فهنالك لا يدخلُ فيه هؤلاء الأصناف الذين ذكر ابن عبد البر؛ لضعفهم؛ وقلَّة المؤنة في قتلهم، فلا يكون السَّلَبُ لقاتلهم على هذا الوجه عند من رآه، والله أعلم.
* مسألة:
اعترض من لم يَرَ السَّلَبَ يجب للقاتل حُكْمًا مشروعًا ومِلْكًا مختصًا، بأن قالوا: لو كان ذلك كذلك للقاتل؛ لكانت الأسلاب في الغنائم -إذا لم يُعرف قاتلوا أهلها- مُوقَفَةً كاللقطَة، ولم يكن فيها حقٌّ للغانمين في القسم، وهذا لا يلزم؛ لوجهين:
أحدهما: ما ذكره أبو محمد بن حزم (١)، قال: «إنَّ كلَّ مال لا يُعرف صاحبه؛ فهو في مصالح المسلمين، وكلَّ سلَبٍ لا (٢) تقوم
لقاتِلهِ بيِّنةٌ؛ فهو في جملة الغنيمة، بحكم رسول الله ﷺ» .
قلت: والوجه الثاني: إنَّ مستحقَّ السَّلَبِ وإن لم يُعرف بعينهِ، فهو من جملة الجيش بيقين، فلو وقف ذلك، أو صُرِف في مصالح المسلمين غيرهم، لكان قد صُرف حقُّ القاتل إلى غيره بيقين، مع إمكان التوصُّلِ إليه، وليس وجه القضاء في ذلك إلاَّ قسمه في سائر الجيش؛ لأنه مُنحصرٌ فيهم، وغيرُ متميزٍ عنهم، كالشيء يكون في أيدي المتداعين من غير بيِّنةٍ (٣)، ولا يخلوا هذا الوجه من اعتراض عليه، والأول أصح؛ ولأنه -أيضًا- إجماع.
(١) في «المحلَّى» (٧/٣٤٠)، وقد نقل الاعتراض السابق في مَعْرِض كلامه في هذه المسألة.
(٢) «لا» سقطت من المنسوخ، ومطموسه في الأصل والسياق يقتضي وجودها، وهي في «المحلَّى» .
(٣) ذكر العز بن عبد السلام في كتابه «قواعد الأحكام» (٢/١٧١) أن قتل الكفار يقترن به استحقاق الأسلاب، فتعقّبه السِّراج البلقيني في كتابه «الفوائد الجسام» (رقم ٤٩٤- بترقيمي)، فقال:
«يقال عليه: لا يكفي في استحقاق الأسلاب مجرد القتل، بل لا بدّ مع ذلك من كون القاتل له بينة، لقول النبي ﷺ: «من قتل قتيلًا له عليه بينة؛ فله سلبه»، لا يقال البينة كاشفة أنه استحق بالقتل؛ لأنها لو كانت كاشفة هنا؛ لأدّى ذلك إلى تحريم الغنيمة التي هي من أحل الحلال إذا لم تكن بيّنة، قال شيخنا أدام الله النفع بفوائده: وإلى هذا أشار ابن أصبغ من المالكية في كتابه: «الإنجاد في الجهاد»» .
1 / 487
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.