الغالية، وعلى آله وصحبه الذين اهتدوا بشمسه المنيرة، واقتفوا آثاره اللائحة، وأنواره الواضحة، ومن أحيا سنته واهتدى بهديه.
أما بعد: فهذا مختصر نفيس، ومهذب لطيف في أصول البدع وفروعها وعادات العامة وأوهامها، طبق ما قرره مجلس الأزهر الأعلى من مناهج التعليم في مجموعة الوعظ والخطابة بالجامع الأزهر الشريف، اقتصرت فيه على ما لابد منه لمن يتصدى لمحاربة البدع المذمومة، والعوائد القبيحة، وسلكت فيه سبيل الاعتدال فكان وسطًا بين الإفراط والتفريط، ورتبته على مقدمة وبابين وخاتمة، وسميته (الإبداع في مضار الابتداع)، واللَّه تعالى أسأل أن يجعله عملًا خالصًا، ويجعل ظل الانتفاع به ممدودًا، والأجر على العناء فيه كاملًا، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلى العظيم.
على محفوظ
1 / 3
مقدمة الطبعة الخامسة
قبل أن يلقى المغفور له صاحب الفضيلة الأستاذ الكبير الشيخ على محفوظ ربه أوصانا في حديث خاص لا يزال بما حوى من توجيهات، المصباح الوهاج الذى يضئ لنا الطريق، أوصانا أن نعمل على أن تظل الكتب التى ألفها ينتفع بها المسلمون. وها نحن اليوم نقدم الطبعة الخامسة من كتابه (الإبداع في مضار الابتداع) منقحة ومزيدة بيده الكريمة من نسخته الخاصة، فهى بهذا خلاصة ما قدم الفقيد الكريم الذى أفنى عمره في سبيل الدين ونشره بين جميع الطبقات حسبة لوجه اللَّه الكريم.
فإلى تلاميذه الكرام، وعارفى علمه وفضله، وإلى حاملى لواء الإسلام، وإلى المشتغلين بالوعظ والإرشاد، الذين يحاربون البدع والخرافات، وإلى المصلحين الاجتماعيين والحطباء والدعاة الناصحين.
وإلى العالم الإسلامى قاطبة، وأخيرًا إلى روح الفقيد الطاهرة نقدم هذا السفر النفيس.
ولعلنا بهذا نكون قد أدينا بعض الأمانة التى في أعناقنا.
رجب سنة (١٣٧٥ هـ - مارس سنة ١٩٥٦ م).
أنجال المؤلف
1 / 4
ترجمة المؤلف
في محلة روح مركز طنطا غربية، كانت تقيم أسرة "محفوظ" وهى أسرة طيبة يتصل نسبها بالحسن بن على ﵃. في تلك القرية ولد المغفور له الأستاذ الشيخ على محفوظ وفيها نشأ، وحفظ القرآن الكريم واستوعب حفظ بعض المتون.
وفى عام (١٣٠٦ هـ) التحق بالجامع الأحمدى بطنطا واشتغل بتجويد القرآن الكريم على بعض الفقهاء، ثم بدأ يتلقى العلم على كبار شيوخه، فكان من أساتذته الشيخ عبد الرحمن الدماطى والشيخ محمد الشبينى الكبير والشيخ على المنوفى والشيخ قطب بكر، وكان في أثناء طلبه العلم مثلًا حسنًا للطالب المجد، واستمر بالجامع الأحمدى نحوًا من عشر سنوات ظهر فيها نبوغه وتفوقه على أقرانه.
ثم رأى شيخه الأكبر الشيخ الدماطى أن ذلك النبوغ يجب أن يستفيد منه الأزهر الشريف، فحبب إليه طلب العلم فيه فتوجه في عام (١٣١٧ هـ) إلى مصر ونزل بالأزهر المعمور، ثم مالت نفسه إلى مذهب أبى حنيفة بعد أن كان شافعى المذهب فتتلمذ على صفوة علمائه من أمثال الشيخ محمد الحلبى والشيخ بكر الصدفى، والشيخ أحمد أبو خطوة والشيخ محمد بخيت والأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده. وفى عام (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٧ م) حصل على شهادة العالمية، ثم اشتغل بالتدريس.
