سبيًا من سَبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العُزْبة، وأحببنَا الفداء، فأردنا أن نَعْزِلَ، فقُلنا: نَعْزِلُ، ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله؟، فسألناه عن ذلك فقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا، ما مِنْ نَسَمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلاَّ وهي كائنة» .
ووجه ما ذهب إليه من مَنع في الجميع -كما يقول أبو حنيفة- (١) هو ما زعم
من أنَّ في ردِّهم إليهم تقويةً للعدو، وكأنه يرى الفداء مَنسوخًا، وقد تقدَّم الرد على هذا المذهب (٢) .
ووجهُ من منع فداء الرجال بالمال خاصةً، حملُ مدلول الفداء في الآية على المفاداة بالمسلمين؛ لأن ذلك مما لا يُختلفُ في أنه يتناوله اللفظُ؛ فأمَّا فديةُ المال فلا دليل على أنَّه مرادٌ في اللَّفظ؛ لأن ظاهر الفداءِ والمفاداةِ في اللُّغة للمعنى الأول من حيثُ هو مصدر فَاعَلَ، وهو يكون غالبًا فعلَ اثنين يتساويان فيه على حَدٍّ، فظاهر مدلول الفداء يقتضي أن يوجدَ في كل جانبٍ أسيرٌ يُفْدَى ويُفْدَى به، كالقتال والسِّباب ونحو ذلك، وحملوا ما وقع من فِدْيةِ المال في أسارى بدرٍ على وجوه من التعليل، من ذلك قول بعضهم: إنَّ النبي ﷺ كان عَلِمَ بإعلام الله -تعالى- إيَّاه أنه سيظهر عليهم بَعْدُ، فكان في قبولِ الفِدْية مصلحةٌ للمسلمين وتَعجيلُ نَفْعٍ، وتقويةٌ على عدوهم، ثم كأنهم بَعْدُ في حُكْمِ المأسورين بما وَعَدَ من الظهور عليهم، وفي هذا التأويل إبعادٌ، والقولُ بجواز ذلك أرجح، إلا أن يعرض في شخصٍ ما أو حالٍ أو وقتٍ أمرٌ، يكون في فِعْلِ ذلك معه ضَررٌ للمسلمين؛ إمَّا لأن الشخصَ المُفْدَى ذو دهاءٍ ومكرٍ وانتهاضٍ بالحرب، أو لأنَّ في عدد الأسرى المرجوعين إليهم من الكثرة ما يُتَّقى في ذلك الوقت من عائدته على المسلمين، وما أشبه ذلك، فيمنع بحسب العارض، لا أنه محظورٌ في الأصل، والله أعلم.
(١) انظر: «الأم» (٧/٣٦٧)، «البناية» (٥/٦٩١)، «البحر الرائق» (٥/١٤٠)، «المبسوط» (١٠/١٣٨)، «الأوسط» (١١/٢٠٧)، وهو قول أبي يوسف القاضي.
(٢) انظر: «الأم» (٧/٣٦٨)، و«الأوسط» (١١/٢٠٨) .
1 / 272
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.