Human Development from Fetal Stage to Elderly

نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين

ناشر

مكتبة الأنجلو المصرية

ایڈیشن

الرابعة

علاقے
مصر
مقدمة
...
تقديم الطبعة الرابعة:
تصدر الطبعة الرابعة من كتاب "نمو الإنسان من مرحلة الجنين إلى مرحلة المسنين" بعد أن استقبلت طبعاته السابقة بحمد الله وتوفيقه استقبالًا كريمًا طيبًا من الأروقة الأكاديمية في مصر والعالم العربي، وهو ما يحمل من معاني المسئولية أكبر مما يحمل من الشعور بالفخر والاعتزاز.
وهذا الكتاب هو كتابنا المشترك الثاني بعد كتابنا الأول: "علم النفس التربوي"، وإذا كان موضوع هذا الكتاب هو "نمو الإنسان"، فإنه بذلك يعد امتدادًا وتوسيعًا لآفاق كتابنا الأول، فعلم نفس النمو لم يستقل أبدًا عن ميدان علم النفس التربوي مجاله الرحب وأفقه الواسع، فكل بحث في النمو الإنساني وكل دراسة حوله إنما تتم وعين الكاتب وقلب الباحث على طرق تويجه هذا النمو؛ بحيث يتحقق للإنسان في كل مراحل حياته هذا التآلف السعيد بين عالمه الشخصي وعالمه الاجتماعي، وعلماء النفس التربويون هم كتيبة من فيلقٍ عظيم من المتخصصين في العلوم الإنسانية، يسعون جاهدين ليحققوا للإنسان حلمه المنشود.
والكتاب الذي بين يديك هو وصف لأبدع رحلات الإنسان، هذه الرحلة المعجزة التي تبدأ به خلية أحاديث التكوين، ويتحول خلالها إلى جنين، فطفل، فمراهق، فشاب، فراشد، فكهل، ثم إلى شيخ، فهرم فانٍ. هذه الرحلة التي وصفها القرآن الكريم في مواضع كثيرة، والتي تتضمن الكثير من آيات الله ﷾ وسنته في خلقه.
وقد وجَّه تصنيف مراحل النمو في هذا الكتاب تقسيم القرآن الكريم لها.
يقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ . [الروم: ٥٤] .
وقد عبَّر الكتاب عن هذه المراحل الثلاث الكبرى بما نسميه: "المراحل الكبرى" في حياة الإنسان، أو "الأعمال الثلاثة" للإنسان، ومعنى ذلك أن هذا الكتاب لم يلتزم بالتقسيم الشهير لنمو الإنسان، وإنما سار على نحو يتفق مع التقسيم

