وبالجملة؛ فلا خلاف في وجوب الخروج من دار الكفر، واللّحاق بدار المسلمين (١) .
(١) قد اتفق الفقهاء على وجوب الهجرة من ديار الكفار إلى ديار المسلمين في حالة خوف الافتتان في الدين؛ فتجب الهجرة حين لايجد المسلم مستقرًا لدينه في أرضٍ يفتتن فيها ويمْتَحَنُ في دينه، فلم يَعُد في وُسعهِ إظهار ما كلَّفه الله به من أحكامٍ شرعية، خشية أن يُفتن في نفسه من بلاءٍ يقع عليه، أو مسِّ أذىً يصيبه في بدنه، فينقلب على عقبيه.
قال الإمام النووي في «روضة الطالبين» (١٠/٢٨٢): «المسلم إذا كان ضعيفًا في دار الكفر، لا يقدر على إظهار الدِّين حَرُمَ عليه الإقامة هناك، وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام ...» . اهـ.
وحين يجد المسلم موضِعًا -داخل القطر الذي يعيش فيه- يَأمنُ فيه على نفسه ودينه وأهله، وينْأى فيه عن الفتنة التي حلَّت به في مدينته، أو في قريته، فعليه -إن استطاع- أن يهاجر إلى ذلك المكان داخل قطْره نفسه، وهذا أولىَ -وبلا شك- من أن يهاجر إلى خارج قطره، إذ يكون أقرب إلى بلده ليُسرع بالرجوع إليه بعد زوال السَّبب الذي من أجله هاجر.
وقد هاجر أشرف إنسان وأعظمه محمدٌ ﷺ، من أشرف بقعة وأعظمها؛ مكة المكرمة، وكل إنسان -منذ خلق الناس إلى الساعة-، دون محمد ﷺ؛ منزلةً، وكل بقاع الأرض، دونها؛ شرفًا وقُدسيةً.
والهجرة كما أنها مشروعة من قُطر إلى قُطر، فهي مشروعة من قرية أو من مدينة إلى قرية أو مدينةٍ داخل القطر نفسه، والمهاجرُ يعرف من نفسه ما لا يعرفه منه غيره.
والهجرة من قُطر إلى قُطر لا تشرع إلا بدواعيها وأسبابها، ومن أعظم هذه الأسباب: أن تكون الهجرة للإعداد واتخاذ الأهبة التي أمر الله بها ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ...﴾؛ لإجلاء الأعداء عن أرضٍ من أرضِ المسلمين، وتخليصها من أيديهم؛ ليعود إليها حكم الإسلام كما كان من قبل.
فالهجرة -إذن- من الإعداد الذي أمر الله به وحضَّ عليه، ومن أبطأ فيها -وقد تهيأت أسبابها ودواعيها- فقد عصى الله، ونأى بجانبه عن أمره.
فإن علم المسلم -أو المسلمون- أنهم ببقاءهم في ديارهم يزدادون وهنًا إلى وهن، وضعفًا إلى ضعف، وأنهم إن هاجروا ذهب الوهن عنهم، وزال الضعف منهم، وبقوا -بعد علمهم هذا- ولم يهاجروا -إن استطاعوا-؛ فهم آثمون عاصون أمر الله، وربما عوقبوا بمعصيتهم هذه عقوبة أعظمَ وأشدَّ نُكرًا، تتلاشى فيها شخصيتهم، وتغيبُ معها صورتهم، وتضل بها عقيدتهم، ثم لا يجدون لهم من دون الله وليًا ولا نصيرًا. =
1 / 67
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.