ولما أدخل النظام في الأزهر عام (١٩١١ م) سار فيه حتى بلغ القسم العالى.
وفى عام ١٩١٨ أنشئ قسم الوعظ والإرشاد في الأزهر فكان أول من تعهده بالتأسيس والتوجيه، وفى هذا القسم وجد ضالته، فجاهد فيه بكل قواه، ووقف عليه فكره ووقته، وسرعان ما أنجب على يديه رجالًا دعاة خير ورسل إصلاح، أُشْربوا حب الفضيلة ونمت فيهم نازعة الخير.
وفى عام (١٣٥٦ هـ) أوفد على رأس أول بعثة أزهرية إلى الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج.
1 / 6
وفى مايو عام (١٩٣٩ م) قدرت جماعة كبار العلماء مزاياه وعلمه وفضله، فقررت ضمه إلى عضويتها.
وفى فبراير (١٩٤١ م) منح كسوة التشريفة العلمية من الدرجة الأولى.
ثم لقى مولاه في يوم الأربعاء الثالث من ذى القعدة (١٣٦١ هـ) الموافق (١١) نوفمبر (١٩٤٢ م).
نَشَاطُهُ:
نظر الفقيد بفكره الثاقب إلى العلم والعلماء، فوجده أشبه بصناعة خاصة بين طائفة خاصة في مكان خاص لا يعدو العالم والمتعلم، قد دأب الأزهر على ذلك جيلًا بعد جيل، وسواد الأمة عن هذا النور محجوب باحتجاب العلماء عنهما، اللهم إلَّا بصيص من النور يظهر في بعض البلاد التى ينبت فيها العلم بوجود عالم من العلماء أو طالب من الطلاب في ليالى شهر رمضان من كل عام .. فأخذ على نفسه المواثيق أن يجدد عهد السلف الصالح، وأن يقوم بنشر الدعوة الصحيحة بين طبقات الشعب المصرى الكريم.
وضعُ أساس فنّ الوَعْظ والخطَابة:
ولقد أحب فن الوعظ والإرشاد حبًّا لا يعدله حب، وأخلص له إخلاصًا، ما بعده إخلاص، وامتزج هذا الحب وهذا الإخلاص بإيمان قوى لا حد له، ثم سكن هذا المزيج المبارك في قلب كريم في نفس طيبة راضية مطمئنة.
وبهذا القلب عقد اللواء وتأهب للغزو، فأخذ يبث فكرته بين طبقات الأزهر من علماء وطلاب، فكان من ثمرات هذا الجهاد إنشاء قسم الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين.
الوَعظُ في المساجد والمجامع العَامة:
ثم انتقل إلى الناحية العملية، فكان يغشى المساجد كل أُسبوع والمجامع العامة، ناشرًا لفضيلة، داعيًا إلى التمسك بحبل الله المتين، فظهر نجمه وسطع نوره، ورمقته العيون وأسكنته القلوب في سويدائها لما عرف فيه
1 / 7
من علم، وما أوتيه من قوة البيان ودقة الأسلوب وسلاسة التعبير. وقد أنتجت قريحته الفذة في هذا الفن كتاب "سبيل الحكمة في الوعظ والخطبة" ثم أعقبه بكتاب "هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة" وهو يعتير أول كتاب حديث من نوعه.
وكان أهم ما يلاحظ عليه ذوقه الرفيع في الوعظ، ومراعاته لشعور الحاضرين وعواطفهم، يستميلهم بالفكاهة النادرة برقة تملك المشاعر، ويلقى إليهم بالحجج والحكم في دعة تفتح لها الطريق إلى القلوب قبل الأسماع.
الوَعظ في القُرَى:
رأى - طيب الله ثراه - أن كثيرًا من القرى الريفية قد حُرم من العلم فكان يذهب إليها مرشدًا داعيًا إلى الله بإذنه. مضحيًا في ذلك بماله وراحته ووقته، فكان يقضى العطلة الصيفية متنقلًا بالوعظ والإرشاد في شتى البلاد. وقد كان يسجل خطبه في سجل خاص حتى بلغ مجموعها نحو (٨٠٠) خطبة.