1 / 5

القرآني إلى مرحلتين للضعف، بينهما مرحلة قوة، هي مرحلة الرشد، والضعف الأول "ضعف الطفولة والصبا والشباب" هو ضعف التحول إلى الرشد، أما الضعف الثاني: "ضعف الشيخوخة والهرم" فهو ضعف التحول عن الرشد.
وقد جاءت الطبعة الرابعة من الكتاب في ستة أبواب. تناول الباب الأول الأسس العامة التي تقوم عليها دراسة النمو الإنساني، ويتألف من خمسة فصول. تناول الفصل الأول طبيعة النمو الإنساني وقضاياه الأساسية، وفي الفصل الثاني: عرض لأصول علم النفس في الغرب، وفي الفصل الثالث: محاولة لتحديد الوجهة الإسلامية لعلم نفس النمو، وتطلَّبَ ذلك السعي البحثَ في النمو الإنساني كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ثم عند فقهاء المسلمين ومفكريهم وفلاسفتهم، ثم بناء نموذج النمو الإسلامي في هذا الإطار الإسلامي الشامل.
وفي الفصل الرابع: عرض لمناهج البحث في النمو الإنساني؛ بدأناه بتوصيف مركز للصلة الوثيقة بين المنهج العلمي في البحث والتصور الإسلامي للمعرفة، ثم تناولنا بشيء من التفصيل والتقويم الطرق المنوعة التي يستخدمها الباحثون المحدثون في هذا الميدان. أما الفصل الخامس: فقد خصصناه للنماذج النظرية للنمو الإنساني، مع التركيز خاصةً على نموذج بياجيه في النمو المعرفي، ونموذ إريكسون في النمو الانفعالي والوجداني، ونموذج كولبرج في النمون الخلقي والاجتماعي.
أما الباب الثاني: فيتناول مرحلة الجنين، والتي تعد جزءًا من العمر الأول للإنسان، والعمر الأول للإنسان هو تلك المرحلة الكبرى التي تبدأ بتكوين الجنين في الرحم، وتنتهي بدخول الإنسان عالم الراشدين، هي مرحلة تتسم بالضعف حسب الوصف القرآني لها، إلّا أنه ضعف التحول إلى القوة "أي: الرشد". ولهذا نلاحظ على هذه المرحلة الكبرى تحسنًا مستمرًّا مضطردًا يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام، تحقيقًا لهذه الغاية. وقد جاء الباب الثاني حول أطوار مرحلة الجنين في ثلاثة فصول، التزمنا فيها بالتقسيم القرآني لها؛ ففي الفصل السادس تناولنا تكوين النطفة، وفي الفصل السابع عرضنا لأطوار نمو الجنين ابتداءً من طور النطفة الأمشاج، فطور العلقة، فطور المضغة، فطور تكوين العظام والعضلات "اللحم"، فطور التسوية، ثم خصَّصّنا الفصل الثامن لرعاية الجنين والأم الحامل.
ويمتد العمر الأول للإنسان إلى الباب الثالث الذي خصصناه لمرحلة الطفولة.
ومرة أخرى التزمنا في تصنيف أطوار هذه المرحلة بالتقسيم الإسلامي لها، وقد

1 / 6

جاء هذا الباب في أربعة فصول، فتناول الفصل التاسع طور الوليد، والفصل العاشر طور الرضيع، والفصل الحادي عشر طور الحضانة، والفصل الثاني عشر طور التمييز.
ومع تقدم الإنسان في النمو في عمر ضعفه الأول تزداد قوته توجهًا نحو الرشد، ولهذا خصصنا الباب الرابع للمرحلة الأخيرة من مراحل هذا العمر الأول، وهي مرحلة المراهقة والشباب، وقد جاء تناولها في فصلين موجهين مرةً أخرى بالمنظور الإسلام؛ ففي الفصل الثالث عشر تناول لطور بلوغ الحلم "أو المراهقة"، وفي الفصل الرابع عشر معالجة لطور بلوغ السعي "أو الشباب".
ويتناول الباب الخامس "العمر الثاني للإنسان" وهو الرشد الإنساني والقوة البشرية، والذي يمتد إلى أن يصل بالإنسان إلى ضعفه الجديد مع الشيخوخة، وقد جاء عرضنا لهذه الفترة الكبرى في أربعة فصول، فيعرض الفصل الخامس عشر لحدود الرشد، وكان موجهًا في هذا التحديد بالمحك الإسلامي، وفي تقيسم هذا العمر إلى مراحله وأطواره، وكان التزامنا -كالشأن في المراحل والأطوار السابقة- بالتوجيه الإسلامي، ولهذا تناول الفصل السادس عشر طور بلوغ الرشد "أو ما يسمى الرشد المبكر"، والفصل السابع عشر طور بلوع الأشد "أو ما يسمى وسط العمر"، ثم خصصنا الفصل الثامن عشر لموضوعٍ هو الشغل للمربين المعاصرين، وهو التعلم مدى الحياة للإجابة على السؤال الهام: كيف يتعلم الراشدون؟
وفي الباب السادس والأخير: يتناول الكتاب "العمر الثالث للإنسان" أي: مرحلة ضعف المسنين، وقد جاء عرضنا لهذه المرحلة في أربعة فصول موجهة كلها بالمنظور الإسلامي؛ ففي الفصل التاسع عشر عرضنا لحدود الضعف الثاني، وهي حدود الشيخوخة والهرم، وقد تطلَّب ذلك مناقشة مفصلة للمحكّات الشائعة في الوقت الحاضر، ومناقشتها في ضوء المحك الإسلامي، وقد خصصنا لهذا الموضوع الفصل التاسع عشر، أما الفصل العشرون: فقد تناول التغيرات التي تطرأ على الإنسان في طور الشيخوخة، وهو الذي يسميه القرآن الكريم أرذل العمر. وكان لابد أن ينتهي هذا الباب كما ينتهي الكتاب بفصلٍ عن رعاية المسنين، وهو الفصل الثاني والعشرون.
وهكذا نجد بإزاء تصور للنمو على أنه "دورة حياة"، وليس مراحل منفصلة متقطعة، وإذا كان هذا التصور لم يشع في كتابات علم نفس النمو إلّا منذ سنوات

