تاريخ التراث العربي لسزكين - الكيمياء والنبات

تاريخ التراث العربي لسزكين - الكيمياء والنبات

ناشر

جامعة الملك سعود

ایڈیشن

الأولى

اشاعت کا سال

١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

مقدمة المترجم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
أما بعد:
فهذا كتاب وضعه مؤلفه فؤاد سزكين باللغة الألمانية، ونقلناه إلى العربية خدمة للقارئ العربي سواء أكان باحثا أم طالب علم. وهو يعرض بين دفتيه تاريخ الكيمياء عامة وتاريخ الكيمياء العربية خاصة. كما يبحث في جزء منه تاريخ النبات. ويرى القارئ الكريم أن الحديث عن (جابر بن حيان) يحظى بأكثر صفحات الكتاب، وأن المؤلف لم يدخر وسعا في دحض الافتراءات التي ألصقت باسم (جابر) هادفة من وراء ذلك إلى الطعن في منزلة الكيمياء الإسلامية، والنيل من علوم المسلمين، وذلك من خلال إنكار صحة نسبة عدد ضخم من الكتب الكيميائية إلى جابر. فجابر- في رأي المنكرين له- شخصية وهمية لم يكن لها وجود، وما الكتب المنسوبة إليه إلا مؤلفات طائفة من المشتغلين بالصنعة، دونوها ونسبوها إليه على مدار مائة عام امتدت من عام ٢٥٠ هـ- ٣٥٠ هـ. على أن المؤلف سزكين وبعض الباحثين المنصفين يرون- من وجهة نظر الحق والصدق- أن جابرا كان شخصية فذة عاشت في القرن الثاني للهجرة وأنه كان المؤسس الأول لهذا العلم ورائد كل من عمل بعده في هذا الحقل، بل هو بمنزلة بويل وبريستلي ولافوازية في ميدان الكيمياء الحديثة.
ويلاحظ أن برتلو Berthelot كان أول من أثار الشكوك حول بعض كتب جابر في العصر الحديث، فقد حاول أن ينفي علاقة كتب- جبر المزعوم-، والمدونة باللغة

مقدمة / 1

اللاتينية، بمؤلفات جابر بن حيان، كما حاول أن يبين أن مؤلفات جابر العربية بعيدة أشد البعد عن كتب- جبر هذا .. فلا تنقص المؤلف العربي كل معرفة بالحقائق الجديدة الأصيلة المتوافرة في الكتب اللاتينية فحسب، بل يستحيل على المرء أن يجد في الكتب اللاتينية صفحة واحدة أو مقطعا يمكن عده ترجمة عن المؤلفات العربية. (برتلو في La Chimieau Moyen Age: المجلد الثالث ص ٢٣).
وبالرغم من أن هولميارد تناول هذه المسألة بالدراسة والمناقشة، وبالرغم من أنه توصل عام ١٩٢٢ م إلى أن الكتب اللاتينية باسم جبر المزعوم-، ما هي إلا ترجمة لكتب جابر بن حيان المتوافرة باللغة العربية، وأن جابرا عاش في القرن الثامن الميلادي، وهو- كما يراه هولميارد- مؤسس الكيمياء الحديثة، بالرغم من هذا كله فقد أصر روسكا على أن تلك الكتب اللاتينية والجزء الأعظم من الكتب التي ذكرها ابن النديم باسم جابر ما هي إلا كتب مزيفة ومدسوسة على جابر بن حيان.
أما باول كراوس، وهو أكثر من اشتغل بمسألة جابر، وكانت لدراساته الجامعة الشاملة الأهمية العظمى حتى وقت قريب، فقد نشر عام ١٩٤٢/ ١٩٤٣ م كتابا فى مجلدين، سلّم في وقتها بآرائه التي جاءت فيه والتي تتعلق بحياة جابر وبمؤلفاته، أنكر في المجلد الأول صحة نسبة كتب جابر إليه، وزعم أنها مؤلفات مزيفة صنعتها طائفة من الكيميائيين الشيعة ما بين النصف الثاني من القرن التاسع والنصف الأول من القرن العاشر الميلاديين، وذكر في المجلد الثاني أن النظريات الكيميائية المنسوبة إلى جابر المزعوم- لا تمت إلى السيمياء القديمة بصلة، وذلك لأن كلمة (النشادر) وردت في الكتب المنسوبة إليه مع أن النشادر مادة لم تعرف إلا في زمن متأخر كانت الصنعة قد تطورت فيه، كما أن في هذه الكتب رفضا لاستعمال الألغاز التي اشتهرت بها السيمياء القديمة.
وقد تصدى المؤلف في كتابه الذي بين أيدينا لهذه الآراء والنظريات وراح يفندها رأيا رأيا، منطلقا من أن المقالات والكتب التي نشرت فيما مضى لم تعط صورة واضحة

