Ibn Qayyim al-Jawziyyah and His Contributions to the Hadith and Its Sciences
ابن قيم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها
ناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية،المدينة المنورة
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م
پبلشر کا مقام
المملكة العربية السعودية
المجلد الأول
مقدمة
...
ابن قَيِّم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها
تأليف: د. جمال بن محمد السيد
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [عمران:١٠٢] .
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١] .
أما بعد: فإن الله ﷿ أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على جميع الأديان، وَأَيَّدَهُ بالحجج القاهرة والمعجزات الظاهرة التي من أعظمها معجزة القرآن، وَتَكَفَّلَ - سبحانه - بحفظ هذا الكتاب الكريم
1 / 9
حتى تقوم حجته على الثقلين من الإنس والجان، وأسند إلى نبيه ﷺ مهمة التبليغ للقرآن والبيان، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
فَقَامَ ﷺ بهذه المهمة أحسن قيام، وَنَصَحَ للخلق وأرشدهم إلى الطريق الموصلة إلى طاعة الرحمن، وَحَذَّرَهُم من سلوك سبل الغِوَايَة والخسران، فقامت به الحجة، وتمت به النعمة والمنة، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .
وقد كان بيانه ﷺ وَسُنَّتُهُ وحيًا من الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣، ٤]، فالله عزوجل قد أرسله بالكتاب والسنة جميعًا، كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِه﴾ [البقرة:٢٣١] . فالحكمة: هي السُّنَّةُ المبينةُ على لسان رسول الله ﷺ مرادَ الله ﷿ بما لم ينص عليه في الكتاب١.
وقال ﷺ: "ألا إني أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ.." ٢.
فَدَلَّ ذلك على أنه أوتي السُّنَّةَ كما أوتي القرآن، وأن الكتابَ والسنةَ قرينان لا ينفصلان، وبذلك تكون السنةُ داخلةً في الوعد الذي
١ انظر: الجامع لأحكام القرآن: (٣/١٥٧)، وتفسير القرآن العظيم: (١/٢٨١) .
٢ وهو من حديث المقدام بن معد يكرب، وسيأتي تخريجه في ص (٣٢٦) .
1 / 10
قطعه الله على نفسه بحفظ هذا الذكر، حيث قال سبحانه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ١.
وكان من مظاهر حفظ الله سبحانه لسنة نبيه ﷺ: أن هيأ لها خير قرون هذه الأمة، فتلقوها عنه ﷺ، وحفظوها في صدورهم، "وألقوا إلى التابعين ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصًا صافيًا، وكان سندهم فيه - عن نبيهم ﷺ، عن جبريل، عن رب العالمين - سندًا صحيحًا عاليًا، وقالوا: هذا عهدُ نَبِيِّنَا إلينا، وقد عَهِدْنَا إليكم، وهذه وصيةُ رَبِّنَا وفرضُهُ علينا، وهي وَصِيَّتُهُ وفرضه عليكم. فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم ... ثم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد ... "٢.
ومع مرور الأيام، وتعاقب الأزمان، دخل في هذا الشأن من ليس من أهله، فوقع الوهم والغلط في الرواية، بل وظهر الكذب على النبي ﷺ.
فحينئذٍ أقام الله سبحانه طائفة من الأئمة الحفاظ، فاجتهدوا في جمع الأحاديث والآثار في الصحاح، والمسانيد، والسنن، والجوامع، والمعاجم، وغيرها؛ فلم ينقض القرن الرابع الهجري إلا وقد استوعبت مصنفاتهم أحاديث رسول الله ﷺ وآثار أصحابه، ومن بعدهم من التابعين وأتباعهم، كما صنفت كتب الجرح والتعديل وبيان أحوال الرواة، فَعُرِفَ الثقة الثبت من المجروح العليل، مما مَكَّنَهُم من النظر في أسانيد الأحاديث والآثار، وتمييز الصحيح من الضعيف والسليم من المعلول من تلك
١ وسيأتي - عن ابن القَيِّم وغيره - مزيد كلام على دخول السنة في الذكر الذي تكفل الله بحفظه. انظر ص: (٣٢٦ - ٣٢٩) .
٢ إعلام الموقعين: (١/٦) .
1 / 11
الأخبار، وهم مستمرون على ذلك على مر الدهور والأعوام، وحتى قيام الساعة إن شاء الله؛ فإن الله سبحانه يقيِّض في كل زمان وعصر وفي كل قُطْرٍ ومصر من العلماء الْمُبَرِّزين من يَذُبُّ عن سنته ﷺ، ويحمي حوزة الدين من كل مُبْتَدَعٍ ودخيل، وهم ظاهرون على الحق، قائمون بأمر الله "لا يَضُرُّهُم من خَذَلَهُم أو خَالَفَهُم حتى يأتيَ أمر الله وهم ظاهرون على النَّاس" ١.