1 / 7

قليلة، فإن القرآن الكريم بإعجازه العلميّ الرفيع، عبَّر عنه بأبلغ تعبير منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.
يقول الله تعالى في سورة الحج:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ...﴾ .
وهذا الكتاب ما هو إلّا محاولة علمية لخدمة هذه الآيات البينات، ونحن نفضل أن يكون "العلم في خدمة القرآن الكريم"، وقد حاولنا ما استطنا أن نعيد تنظيم المعرفة السيكولوجية المتاحة في هذا الإطار القرآني العظيم، سعيًا لتحديد وجهة إسلامية لعلم نفس النمو، ونرجو من الله ﷾ أن نكون قد وفقنا في تحقيق هذه الغاية النبيلة.
ولم يبق لنا أن نقول إلّا ما قلناه عند تقديم كتابنا الأول "علم النفس التربوي" وأيضًا في الطبعات السابقة من هذا الكتاب، من أننا نعتبر الجهد الذي بذلناه فيه رسالة ولاء لوطن أحببناه، وعلم كرسّنا حياتنا له، وهو ثمرة أخرى من ثمار عمرنا المشترك الذي قضيناه زوجين ووالدين وجدين ومعلمين وباحثين في علم النفس، والله نسأل أن ينفع به قارئه ودارسه، إنه ﷾ هو الموفق إلى سواء السبيل.
أ. د فؤاد عبد اللطيف أبو حطب
أستاذ علم النفس التربوي
كلية التربية جامعة عين شمس
ومدير المركز القومي للإمتحانات والتقويم التربوي
أ. د آمال أحمد مختار صادق
أستاذ علم النفس التربوي
كلية التربية جامعة حلوان
نائب رئيس جامعة حلوان
لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة
القاهرة
صفر ١٤١٩ هـ
يونية ١٩٩٨ م

1 / 8

الباب الأول: الأسس العامة
الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني
مدخل
...
الباب الأول: الأسس العامة
الفصل الأول: طبيعة النمو الإنساني
إن الذين يبحثون عن إجاباتٍ سهلة لأسئلتهم، وحلول جاهزة لمشكلاتهم، سوف يجدون النمو الإنساني موضوعًا محبطًا لتوقعاتهم، أما الذين يتسامحون مع الغموض، ويحبون التعامل مع الأسئلة التي لم يجب عنها بعد، بل الذين يفضلون الموضوعات التي تطرح المزيد من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، فسوف يجدون فيه موضوعًا للتحدي والاستثارة، بل والإبداع العلمي.
والسؤال الذي نبدأ به هذا الكتاب هو: ما النمو؟ إن معظم دارسي هذا الموضوع -كغيرهم من دارسي الفروع الأخرى من علم النفس- يختلفون عن دارسي العلوم الطبيعية والبيولوجية، في أنهم يشعرون بأن موضوعهم مألوفٌ لديهم قبل البدء في أي دراسة منظمة له، فنحن جميعًا نعرف شيئًا عن أنفسنا في مراحل عمرنا المختلفة، وكلٌّ منا لاحظ عن قرب شخصًا آخر ينمو، طفلًا أو شابًا أو راشدًا أو كهلًا أو شيخًا، وكثيرون منا ساهموا في هذه العملية من خلال أدوار الوالدية، أو عمليات التنشئة والتطبيع، ومعظمنا سمع البرامج، وشاهد الأفلام، وقرأ ما هو شائع عن تقدم الإنسان وتدهوره في مختلف مراحل حياته، ولهذا السبب ربما يكون موضوع النمو هو الموضوع الوحيد من بين موضوعات مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية الذي يجعل قارئه مشاركًا مع كاتبه في حوار دائم، يتفق معه ويختلف، بل قد يشعر في كثير من الأحيان أن خبرته الشخصية لا تدعم النتائج التي تَمَّ التوصل إليها.
إلَّا أن الألفة الشديدة بموضوع البحث قد تكون عائقًا أكثر منها ميزة؛ فهناك خطر حقيقيٌّ على الفهم العلمي عندما يقترب المرء من موضوع البحث مزودًا بأفكار مسبقة راسخة عنه، وخاصة إذا كانت هذه الأفكار هي من نوع المعتقدات الشائعة في الحكمة الشعبية أو الفهم العام، وبالطبع فإن الفهم العام قد يتفق أحيانًا مع الملاحظة العلمية، إلّا أنه في كثير من الأحيان لا يتفق، خذه بعض الأمثلة على ذلك: يذكر الفولكلور التربوي أن الأطفال الذين يحظون بالاهتمام الوالديّ المباشر عند كل صيحة تصدر عنهم، سوف يصبحون مدلَّلِين معتمدين. كما يذكر أيضًا