مقدمة / 2

بينة عن المشكلة. فلقد كانت الوثائق والمعلومات قليلة آنئذ، وهي لقلتها قاصرة عن تقديم صورة تامة عن الحضارة الاسلامية.
وحينما كان سزكين يعد ملحقا لكتاب بروكلمان «تاريخ الآداب العربية» اكتشف مخطوطات ومصادر ذات أهمية بالغة، وبخاصة فيما يتعلق بتاريخ الكيمياء الإسلامية، تفضل في قيمتها العلمية كل ما عرف من شواهد ومخطوطات سابقة على الاطلاق.
هذا وقد بين المؤلف حين عرض الوثائق والشواهد والأدلة، التي اهتدى إليها أثناء تحرياته، أن جابرا كان- بلا أدنى شك- حيّا في القرن الثاني للهجرة. ولم يكن جابر رجلا عاديّا وإنما كان عالما يتمثل فيه مركز الثقل في موضوع الكيمياء الإسلامية برمتها.
ومن هنا كان لا بد- في رأيه- من تحديد حياة جابر وبوضوح تام قبل مواصلة البحث بالنسبة لتاريخ الكيمياء الإسلامية والكيميائيين الاسلاميين الأوائل. وبالفعل سيلمس القارئ العربي الجهد العظيم الذى بذله المؤلف سزكين في هذا المجال. ولا غرو فهو من العلماء المسلمين القلائل الذين وقفوا حياتهم على دراسة تاريخ التراث الإسلامي العربي ونالوا شهرة عالمية فيه. وما هذا الكتاب الذي بين أيدينا إلا المجلد الرابع من بين المجلدات التسعة للسفر الضخم، (في تاريخ التراث العربي). وكما يعرف الكثير من المهتمين بهذا الموضوع فقد نال المؤلف- الذي يعمل أستاذا لتاريخ التراث الإسلامي ومنذ عشرين عاما في جامعة فرانكفورت- جائزة الملك فيصل العالمية تقديرا لجهوده القيمة التي بذلها في تصنيف المجلدات الستة الأولى من كتابه الضخم هذا.
إنه لمن حسن حظ القاريء العربى، الذي لا يعرف اللغة الألمانية أن تقوم جامعة الملك سعود (الرياض سابقا) وجامعة الإمام محمد بن سعود بترجمة هذه المجلدات؛ تعهدت جامعة الملك سعود بترجمة المجلدات التي تتناول العلوم الطبيعية والرياضية منها وهي: المجلد الثالث (الطب والبيطرة) والمجلد الرابع (الكيمياء والنبات) والمجلد الخامس (الرياضيات) والمجلد السادس (علم الفلك) والمجلد السابع (الأنواء والأجواء).

مقدمة / 3

وقبل ثلاث سنوات ونيف (١) كلفتني جامعة الملك سعود (الرياض سابقا)، وكان على رأسها الاستاذ الدكتور عبد العزيز الفدا، بترجمة المجلد الرابع والقيام بتنسيق أعمال لجنة الترجمة التي شكلت آنئذ، ومنذ ذلك التاريخ وأنا أترجم، وقد أعدت العمل مرات وقابلت بعضه على بعض حتى انتهيت إلى الصيغة التي بين أيدينا، وأنا مع هذا لا أدعي كمال العمل، فالخطأ والتقصير هما من طبيعة البشر. وليس هناك كتاب، غير كتاب الله ﷿، خال من النقص أو العيوب وإنني لأرجو أن يعذرني القارئ الكريم، إذا وجد شيئا منهما في ترجمتي هذه مع أني عملت بكل جد ونشاط وبأمانة وإخلاص. وحين عرضت ترجمتي على المؤلف، أثناء زيارتي لألمانيا في شباط من عام ١٩٨١ م رأى أن أثبت عناوين الكتب والمجلات والمقالات وأصحابها باللغة التي جاءت فيها وأن أبقى الشواهد والنصوص التى وردت بغير اللغة الألمانية على اللغة التي جاءت فيها كذلك، وقد فعلت هذا رغم أن الأمر استهلك مني أكثر من ثلاثة أشهر.
وأخيرا فلقد علمنا رسول الله ﷺ، وهو المعلم الكامل الذي لا ينطق عن الهوى أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله. وما علي إلا أن أشكر كل من ساعدني خلال عملي هذا، وأخص بالذكر والشكر الاستاذ الفاضل الشيخ ناجي الطنطاوي الذي قرأ مدخل الكتاب والجزء المتعلق بالكيميائيين العرب وصحح، لغة، ما اقتضى تصحيحه، كما أثني على الأستاذ الكريم الشيخ عبد الرحمن الباني، الذي كان لي نعم الناصح والمشجع. وأسجل هنا كذلك شكري مع الدعاء إلى الله ﷾، أن يجزي زوجتي أميرة بنت محمد دياب عني خير الجزاء، فلقد كانت لي ولا تزال خير عون في الصبر على إنجاز هذه الترجمة وغيرها من أعمال. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الرياض: جامعة الملك سعود: مطلع شعبان سنة ١٤٠١ هـ الموافق لمطلع آذار ١٩٨١ م الدكتور عبد الله حجازى