ومن أولئك الأعلام الأفذاذ: الإمام العلامة، ناصر السنة، وقامع البدعة، شمس الدين بن قَيِّم الجوزية ﵀، فقد كان شوكة في حلوق المنحرفين والمبتدعين، وحربًا على المتعصبين والمقلدين، وذلك بدعوته للتمسك بسنة سيد المرسلين، ونبذ ما سوى ذلك من بدع المبتدعين.
فَنَصَرَ اللهُ به السُّنَّةَ المحمدية، وأحيا به الطريقة السَّلفيَّة، وقمع به كثيرًا من الطرق البدعية، والانحرافات العقدية.
فقد عاش ﵀ حياته مجاهدًا بلسانه وقلمه في سبيل تحقيق هذه الغاية الجليلة، لا يخشى في الله ملامة اللائمين، ولا يصده عن مواصلة جهاده كثرة الشانئين والحاقدين، حتى لقي الله على ذلك.
وكانت حياته العلمية ﵀ حافلة بالبذل والعطاء في كل فن من فنون الشريعة الإسلامية، فلم يدع منها بابًا إلا طرقه، ولا سيما الحديث وعلومه، حيث إن دعوته قامت - في المقام الأول - على
١ أخرجه مسلم في صحيحه: (٣/١٥٢٤) ح ١٩٢٣ (١٧٤) ك الإمارة، باب قوله: ﷺ "لا تزال طائفة من أمتي ... " من حديث معاوية. وسيأتي مزيد كلام عن حفظ الله لدينه بجهود هذه الطائفة (انظر ص: ٣٢٧ - ٣٢٩) .
1 / 12
نصوص الكتاب، وما ثبت من السنة، فبذل لأجل ذلك جهدًا مشكورًا في العناية بالحديث، وتمييز صحيحه من سقيمه، وبيان الأحاديث الموضوعة التي اعتمد عليها أهل التعصب وأرباب البدع في ترويج باطلهم، فوقف لهم بالمرصاد، يفضح أمرهم، ويكشف كذبهم.
وقد وُجدت له - في أثناء ذلك - مشاركات قيمة، وأقوال نافعة في قواعد الحديث وأصوله، كما وجدت له أحكام موفقة في نقد الرجال وبيان أحوالهم جرحًا وتعديلًا.
ولما كانت جهود ابن القَيِّم ﵀ في خدمة هذا الدين على درجة كبيرة من الأهمية، وكانت علومه وآثاره تحظى - لدى الموافق والمخالف - بمكانة عَلِيَّة: كان ﵀ جديرًا بأن تتجه إليه جهود الدارسين والباحثين، ترجمةً لحياته، وإبرازًا لجوانب مهمة في شخصيته، وإحصاءً لآثاره، وتقريبًا لفقهه، وجمعًا لإفاداته المهمة في كل فن، واستخلاصًا لأفكار ومبادئ تربوية هادفة من كتبه، إلى غير ذلك من جوانب مهمة طالتها كتابات الباحثين حول شخصية ابن القَيِّم وعلومه١.
وقد كانت لدي رغبة قوية في إبراز شيء من جهد ابن القَيِّم في الحديث وعلومه، وبخاصة بعد أن وقفت على تلك البحوث القيمة - في الحديث وعلومه - في كتابيه: (الفروسية)، (وتهذيب السنن)، وذلك
١ وسيأتي ذكر طرف من هذه الدراسات والبحوث المهمة حول ابن القَيِّم ﵀. انظر ص (٣٥ - ٣٧) .
1 / 13
حينما قرأنا دروسًا من الكتابين في السنة المنهجية التحضيرية، بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية شرفها الله.
ولما كنت بصدد تسجيل موضوع لنيل درجة (الدكتوراه)، وجدت الفرصة مناسبة لتحقيق هذه الرغبة، وبعد البحث والتتبع، وسؤال المختصين من مشايخي وأساتذتي وزملائي، علمت أن أحدًا لم يتعرض لهذا الموضوع، ولمست منهم تشجيعًا وتأييدًا للكتابة فيه، فزادت لدي الرغبة - حينئذ - وقويَ العزم على الكتابة في هذا الجانب من حياة هذا الإمام العلم، فتقدمت بهذا الموضوع أطروحة لنيل درجة الدكتوراه في السنة النبوية وعلومها، وكان عنوانه: (ابن قَيِّم الجوزية وجهوده في خدمة السنة النبوية وعلومها) .