1 / 3

إنه إذا غابت العصا "أي: العقاب" يفسد الطفل. ويذكر ثالثًا أن الأطفال الذين ينشأون وسط عائلات كبيرة يكون محصولهم اللغوي أكبر من أطفال الأسر الصغيرة، ناهيك أنه قد ظهرت على مدى التاريخ الإنساني وجهات نظر متباينة حول طبيعة الطفل، ومن ذلك مثلًا: هل يولد الطفل وشخصيته الأساسية كاملة التكوين؟ أم أن هذه الشخصية تحددها أساليب التنشئة الاجتماعية وخاصة التنشئة الوالدية؟ هل الأطفال متوحشون صغار؟ ودور المجتمع أن يعلمهم السلوك المدني؟ أم أنهم يولدون كائنات أخلاقية ويعلمهم المجتمع الجشع والأنانية؟ هذه بعض أفكار الفهم العام التي لا يوجد دليل علمي يدعمها، بل إن بعضها توجد حوله ثروة من الأدلة التي تدحضه.
ولم يتطور العلم إلّا عندما أنشأ مناهجه في البحث وطرقه في الدراسة، والتي بها نزداد فهما للقضايا الخلافية، فالخبرة الشخصية والفهم العام قد يكون نقطة البداية في دراسة النمو، إلّا أن اللجوء إلى الملاحظة العلمية المنظمة يساعد على ترشيد فهمنا لنمو السلوك الإنساني على أساس أدلة الواقع وشواهده، بالإضافة إلى أنها تعيننا على تغيير نظرتنا، وتوسيع آفاق وعينا، وكلما ازددنا تعلمًا بالأسلوب العلمي، يمكننا أن نرى أبعادًا جديدة في التفاصيل الكثيرة المألوفة في دورة الحياة الإنسانية.
موضوع علم نفس النمو:
النمو الإنساني أرض مشتركة لعدد من العلوم الإنسانية الاجتماعية والبيولوجية الفيزيائية، وتشمل علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم الأجنة وعلم الوراثة وعلم الطب، إلّا أن علم النفس يقف بين هذه العلوم بتميزه الواضح يتناول هذه الظاهرة، وأنشأ فرعًا منه يختص بدراستها، هو علم نفس النمو "أو علم النفس الارتقائي، كما يسمى أحيانًا" Developmental psychology، ومع ذلك فإن تنوع المعارف التي زودتنا بها العلوم الأخرى، ووفرة هذه المعلومات تدعونا إلى وصف هذا المجال بأنه من نوع المجالات العلمية المشتركة Interdisciplinary، التي يحتاج أصحابها إلى كل ما توفر مصادر المعرفة الأخرى الوثيقة الصلة به.
وعلم نفس النمو هو فرع علم النفس الذي يهتم بدراسة التغيرات التي تطرأ على سلوك الإنسان من المهد -بل وقبله- إلى اللحد، ويحدد بجنر "Bigner، ١٩٨٣: ٥" الاهتمامات التي تشغل العلماء في هذا الميدان بالأسئلة العشرة الآتية:

1 / 4

"١" ما نمط التغير الذي يطرأ على الإنسان مع نموه؟
"٢" ما التنظيم الذي تتخذه حياة الإنسان في دورتها الكلية أو مداها الكامل؟
"٣" ما الخصائص المميزة للنمو في كل مرحلة من مراحل دورة الحياة؟
"٤" ما الذي نتوقعه من الفرد في كل مرحلة من مراحل حياته؟
"٥" ما درجة الاتساق في التغير من مرحلة إلى أخرى في حياة الإنسان؟
"٦" ما درجة العمومية والتفرد في الشخصية الإنسانية في مراحل حياة الإنسان المختلفة؟
"٧" ما الذي يمكن أن نقدمه للإنسان حتى يفهم مسيرة حياته تجنبًا لمشاعر القلق أو الخوف من المستقبل؟
"٨" ما الذي يمكن أن تقدمه دراستنا لنمو سلوك الآخرين في فهم نمونا الذتي؟
"٩" ما العوامل والقوى والمتغيرات التي تؤثر في النمو الإنساني عبر مدى الحياة؟
"١٠" ما الذي يمكن أن تقدمه دراسة النمو في مواجهة متطللبات الإنسان في الماضي والحاضر والمستقبل؟
وقد حاول علماء النفس الإجابة على بعض هذه الأسئلة طوال أكثر من مائة عام انقضت حتى الآن "عام ١٩٩٨" منذ النشأة العلمية المنظمة لعلم نفس النمو.
وفي كل مرحلة من مراحل نمو هذا العلم سادت بعض الاهتمامات وتضاءلت أخرى.
فعندما ظهر هذا العلم في أواخر القرن التاسع عشر، كان تركيزه على فترات عمرية خاصة، وظلَّ على هذا النحو لعقود طويلة متتابعة، وكانت الاهتمامات المبكرة مقتصرة على أطفال المدارس، ثم امتدَّ الاهتمام إلى سنوات ما قبل المدرسة، وبعد ذلك إلى سن المهد "الوليد والرضيع"، فإلى مرحلة الجنين "مرحلة ما قبل الولادة".
وبعد الحرب العلامية الأولى بقليل، بدأت البحوث حول المراهقة في الظهور والذيوع، وخلال فترة ما بين الحربين ظهرت بعض الدراسات حول الرشد المبكر، إلّا أنها لم تتناول النمو في هذه المرحلة بالمعنى المعتاد، بل ركزت على قضايا معينة مثل ذكاء الراشدين وسمات شخصياتهم، ويذكر مايلز miles، ١٩٣٣" أنه حتى عام ١٩٣٣ لم تتجاوز بحوث سيكولوجية النمو السنوات الخمس والعشرين الأولى من حياة الإنسان، بينما تركت السنوات الخمسون أو الستون التالية "والتي