(١) مطلع عام ١٣٩٩ هـ

مقدمة / 4

ملاحظات تمهيدية
تقتضى أبواب هذا الكتاب التى تتناول السيمياء- والكيمياء والنبات- والفلاحة أن يتقدمها بعض التنويهات الموجهة إلى القارئ والباحث.
هذا وإني أكرر هنا الشكر، الذي أعربت عنه في مقدمة المجلد الثالث (١) (بأبوابه في: الطب- والصيدلة، وعالم الحيوان- والبيطرة) لكل من قدم لي الدعم والتشجيع، كما أكرر القول بأنه ينبغي أن تراعى تلك الملاحظات التي وردت هناك وتتعلق بالمنهج وبتأريخ المؤلفات المختلف فيها.
لقد كان من المخطط له أصلا أن يظهر المجلدان (الثالث والرابع) مجلدا واحدا، وما فصلا إلا إبّان الطبع.
أما فهرس الكشوف المستخدمة وفهرس الموجود من المخطوطات الذي يقع في المجلد الأول (ص ٧٠٦ - ٧٧٢) من الأصل الألماني، فقد استكمل في المجلد الثالث (ص ٣٩١ - ٤١٠) ولذا كان لزاما على القارئ أن يرجع إلى فهرس المجلد الأول (ص ٦٧٧ - ٧٠٥) والمجلد الثالث (ص ٣٨١ - ٣٩٠) فضلا عن رجوعه إلى فهرس المؤلفات من هذا المجلد ص ٣٤٧ - ٣٧٣.

(١) ص ١٧ - ١٨

مقدمة / 5

الباب الأول السيمياء والكيمياء

1 / 1

١ - المدخل
إن الإنسان في عصرنا الحالي الذي «تعني الكيمياء الحديثة في نظره معرفة العناصر المكونة للمواد المتوافرة في الطبيعة عن طريق التحليل النوعي وتقدير نسبها فيها بالتحليل الكمي» لا يكاد يستطيع أن يتخلص من التصور بأن الكيمياء القديمة كانت تهدف قبل كل شئ إلى صنع الأحجار الكريمة والمعادن أو تقليد وتزييف للذهب والفضة.
بيد أن مؤرخ الكيمياء يلاقي العنت إذا ما حاول، تبعا لهذا التصور، وضع فاصل زمني تاريخي بين الكيمياء القديمة والحديثة وهناك توجد صعوبة أخرى بعد لم يتغلب عليها، تتجلى في تفسير كلمة «كيمياء «Chemie أو «الكيمياء. «Alchimie إلا أنه من المؤكد أن كلمة كيمياء وكلمة «Alchimie» تعنيان الكلمة العربية «الكيمياء»، وإن كان اللغويون المحدثون ومؤرخو الكيمياء لم يتفقوا على أصل الكلمة الأخيرة.
ومن المؤكد أيضا أن كلمة «الكيمياء» ليست سوى تلك الكلمة المستعملة لدى اليونانيين منذ زمن بعيد بصورتها المألوفة xuueia .. وقد طرأت عليها تصحيفات مختلفة مثل xnueia و.. xnuia الخ.
ولقد وضع O.Lagercrantz نظرية عجيبة في أصل هذه الكلمة، مفادها أنها تصحيف لكلمة) uoljeia خيانة زوجية) (١)، وأن الذي حمله على ذلك هو الرأي