مُحَاربةُ البدَع والخرافات:
رأى ﵀ أن كثيرًا من البدع والخرافات قد استحكم في نفوس الشعب حتى أبعدهم عن طريق الدين المستقيم، فأخذ يكافح ويجاهد ويذكر القوم بمحاسن الدين وقبائح البدع، ولم يثنه عن سبيله ما أقامه دعاة هذه البدع من عراقيل وعقبات .. وظل ثابتًا على عزمه حتى اقتلع الأوهام من القلوب وعاد بالناس إلى حظيرة الدين، وقد ألف في هذا كتابه العظيم "الإبداع في مضار الابتداع".
الجمعيات الإسلاميَّة العَامة:
أيقن أن الجَمعيات الإسلامية خير معين على نشر الفضائل بين الأمة فساهم في تأسيس "جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية". وكان من أعضائها العاملين البارزين.
1 / 8
وساهم في تأسيس "جمعية الهداية الإسلامية". وقد انتخب وكيلًا لها في أول جلسة عقدت لتأسيسها في عام (١٣٤٦ هـ).
وكذلك ساهم في تأسيس "جمعية تحفيظ القرآن بالعباسية" وكان من أعضائها المخلصين.
وقبل الحرب العالمية الأولى كانت "جمعية الرد على المبشرين" بالخرنفش تناهض المبشرين فكان ﵀ خطيبها وحامل لوائها.
وفازت جمعية "نشر الفضائل والآداب الإسلامية" بالكثير من نشاطه ولمَّا تكونت "جماعة أنصار الحج" ساهم فيها بجهاده بكل قواه.
الجمعياتُ الخاصة:
لم يكتف الفقيد بكل هذه الأعمال الجليلة، بل نظر في صفوف الأُمة، فوجد طائفة من عظمائها المخلصين قد عكفوا على ما لديهم من الأعمال، فتلطف في الدخول إليهم، واستعمل ذكاءه وفطنته في استمالتهم وهمس في آذانهم بأحكام الدين الحنيف، فوصلت دعوته إلى قلوبهم، وجد التربة صالحة للغرس، والجو ملائمًا للإنبات، فكون جمعية قوامها العظماء وعنصرها "الطبقة الراقية" مثل: الدكتور سالم هنداوى باشا، وسليمان عزمى باشا، والمرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا وغيرهم من طبقتهم، واشتغل معهم بتفسير القرآن الكريم في ليلة معينة من كل أسبوع، واتخذ بذلك عيادة الدكتور سالم باشا بعابدين حتى أتمه، في بضع سنين، ثم انتقل إلى السنة الشريفة فقرأ معهم كتاب "البخارى" بأكمله. وقد كان من آثار هذا الغرس أن طلع المرحوم الدكتور عبد العزيز باشا إسماعيل على العالم الإسلامى بكتابه العظيم "الإسلام والطب الحديث".
كذلك كون ﵀ جمعية أخرى قوامها الدكتور عبد السلام العيادى ونخبة من خيرة "المتعلمين ما بين مهندس وتاجر وموظف" وجعل مقرها عيادة الدكتور العيادى بالدرب الأحمر، وقد ابتدأ في تفسير القرآن الكريم حتى أوشك على إتمامه ولكن المنية عاجلته قبل ذلك بقليل.
وأنشأ جمعية ثالثة قوامها جماعة من "أرباب المعاشات" فغرس فيهم
1 / 9
الروح
الدينى الحق، وكان مقرها منزل السيد أحمد فهمى المهندس في المغربلين ثم بالعباسية.
وامتد نشاطه إلى "الطبيبات والممرضات" داخل المستشفيات فتعدهن في مستشفى فؤاد الأول بالموعظة الحسنة والنصائح الغالية مما كان له أثر محسوس في قيامهن بواجبهن الإنسانى على خير الوجوه.
إلقَاءُ دروس دينية في الإذاعة اللَّاسلكية:
وفى عام (١٩٣٦ م) نبتت فكرة إلقاء الدروس الدينية على أمواج الأثير، فكان أول من وقع عليه الاختيار لهذا العمل الجليل، فكان يلقى درسًا في كل شهر تقريبًا حتى لقى ربه.