1 / 5

تشمل مراحل الرشد والشيخوخة" للتراث القصصي والفولكلور النفسي والاجتماعي والانطباعات الشخصية.
ومنذ الحرب العالمية الثانية ازداد الاهتمام التدريجي بالرشد، وخاصةً مع زيادة الاهتمام بحركة تعليم الكبار، أما الاهتمام بالمسنين فلم يظهر بشكلٍ واضحٍ إلّا منذ مطلع الستيات من هذا القرن، وكان السبب الجوهري في ذلك الزيادة السريعة في عددهم، ونسبتهم في الإحصاءات السكانية العامة، وما تتطلب ذلك من دراسة لمشكلاتهم، وتحديد أنواع الخدمات التي يجب أن توجه إليهم.
وتذكر هيرلوك "Hurlock، ١٩٨٠" سببين جوهرين لهذا الاهتمام غير المتكافئ بمراحل العمر المختلفة في مجال علم نفس النمو هما:
١- الحاجة إلى حل المشكلات العملية التطبيقية:
من الدوافع الهامة التي وجَّهَت البحث في مجال علم نفس النمو الضروروات العملية، والرغبة في حلِّ المشكلات التي يعاني منها الأفراد في مرحلة عمرية معينة، ومن ذلك أن بحوث الطفولة بدأت في أصلها للتغلب على الصعوبات التربوية والتعليمية لتلاميذ المدرسة الابتدائية، ثم توجهت إلى المشكلات المرتبطة بطرق تنشئة الأطفال على وجه العموم، ووجّه البحث في محلة المهد الرغبة في معرفة ما يتوافر لدى الوليد من استعدادات يولد مزودًا بها، أما البحث في مرحلة الرشد فقد وجهه الدافع إلى دراسة المشكلات العملية المتصلة بالتوافق الزواجي، وأثر تهدم الأسرة على الطفل، وقد أشرنا فيما سبق إلى العوامل التي وجهت البحث في مجال الشيخوخة.
٢- الصعوبات المنهجية في دراسة بعض مراحل العمر:
على الرغم من الاهتمام بدراسة المراحل المختلفة لدورة الحياة لدى العامة المتخصصين على حدٍّ سواء، إلّا أن البحث في بعض هذه المراحل عاقته بعض الصعوبات المنهجية، فالحصول على عينات البحث مثلًا أسهل في حالة تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، وتؤثر بعض الاتجاهات الوالدية في تعويق البحث في بعض المراحل، كأن ترفض الأمهات والآباء تعرض أطفالهم الرضع للبحث العلمي خوفًا عليهم من الأذى، وبالإضافة إلى ذلك، فإن الحصول على المعلومات من الراشدين سواء بتطبيق الاختبارات عليهم، أو إجراء المقابلات الشخصية معهم دونه خرط القتاد، وتزداد هذه الصعوبة مع تقدم الإنسان في السن، ولعل هذا يفسر لنا تركيز بحوث المسنين الحديثة على المودعين بمؤسسات الرعاية، وهم عادةً لا يمثلون الأصل الإحصائي العام في المجتمع.

1 / 6

أهداف البحث في علم نفس النمو:
يمكن القول أن لسيكولوجية النمو هدفين أساسيين: أولهما الوصف الكامل والدقيق قدر الإمكان للعمليات النفسية عند الناس في مختلف أعمارهم، واكتشاف خصائص التغير الذي يطرأ على هذه العمليات في كل عمر. وثانيهما تفسير التغيرات العمرية "الزمنية" في السلوك، أي: اكتشاف العوامل والقوى والمتغيرات التي تحدد هذه التغيرات، والهدف الثاني حديث نسبيًّا، فمن الوجهة التاريخية يمكن القول أن البحث في هذا الميدان منذ نشأته حتى وقتنا الحاضر، تركز على دراسة طبيعة التغير ومعدلاته في الجوانب المختلفة للسلوك؛ مثل: القدرة الحسية والحركية، ووظائف الإدراك والذكاء، والاستجابات الاجتماعية والانفاعالية وغيرها، وهي جميعًا تدخل في باب الوصف، وقد ازداد الاهتمام في السنوات الأخيرة بهدف التفسير، ثم أضيفت أهداف أخرى تتصل بالرعاية والمعاونة والتحكم والتنبؤ، أو باختصار التدخل في التغيرات السلوكية.
١- وصف التغيرات السلوكية:
على الرغم من أن هدف الوصف هو أبسط أهداف العلم إلّا أن أكثرها أساسية، فبدونه يعجز العلم عن التقدم إلى أهدافه الأخرى، والوصف مهمته الجوهرية أن يحقق للباحث "فهمًا" أفضل للظاهرة موضع البحث. ولذلك، فالباحث في علم نفس النمو عليه أن يجيب أولًا على أسئلة هامة مثل: متى تبدأ عملية نفسية معينة في الظهور؟ وما هي الخطوات التي تسير فيها، سواءً نحو التحسن أو التدهور؟ وكيف تؤلف مع غيرها من العمليات النفسية الأخرى أنماطًا معينة من النمو؟
خذ مثلًا على ذلك: إننا جميعًا نلاحظ تعلق الرضيع بأمه، وأن الأم تبادل طفلها هذا الشعور، والسؤال هنا: متى يبدأ شعور التعلق attachment في الظهور؟ وما هي مراحل تطوره؟ وهل الطفل المتعلق بأمه تعلقًا آمنًا يكون أكثر قدرة على الاتصال بالغرباء، أم أن هذه القدرة تكون أكبر لدى الطفل الأقل تعلقًا بأمه؟ هذه وغيرها أسئلة من النوع الوصفي.
ويجاب عن هذه الأسئلة بالبحث العلمي الذي يعتمد على الملاحظة، أي: من خلال مشاهدة الأطفال والاستماع إليهم، وتسجيل ملاحظتنا بدقة وموضوعية.
وكانت أقدم الملاحظات المنظمة المسجلة التي تتعلق بنمو الأطفال ما يسمى: "سير الأطفال"، والتي ظهرت في أواخر القرن الثامن عشر، وخلال القرن التاسع