(١) Das Wort Chemiein: Kungl. Vetenskaps- Societetens Arsbok ١٩٣٧، Uppsala ١٩٣٨، p. ٣٦;
وارجع كذلك إلى:
H. H. Dubs، The Originof Alchemyin: Ambix ٩/ ١٩٦١/ ٢٣ - ٣٦
وقد ذهب إلى أن عهد T'ang - في الصين، البلد الأصلي لسيمياء العرب. بخصوص أصل السيمياء انظر:
H. J. Sheppard، Alchemy: Originor Origins؟ in: Ambix ١٧/ ١٩٧٠/ ٦٩ - ٨٤; J. Needham، Contri- butionsof China، India، andthe Hellenistic- Syrian Worldto Arabic Alchemy، in: prismata ٢٤٧ - ٢٦٧

1 / 3

القائل أن طرق الكيميائيين القدامى كانت منصبة على التزييف والخداع (١). على أن محاولة الوصول إلى تحديد مفهوم الكلمة لدى العلماء العرب والمسلمين وفروع العلم التي تهمنا هنا أجدى في نظرنا وأهم من الخوض فى مسألة أصل واشتقاق الكلمة.
وليست هناك إلى الآن دراسة مستفيضة، تعتمد على ما وصل إلينا من مواد، حول المفهوم الدقيق لكيمياء
Chemie
والكيمياء. Alchimie ترجع الدراسات التى خصصت لهذا الموضوع فيما سبق إلى عهد، كانت الفكرة السائدة فيه حول الكيمياء العربية ومنزلتها الرفيعة، غامضة مبهمة، من هذه الدراسات نعدّ حتى مقالات (فيدمان Wiedemann (الذي ندين له في اكتشافاته القيمة وفي الحلول الكثيرة التى قدمها في مجال تاريخ العلوم الطبيعية العربية.
وفى المناقشات التي دارت حتى الآن حول ما يمكن به تعريف الكيمياء العربية القديمة وحول موقف علماء البلدان العربية الإسلامية إزاء هذا الفرع من العلوم، اعتبر المرء- وذلك خطأ في نظري- أن الكلمة العربية المرادفة لكلمة Alchimie هي فقط كلمة الكيمياء أو علم الكيمياء. ولم يلق بالا إطلاقا إلى أن الكيميائيين الأوائل من العرب لم يسموا هذا الفرع أبدا بأحد هذين المصطلحين، وإنما أطلقوا عليه «علم الصنعة» أو «الصنعة»، كما أنهم لم يسموا أحدا سبقهم في هذا العلم «الكيميائي» وإنما «صاحب الصنعة» وأحيانا «صاحب الحكمة» أو «الحكماء».
ومن الجدير بالذكر أن أقدم كتب الكيمياء التي وصلت إلينا سميت (رسالة) أو (كتاب في الصنعة) إذا لم تكن تحمل عنوانا خاصا أما «جابر» في كتابه «كتاب الحدود» والمؤلّف قبل عام ١٥٠ هـ/ ٧٦٧ م في تعريف العلوم وتصنيفها (انظر بعده ص ٣٤٩) فقد صنف الكيمياء «علم الصنعة» مع علوم الدنيا ووصفها بأنها «علم شريف» مميّزا

(١) Ruska، Neue Beitragezur Geschichteder Chemiein: Quell. u. Stud. z. Gesch. d. Nat. wiss. u. d. Med.
(روسكا: مقالات جديدة في تاريخ الكيمياء، مجلة مصادر ودراسات في تاريخ العلوم الطبيعية والطب) ٨/ ١٩٤٢/ ٣٠٩.