وكنت أسعى من خلال الكتابة في هذا الموضوع إلى تحقيق هدفين:
أولهما: بيان مكانة ابن القَيِّم في الحديث وعلومه، وذلك من خلال الكشف عن آرائه وإسهاماته العلمية في هذا الجانب، والقيام بدراستها وتحليلها، ومن ثَمَّ مقارنتها بآراء أئمة هذا الشأن، ليعرف مكان ابن القَيِّم ﵀ بينهم.
ثانيهما: جمع أكبر قدر ممكن من هذه الآراء وتلك الإسهامات من بطون كتبه ومؤلفاته العديدة، وعرضها في ترتيب موضوعي، مما يسهل على طالب هذه الفوائد الوصول إليها، بعد أن كانت منثورة في أماكن متفرقة من كتبه، لا يُهْتَدى إليها إلا بتتبع كل مؤلفاته، والمرور عليها بحثًا بحثًا، ولا يخفى ما في ذلك من صعوبة ومشقة.
1 / 14
وفي ضوء تحديد هذين الهدفين: تبرز قيمة الموضوع، وتتضح أهميته في تقريب جهد ابن القَيِّم في الحديث وعلومه.
وقد قمت - من أجل تحقيق ذلك - بقراءة وجرد كل ما نشر من مؤلفات لابن القَيِّم ﵀، والتي تزيد على ثلاثين كتابًا، تتراوح ما بين كبير في خمس مجلدات كـ (زاد المعاد)، وصغيرٍ ذاتِ وريقات كـ (رسالته إلى أحد إخوانه) وغيرها.
1 / 15
مخطط البحث وأقسامه
وقد جعلت رسالتي هذه في: مقدمة، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
أما المقدمة: فقد ذكرت فيها فكرة عن الموضوع، وأهميته، والهدف منه، وعملي فيه.
وأما الباب الأول: فقد خصصته لدراسة شخصية ابن القَيِّم، وحياته العلمية، ثم مؤلفاته التي تركها، وذلك في فصول أربعة:
الفصل الأول: في الكلام على عصر ابن القَيِّم. وفيه مباحث:
المبحث الأول: الحالة السياسية.
المبحث الثاني: الحالة الدينية.
المبحث الثالث: الحالة الاجتماعية.
المبحث الرابع: الحالة العلمية والثقافية.
الفصل الثاني: في حياة ابن القَيِّم. وفيه مباحث:
المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده.
المبحث الثاني: أسرته ونشأته الأولى.
المبحث الثالث: أخلاقه وصفاته الشخصية.
المبحث الرابع: زهده وعبادته.
المبحث الخامس: نبل أهدافه، ونقاء آرائه.
المبحث السادس: مِحَنُه ووفاته.
1 / 16
الفصل الثالث: في سيرته العلمية. وفيه مباحث:
المبحث الأول: نبوغه وتقدمه في العلم، وشهادة الأئمة له، وثناؤهم عليه.
المبحث الثاني: في ذكر شيوخه.
المبحث الثالث: اهتمامه باقتناء الكتب وذكر مكتبته.
المبحث الرابع: أسفاره ورحلاته.
المبحث الخامس: أعماله العلمية ومناصبه.
المبحث السادس: في ذكر تلاميذه.
الفصل الرابع: في الكلام على مؤلفاته. وفيه مباحث:
المبحث الأول: منهج ابن القَيِّم في التأليف، وخصائص مؤلفاته.
المبحث الثاني: ذكر مؤلفات ابن القَيِّم.
المبحث الثالث: مصادر ابن القَيِّم في مؤلفاته.
المبحث الرابع: دراسة بعض مؤلفات ابن القَيِّم.
الباب الثاني: ويشتمل على آراء ابن القَيِّم ومنهجه في الحديث وعلومه. وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: آراؤه في علوم الحديث. وفيه مباحث:
المبحث الأول: أقسام الخبر.
المبحث الثاني: الحديث الصحيح.
1 / 17
المبحث الثالث: الحديث الحسن.
المبحث الرابع: المرفوع والموقوف.
المبحث الخامس: المرسل.
المبحث السادس: تعارض الوصل والإرسال، أو الوقف والرفع.
المبحث السابع: المنقطع.
المبحث الثامن: التدليس وحكم المدلس.
المبحث التاسع: الشاذ.
المبحث العاشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد.
المبحث الحادي عشر: الموضوع.
المبحث الثاني عشر: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد.
المبحث الثالث عشر: رواية المجهول.
المبحث الرابع عشر: كيفية سماع الحديث وتحمله.
المبحث الخامس عشر: ناسخ الحديث ومنسوخه.
المبحث السادس عشر: مختلف الحديث.
المبحث السابع عشر:معرفة من اختلط من الرواة الثقات.
الفصل الثاني: آراء ابن القَيِّم ومنهجه في الجرح والتعديل. وفيه مبحثان:
المبحث الأول: آراء ابن القَيِّم في الجرح والتعديل. وفيه مطالب:
1 / 18