1 / 7

عشر، وتتلخص في وصف نمو طفل واحد "هو في العادة ابن الباحث أو قريبه" في محاولة لتتبع التغيرات في النواحي الحسية والحركة واللغوية والقدرة العقلية.
وعلى الرغم من أن هذه الأعمال لا تعد من نوع الملاحظات العلمية؛ لأنها تتسم بالتحيز والانتقائية، إلّا أنها أثارت اهتمامًا كبيرًا بدراسة الأطفال، وبالمشكلات الجوهرية في سيكولوجية النمو.
وفي نهاية القرن التاسع عشر، أجرى عالم النفس الأمريكي ج. ستانلي هول، أول بحث منظم حول ما أسماه: "محتويات عقول الأطفال"، وقد استخدم لأول مرة مجموعة من الأسئلة يمكن أن يجيب عنها كتابة مجموعات كبيرة من الأطفال. وأعدت هذه "الاستخبارات" لجمع معلومات عن سلوك الأطفال والمرهقين، واتجاهاتهم وميولهم، وقد كان غرض هول -مثل غرض كتاب سير الأطفال- وصف طبيعة "محتويات العقول" وصفًا دقيقًا، ويشمل ذلك الأفكار والمشاعر والانفعالات.
وبزيادة الاهتمام بميدان سيكولوجية النمو ابتكر علماء النفس طرقًا أفضل، وجمعوا بيانات أدق تصف لنا الجوانب المختلفة للنمو، وقد زودتنا نتائج هذه البحوث الوصفية بثروة هائلة من الحقائق الجزئية التفصيلية إلى حد يدفعنا إلى القول بأنه: لا يوجد فرع آخر من فروع علم النفس توافر له ما توافر لعلم نفس النمو من تفاصيل ودقائق المعرفة.
والغرض الذي يسعى إليه الوصف في العلم هو تحقيق درجة عالية من الفهم، ولا شك أن ما يعيننا على مزيد من الفهم، أن ملاحظتنا الوصفية في مجال علم نفس النمو لا تكون عادة منفصلة، وإنما تتخذ في الأغلب صورة النمط أو المتوالية، وحالما يستطيع الباحث أن يصف اتجاهات نمائية معينة، ويحدد موضع الطفل أو المراهق أو الراشد فيها، فإنه يمكنه الوصول إلى الأحكام الصحيحة حول معدل نموه، وهكذا نجد أن هدف الوصف في علم نفس النمو يمر بمرحلتين أساسيتين؛ أولاهما: الوصف المفصل للحقائق النمائية، وثانيتهما: ترتيب هذه الحقائق في اتجاهات أو "أنماط" وصفية كما يسميها فشبن "Fishbein، ١٩٨٤: ٧"، وهذه الأنماط قد تكون متآنية في مرحلة معينة، أو متتابعة عبر المراحل العمرية المختلفة.
٢- تفسير التغيرات السلوكية:
الهدف الثاني لعلم نفس النمو هو التعمق فيما وراء الأنماط السلوكية التي تقبل الملاحظة، والبحث عن أسباب حدوثها، أي: هدف التفسير، والتفسير يعين الباحث على تعليل الظواهر موضع البحث من خلال الإجابة على سؤال: لماذا؟ بينما

1 / 8