اثنين إذا كانا على منكر، وله أن يَفِرَّ من أكثر منهما.
وأما الموضع الثاني الذي اختلفوا فيه من هذا الفصل؛ وهو اعتبار الضِّعف، هل يرجع إلى العَدَد أو إلى القوة؟ فقول أكثر أهل العلم أنه في العدد،
واحدٌ لاثْنين، فيلزم المسلمين الثبوتُ لمثلي عددهم من الكفَّار، وإن كانوا أقوى في السلاح والشِّدَّة والجَلَد، وهو المرويُّ عن مالكٍ (١)، وغيره من أهل العلم (٢)،
= عنده في حكم الجهاد، لجامع ما بينهما من إعلاء كلمة الحق، وإخماد كلمة الباطل» .
وقال معلِّقًا على حديث الباب عند البخاري (٨/٣١٣): «واستدل بهذا الحديث على وجوب ثبات الواحد المسلم إذا قاوم رجلين من الكفار وتحريم الفرار عليه منهما، سواء طلباه أو طلبهما، سواء وقع ذلك وهو واقف في الصف مع العسكر أو لم يكن هناك عسكر، وهذا هو ظاهر تفسير ابن عباس، ورجحه ابن الصباغ من الشافعية، وهو المعتمد لوجود نص الشافعي عليه في «الرسالة» الجديدة رواية الربيع ولفظه، ومن نسخة عليها خط الربيع نقلت، قال بعد أن ذكر آيات في كتابه: أنه وضع عنهم أن يقوم الواحد بقتال العشرة، وأثبت عليهم أن يقوم الواحد بقتال الاثنين، ثم ذكر حديث ابن عباس المذكور في الباب، وساق الكلام عليه، لكن المنفرد لو طلباه وهو على غير أهبة، جاز له التولي عنهما جزمًا، وإن طلبهما فهل يحرم؟ وجهان: أصحهما عند المتأخرين: لا، لكن ظاهر هذه الآثار المتضافرة عن ابن عباس يأباه، وهو ترجمان القرآن، وأعرف الناس بالمراد، لكن يحتمل أن يكون ما أطلقه إنما هو في صورة ما إذا قاوم الواحد المسلم من جملة الصف في عسكر المسلمين اثنين من الكفار، أما المنفرد وحده بغير العسكر: فلا؛ لأن الجهاد إنما عهد بالجماعة دون الشخص المنفرد، وهذا فيه نظر، فقد أرسل النبي ﷺ بعض أصحابه سرية وحده. وقد استوعب الطبري وابن مردويه طرق هذا الحديث عن ابن عباس، وفي غالبهما التصريح بمنع تولي الواحد عن الاثنين، واستدل ابن عباس في بعضها بقوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، وبقوله -تعالى-: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ﴾ [النساء: ٨٤]» .
(١) انظر: «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد القيرواني (٣/٥٠)، و«الذخيرة» (٣/٤١٠)، و«البيان والتحصيل» (١٧/٣٠) .
(٢) قاله الحنفية بقيد يأتي تنبيه المصنف عليه. انظر: «شرح السير الكبير» (١/٨٩)، «أحكام القرآن» (٤/٢٢٧) للجصاص، «الفتاوى الهندية» (٢/١٩٣)، والحنابلة، انظر: «كشاف القناع» (٢/ ٣٧٤) .
1 / 214
مقدمة المصنف
الباب الأول: في حد الجهاد ووجوبه، وتفصيل أحكامه: من فرض على الأعيان، وعلى الكفاية، ونفل، وصفة من يجب ذلك عليه، وهل تجب الهجرة؟
الباب الثاني في فضل الجهاد والرباط والنفقة في سبيل الله، وما جاء في طلب الشهادة، وأجر الشهداء
الباب الثالث في شرط صحة الجهاد وما يحق فيه من طاعة الإمام، ومياسرة الرفقاء، وما جاء في آداب الحرب، والأمر بالدعوة قبل القتال
الباب الرابع: في وجوب الثبوت والصبر عند اللقاء، وحكم المبارزة، وما يحرم من الإنهزام، وهل يباح الفرار إذا كثر عدد الكفار؟
الباب الخامس: فيما يجب، وما يجوز أو يحرم من النكاية في العدو، والنيل منهم، ومعرفة أحكام الأسرى والتصرف فيهم.
الباب السادس: في الأمان وحكمه، وما يلزم من الوفاء به، والفرق بينه وبين مواقع الخديعة في الحرب، وهل تجوز المهادنة والصلح؟
الباب السابع في الغنائم وأحكامها، ووجه القسم، ومن يستحق الإسهام، وبم يستحق، وسهمان الخيل، وما جاء في الغلول
الباب الثامن في النفل والسلب، وأحكام الفيء والخمس، ووجوه مصارفهما، وتفصيل أحكام الأموال المستولى عليها من الكفار
الباب التاسع في الجزية، وشرط قبولها، وممن يحق أن تقبل من أصناف الكفر، ومقاديرها، وما لأهلها وعليهم
الباب العاشر: في المرتدين والمحاربين، وقتال أهل البغي، وتفصيل أحكامهم، وذكر ما يتعلق بجناياتهم، ويلزم من عقوباتهم.