واختلفوا -أيضًا- في المهادنة: هل يجوز عقدها لغير مُدّة؟ فقيل: يجوز، وهو ظاهر مذهب مالك (١)، وقيل: لا تجوز المهادنة إلا إلى مدة (٢)؛ لأن عقد ذلك إلى غير مدة يوجب الكفَّ عنهم على الدوام، وذلك لا يجوز؛ لأن قتالهم متى قُدر عليه فهو يجب، حتى يسلموا، أو يؤدوا الجزية إن كانوا من أهلها، وهو قول الشافعي (٣) .
ثم اختلف في المدة، فقيل: ذلك راجع إلى ما تدعو الضرورة إليه في مصالح أهل الإسلام من غير حدٍّ، وقيل: بل لأكثرها حدٌّ لا يتعدى، وذلك أقصى ما رُوي في المدة التي صالح رسول الله ﷺ عليها المشركين من قريشٍ عام الحديبية. واختلف في قدرها، فقيل: أربعة أعوام (٤)، وقيل: عشرة أعوام، وهو المنقول في السير وأكثر الآثار (٥) .
= «تفسير ابن كثير» (٢/٢٣٥)، «فتح الباري» (٦/٢٧٥-٢٧٦)، «أحكام أهل الذمة» (٢/٤٨٢)، «نيل الأوطار» (٨/٥٧)، «الجهاد والقتال في السياسة الشرعية» (٣/١٤٨٠- وما بعدها) .
(١) والمدة عند المالكية لا تَتَعيَّن، بل هي موكولة إلى اجتهاد الإمام، وما يراه الأصلح في حال عقد المهادنة من الإطالة أو عدمها.
قال ابن عبد البر في «الكافي» (١/٤٦٩): «ويستحبُّ ألا تكون مدة المهادنة أكثر من أربعة أشهر، إلا مع العجز» .
(٤) ذكر ابن المنذر في «الأوسط» (١١/٣٣٢) في ذلك خبرًا، فيه ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، أن قريشًا هادنت رسول الله ﷺ وصالحته على سنين أربع.
وابن لهيعة معروف حاله، مع الإرسال الذي فيه.
(٥) انظر جُلّ الكلام السابق، ابتداءًا من قوله: «واختلفوا في القدر المبيح لذلك ...»، في: =
1 / 329
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.