دروس شَهْر رمضَان في الأَزهر الشريف:
وكان من عادته ﵀ أن يلقى درسًا في الجامع الأزهر بعد صلاة العصر من كل يوم من أيام رمضان المبارك، وقد ظل محافظًا على هذه العادة الجليلة، وكان فيها مخلصًا متفانيًا، ولا أدل على ذلك من حرصه عليها وهو في مرض الموت.
التأْليف:
أَلَّف الفقيد الكتب الآتية:
١ - "الأخلاق": وكان يدرس في المعهد الابتدائي.
٢ - "هداية المرشدين إلى طرق الوعظ والخطابة": وهو مقرر للدراسة في كلية أصول الدين: (قسم إجازة الوعظ والإرشاد).
٣ - "الإبداع في مضار الابتداع": وهو مقرر في كلية أصول الدين.
٤ - "الخطابة": (لم يطبع) طبع مختصر له في (١٠٠) صفحة.
خاتمة:
وهكذا كان الفقيد الكريم شعلة من نور وعلم، تفرقت أشعتها في كل ناحية من نواحى الأمة، فكانت السراج الذى يهتدى به المهتدون.
1 / 10
كان ﵀ يرى أن العلم ثروة وزكاتها الوعظ والإرشاد ليكون علمًا مباركًا طيبًا يزيده الله من فضله.
ولقد كان واعظًا بسمته وهيئته ووقاره ووقفته ومشيته قبل أن يكون واعظًا بقوله ومنطقه، فكان في ذلك مصداقًا لقول رسول الله ﷺ: "خياركم من تذكركم باللَّه رؤيته، ويزيد في عملكم منطقه، ويرغبكم في الآخرة عمله" رواه الترمذى عن ابن عمر ﵄.
رحم الله الفقيد الجليل، وأحله مقامه بين الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.
* * *
1 / 11
مقدمة الكتاب
في أَخبار الصَّادِق الْمَصْدُوق بغُربة الدِّين والحث على التَّمَسُّك بالكتاب والسُّنَّة
روى مسلم عن أبى هريرة ﵁، والنسائى عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي ﷺ قال: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء". روايات الحديث: بدأ بالفعل المبنى للفاعل وضبطه الإمام النووى بالهمز بناء على الرواية وهو من البدء بمعنى الابتداء، وكان غريبًا لسبق الكفر عليه وإنكار الكفرة له، وسيعود غريبًا: أي لغلبة الجهالة وكثرة الضلالة فكان في الزمان الأول كالغريب لا يعرفه أحد، ومتى تركه أهله وانصرفوا عنه عادت له الغربة. أو أن أهل الدين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس ويقاطعونهم، وكان حالهم مع أقاربهم أسوأ من حالهم مع الأجانب وسيكونون كذلك في آخر الزمان، فطوبى - أي الجنة - لأولئك الذين كانوا في أول الإسلام ويكونون في آخره بما صبروا على أذى الكفار والفجار وتمسكهم بدين الإسلام، ورواه الطبرانى وأبو نصر في "الإبانة" عن عبد الرحمن بن سنة بلفظ: "إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا فطوبى للغرباء" قيل: يا رسول اللَّه وما الغرباء؟ قال: "الذين يصلحون عند فساد الناس" (^١)، وفى رواية أنه سُئل عن الغرباء؟ فقال: "الذين يحيون ما أمات الناس من سنتى" (^٢). وجملة المقصود منه قد علم بالمشاهدة في أول الإسلام وآخره.
وبيان ذلك مفصلًا أن الله تعالى بعث النبي صلوات الله وسلامه عليه على حين فترة من الرسل وفى جاهلية جهلاء، لا تعرف من الحق رسمًا، ولا تقيم
(^١) أي أنهم صلحاء عاملون بالكتاب والسنة في زمان فساد الناس بعدم العمل بهما.
(^٢) وفى رواية قالوا: يا رسول الله، كيف يكون غريبًا كما يقال للرجل في حى كذا وكذا أنه لغريب؟
1 / 12