أمّاَ من ذهب إلى أن فرض الجهاد إنما كان على الصحابة، فلا مستند له، فإن (٢) زعم أنّ الخطابَ بإيجاب القتال والوعيدَ عليه والتشديدَ فيه إنما هو بصيغة المواجهة، واختصاص الحاضرين، كقوله -تعالى-: ﴿انْفِرُواْ﴾ و﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وما أشبه ذلك، لم يكن ذلك دليلًا؛ لأن عُرْفَ الشَّرْعِ المقطوعَ عليه في ذلك وأمثاله: أنه لهم ولمن بعدهم، إلاّ أن يُبين أنّه شيءٌ اختُصَّ به بعض المكلفين دون بعض. قال الله
وأيضًا، فيقال لمدَّعي ذلك: فيلزم أن كلَّ إيجابٍ أو حظْرٍ وردَ في القرآن،
أو في السنة على صيغة مثله أن يكون ذلك مخصوصًا بالصحابة، كقوله -تعالى-: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، و﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، و﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، ولعلَّ أكثر الشرع على ذلك، وفي هذا ما لا خفاء به.
وأيضًا، فالأخبار عن رسول الله ﷺ دالةٌ على بقاء ذلك إلى يوم القيامة.
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» (١٨٣٤، ٢٧٨٣، ٢٨٢٥، ٣٠٧٧، ٣١٨٩)، ومسلم في «صحيحه» (١٣٥٣) من حديث ابن عباس ﵄.
وأخرجه البخاري (٣٠٨٠، ٣٨٩٩، ٤٣١١)، ومسلم (١٨٦٤) من حديث عائشة ﵂.
وأخرجه أبو داود في «سننه» في كتاب الجهاد (باب في الهجرة: هل انقطعت؟) (رقم ٢٤٨٠) .
وورد نحوه عن صفوان بن أمية؛ أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» (٢٣٥٢)، والنسائي (٧/١٤٥-١٤٦)، وأحمد (٣/٤٠١، ٤٦٥، ٤٦٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٩/١٦-١٧)، والطبراني في «الكبير» (١١/١٨/رقم ١٠٨٩٨) .
ونحوه -أيضًا- عن غزية بن الحارث. وانظر: «كتاب الجهاد» لابن أبي عاصم (٢٦١، ٢٦٢، ٢٦٣) .
(٢) في الأصل والمنسوخ: «إن» .
1 / 31
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.