يحل له الإقامة مع الكفَّار، مع إمكان الفرار، وفيها قولٌ ثانٍ للمخزومي (١) وابن الماجشون: أنَّ له أن يهرب ويأخذ من أموالهم ما قدر عليه، ويقتل إن قدر، وإن ائتمنوه ووثقوا به واستحلفوه، فهو في فسحةٍ من ذلك كله، ولا حنث عليه في يمينه؛ لأن أصل أمره الإكراه، فهذا القول منصوصٌ فيه على توجيهه: وهو
مراعاة الإكراه؛ لأن الأسير مغلوبٌ، لا يملك من أمره شيئًا، فهو مكره لم يُعط ذلك عن اختياره، والمُكْره في سَعَةٍ مما أُكره عليه، فذلك هو العلة عندهم في استباحة ما رأوه مباحًا له. فأما قولهم في إباحة الهروب له فظاهر؛ لأنه واجبٌ عليه أن لا يقيم معهم، ولا وفاء بمعصية، وأما إباحة ما وراء ذلك من أموالهم، ودمائهم، بعد أن أخذوا عهده، واستحلفوه: فباطل، والوفاء عليه: واجب؛ لأنه لا ضرورة إلى ذلك، ولا حجَّة في أنه كالمكره على إعطاء العهد (٢) .
خرَّج مسلم (٣) عن حذيفة بن اليمان قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلاّ أني خرجت أنا وأبي حُسيل (٤)، قال: فأخذنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا؟ فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة، فأخذوا مِنَّا عهد الله وميثاقه: لننصرفنَّ إلى المدينة، ولا نُقاتل معه، فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: «انصرفا، نفي لهم بِعهْدِهم، ونستعين بالله عليهم» . فهذا نصٌّ في لزوم الوفاء بالعهد في مثل ذلك، وإن لم يكن مختارًا.
قال الشافعي (٥): «إذا أمَّنوه؛ فأمانهم إياه: أمانٌ لهم منه، وليس له أن يغتالهم،
(١) في «المبسوطة»، أفاده ابن رشد في «البيان والتحصيل» (٢/٦٠٤) .
(٣) في «صحيحه» في كتاب الجهاد والسير (باب الوفاء بالعهد) (٩٨) (١٧٨٧) .
(٤) ويقال: حَسْل. وهو والد حذيفة. المعروف بـ: اليمان. انظر: «الاستيعاب» لابن عبد البر (٣٥١)، «الإصابة» (٢/٧٤-ط. دار الجيل)، وضُبطت في الأصل والمنسوخ: «حُسَّرًا» .
(٥) في «الأم» (٤/٢٩٢-ط. دار الفكر) . وانظر: «مختصر المزني» (ص ٢٧٥)، «منهاج الطالبين» (٣/٢٨٣-٢٨٤)، «روضة الطالبين» (١٠/٢٨٢) .
1 / 317
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.