واستدلَّ من رأى أنّ الزيادة على ذلك ممنوعة، بأن الله -تعالى- فرض قتال الكفار، فوجب القيام بذلك، فلمَّا هادن رسول الله ﷺ مشركي أهل مكة، كانت تلك المدة مع العُذر الموجود أقصى ما يجوز في ذلك (١) .
وفرَّق الشافعي في السبب الموجب للهدنة، فرأى أن ما كان سبب الموادعة فيه تألف المشركين، رجاء أن يسلموا، أو يعطوا الجزية، ونحو ذلك من أنواع المصلحة التي من غير ضعفٍ بالمسلمين عنهم، فأقصى مدة ذلك أربعة أشهر، لا تزيد عليها، على أصحِّ القولين عندهم (٢)، وفي القول الثاني: يجوز فيما دون السَّنَة.
فدليل الأول: ما جعله الله أَجلًا للمشركين في سورة (براءة) لمثل ذلك، وذلك قوله -سبحانه-: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، ووجه الثاني، قالوا: لأن السَّنة مدة الجزية، فلا يُسامح فيها إلا بمال، وأما إن كان سبب المهادنة عنده الضعف بالمسلمين، والعجز عن مقاومة عدوهم، فيجوز ما بينه وبين عشرة أعوام؛ للدليل الذي تقدم ذكره في مدة صلح أهل مكة (٣) .
فصلٌ
الصلح على المهادنة، والموادعة، يقع على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يكون مهادنة من الفريقين دون ذكر المال، فذلك جائز في موضع العُذر وطلب المصالح للمسلمين؛ لأن مهادنة النبي ﷺ مشركي مكة عام الحديبية كانت كذلك من غير مال.
والثاني: أن تكون على مالٍ يؤديه الكفار، وذلك -أيضًا- جائز؛ لأن أخذ المال منهم على ذلك صَغارٌ لهم، وليس هو من سبيل الجزية في شيء؛ لأن حكم الجزية أن يكونوا بحيث يستولي عليهم نظر المسلمين وسلطانهم، ويستوجبون هم
(١) وقال ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣١٢): وبه أقول.
(٢) نحوه في «الأم» للإمام الشافعي (٤/٢٠١)، ونقله عنه ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٣٣) .
(٣) انظر: «الأوسط» (١١/٣١٣) .
1 / 331
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.