1 / 4

لها بذلك عن بقية علوم الدنيا «الوضعية» التي نفهم منها العلوم الثانوية التقنية «علم الصنائع» (١). وأن «جابرا» في كتاب الحدود لم يذكر «الكيمياء»، ولعله عدّ هذا الفرع من العلم «وضعيّا» أي من «علم الصنائع» إذ يعرف «علم الصنعة» بأنه العلم الذي لا علاقة له بسد الفاقة والحاجة (٢). وقد ذكر جابر «الكيمياء» في كتاب آخر هو كتاب الأصول (الصناعة الموسومة بالكيمياء)، حيث كان همه في ذلك أن ينبه إلى الخطر الكامن فيها (٣).
يبدو أن كلمة «كيمياء» بمعنى صناعة الذهب والفضة عرفها العرب منذ القرن الأول/ السابع وأن هذا المفهوم قد أدى بهم إلى الاشتغال بالكتب الكيميائية في وقت مبكر، لهذا فليس من الصعب أن يفهم لماذا كان لا بد لأول ترجمة لكتاب دنيوي من لغة أجنبية أن تكون بالذات ترجمة كتاب كيميائي (انظر بعده ص ١٠٥)، أضف إلى ذلك أن الأخبار الصريحة التي وصلت إلينا تفيد أن الكيميائي العربي الأول، الأمير الأموي خالد بن يزيد أدت به الكيمياء المؤملة بالثروة العظيمة إلى الصنعة والصنعويين (٤)، بل إن أقدم ما وصل إلينا من معلومات حول ذلك يرجع إلى عهد خالدنفسه، ذكرها المؤرخ المدائني (ت ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م)، انظر المجلد الأول من، GAS ص ٣١٤) معتمدا بذلك على رواة قدامى، جاء في روايته أن محمد بن عمرو بن العاص قدم على عمّته زوجة خالد بن يزيد، وهي في دمشق، قال خالد له: «ما يقدم علينا أحد من أهل المدينة إلا اختار المقام عندنا على المدينة، فظن محمد بن عمرو أنه يعرض به فقال غاضبا: وما يمنعهم من ذلك وقد قدم قوم من المدينة على النواضح فنكحوا أمك وسلبوك ملكك وفرغوك لطلب الحديث وقراءة الكتب وعمل الكيمياء الذي لا تقدر

(١) جابر: كتاب الحدود في مختار رسائل ص Kraus: Studienzu Jaberibn Hayyan؛ ١٠٠ في مجلة.١٢/ ١٩٣١ /١٥ Isis
(٢) مختار رسائل ص ١٠٦.
(٣) طهران: خانقاه نعمة الله ١٤٥ (١١٥ ب- ١٢٠ ب).
(٤) ابن النديم ص ٣٥٤.

1 / 5

عليه» (١). ويستفاد مما ذكره جابر أن كلمة «الكيمياء» ربما كان يعرفها العرب بمعنى تحويل المعادن منذ زمن بعيد، عرفها مثلا الخليفة علي «كرم الله وجهه» - (انظر بعده ص ٢٤).
صحيح أن ابن النديم استعمل على ما يبدو «صناعة الكيمياء» و«علم صناعة الكيمياء» (٢) مرادفين ل «علم الصنعة»، إلا أنه ليس هناك كتاب واحد من مئات كتب الكيميائيين الذين ذكرهم يحمل عنوان «الكيمياء» (٣). لذا، فإنه لمن الخطأ الفادح أن تترجم كلمات ابن النديم (٤): («أخبار الكيميائيين والصنعويين» ب «أخبار الكيميائيين والفنيين أو المهنيين»).
«(٥)
die Nachrichtenuberd ie Chemikerunddie Technikeroderpra ktiker
» إذ أن محتويات هذه الكتب بكاملها وكذلك تعريفات الكيميائيين أنفسهم، لا تدع مجالا للشك (انظر قبله ص) في أن علم الصنعة شغل منزلة أعلى بكثير من الكيمياء، وأن الكيميائيين الذين ذكرهم ابن النديم لا بدّ وأن يكونوا الفنيين والمهنيين.
ويبدو لنا أن روسكا أهمل هذا المعنى المتميز للصنعة وأنه ترجمها عموما (٦) بالكلمات «فن، صنع، عمل»، وبذلك اعتبر النقد الموجه «للكيمياء» موجها للصنعة العربية فدافع عن الأخيرة (٧). ورأى (روسكا) نفسه مضطرّا للدفاع عن الصنعة

(١) الأغاني المجلد السادس عشر، الطبعة الثانية ص ٨٦، أو المجلد السابع عشر تحقيق عبد الستار فراج ص ٢٦٢.
(٢) ابن النديم ص ٣٥١.
(٣) المصدر السابق ص ٣٥١ - ٣٦٠.
(٤) المصدر السابق ص ٣٥١ س ١٧.
(٥) روسكا: المصدر المذكور له أعلاء فيه ص ٣١٧.
(٦) روسكا: المصدر السابق نفسه ص ٣١٨.
(٧) «إنه لجهل تام بالكيمياء والكيميائيين أن يزعم: Lagercrantz لم يكن همهم إلا تقليد أو تزييف الذهب والفضة ...» (المصدر السابق ص ٣٠٩).

1 / 6

تاريخ التراث العربي لسزكين - الكيمياء والنبات | اصول