الخاص، ومنعه في العام، وقال فيه: «إلا أن يكونوا يوم هادنوا قد اشترطوا ذلك»، فأجازه إذا وقع العقد عليه؛ لأنَّ العهد لم يتناولهم إلا على ذلك، فلم يكن فيه إخلال بشيءٍ ثبت لهم في عقد الأمان. وقد رَوَى ابن القاسم عن مالك في «المدونة» (١) ما يخالف بعض ما في هذه الرواية، فقال: إذا كان الأصل في الهُدنة مثل السنة والسنتين فجائز أن يشتروا منهم أولادهم ونساءهم.
فأقول: قد لا يخالف شيء من ذلك القانون الذي أشرنا إليه، أما الرواية الأولى، فراعَى في ذلك ما ينافي معنى العقد في الهدنة الواقعة مطلقًا، من غير التفاتٍ إلى تأثير طول مدة الهدنة أو قصرها. أما الرواية الأخرى، فكأنه رأى فيها قصر المدة في الهدنة دليلًا على رفض الاستنامة إليها، وترك الاعتداد بالموادعة العارضة فيها، فلم يتضمن مراعاة حفظ المصالح على الإطلاق في الحال والمآل، وتوقّي ما يقدح في عواقب الأحوال، فكان للمدة القريبة في ذلك حكم الخصوص. هذا وجه هذه الرواية عندي، والرواية الأولى في التسوية؛ فتسوية المدة البعيدة والقريبة في ذلك أرجح، والله أعلم.
وقال الأوزاعي (٢) في مصالحة الإمام أهل الحرب: «لا بأس أن يصالحهم على عدد سَبْيٍ يؤدونهم إلى المسلمين، قيل له: فإن كانت تلك الرؤوس والسبي من أبنائهم وأحرارهم يبعث بهم ملكهم إليهم؟، قال: لا بأس به، ولا يضره، من أحرارهم كان ذلك أو من غيرهم، إذا كان ذلك الصلح ليس بصلح ذمة وخراج، يقاتل من ورائهم، وتجري عليهم أحكام المسلمين، فلا بأس بذلك» .
وقال أحمد في أهل الذمة يصالحون أهل الإسلام على ألف رأسٍ كل سنة،
(١) انظر: «المدونة» (٣/٢٩٩- ط. دار الكتب العلمية) .
(٢) انظر: «اختلاف الفقهاء» للطبري (ص ١٤)، «الأوسط» (١١/٣٣٥-٣٣٦) -وقد نقل المصنف هذا الكلام والذي بعده منه-، «فتح الباري» (٦/١٧٣)، «عمدة القاري» (١٥/٩٧)، «فقه الإمام الأوزاعي» (٢/٤٢١) .
1 / 324
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.