Hazz al-Ghalasim fi Ifham al-Mukhasim 'ind Jaryan al-Nazhar fi Ahkam al-Qadar
حز الغلاصم في إفحام المخاصم عند جريان النظر في أحكام القدر
ایڈیٹر
عبد الله عمر البارودي
ناشر
مؤسسة الكتب الثقافية
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
1405 ہجری
پبلشر کا مقام
بيروت
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم قَالَ الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام حجَّة الاسلام ضِيَاء الدّين أَبُو الْحسن شِيث بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن حيدرة غفر الله لَهُ وَعَفا عَنهُ
الْحَمد لله نَاصِر الْحق ومعيله وخاذل الْبَاطِل ومتبعيه وَالصَّلَاة على إِمَام الْهدى مُحَمَّد الْمُصْطَفى وعَلى آله اهل الصدْق والوفى وَمن ولاهم وبهديهم اهْتَدَى وَسَلَامه وتحياته عَلَيْهِم إِلَى يَوْم الْجَزَاء
سَأَلت نور الله باطنك بأنوار الْإِيمَان وزين ظاهرك بوظائف الاسلام واستعملك فِي الدُّنْيَا بمتابعة السّنة وأسعدك فِي الْأُخْرَى بجواره فِي الْجنَّة وَلَا سلبك فِي الْمحيا ثوب التَّقْوَى واكرمك فِي الْحسنى بِطيب المثوى عِنْد الْمُجَاورَة وجريان المذاكرة أَن انتزع الْآيَات الَّتِي فِي كتاب الله تَعَالَى المتضمنة إِقَامَة الْحجَّة على صِحَة إعتقاد اهل السّنة فِي إِرَادَة الكائنات المنوطة بِخلق أَفعَال الْعباد وانها مُتَعَلقَة بِمَشِيئَة وإرادته دون خلقه
وَأَن الْخلق لَيْسَ لَهُم فِيهَا إِلَّا نوع إكتساب ومحاولة وَنسبَة وَإِضَافَة وَأَن ذَلِك كُله إِنَّمَا حصل لَهُم بتيسير الله تَعَالَى وَتَقْدِيره وإلهامه وتوفيقه فَلهُ الْخلق وَالْأَمر وَالتَّقْدِير وَالتَّدْبِير والتيسير والتعسير وَبِيَدِهِ الْهِدَايَة والاضلال وَالطَّاعَة والعصيان وَالْكفْر والايمان
وَلَا يجْرِي فِي ملكه وملكوته خير اَوْ شَرّ نفع أَو ضرّ فوز اَوْ خسر حَيَاة أَو موت غنى اَوْ فقر حُلْو اَوْ مر سر اَوْ جهر وَفَاء اَوْ غدر نصح اَوْ مكر عرف اَوْ نكر حَرَكَة أَو سُكُون قيام اَوْ قعُود قبض أَو بسط إِيمَان اَوْ كفر إِلَّا بإرادته ومشيئته وَعلمه وَقدرته
1 / 17
فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن كَمَا روى ان قدريا دخل على الصَّادِق جَعْفَر بن مُحَمَّد ﵉ فَقَالَ لَهُ يَا ابْن بنت رَسُول الله تَعَالَى الله عَن الْفَحْشَاء فَقَالَ لَهُ جَعْفَر الصَّادِق يَا أَعْرَابِي وَجل رَبنَا ان يكون فِي ملكه مَا لَا يَشَأْ فَقَالَ القدري يَا ابْن بنت رَسُول الله أَيُحِبُّ رَبنَا ان يعْصى قَالَ يَا أَعْرَابِي أفيعصى رَبنَا قهرا قَالَ يَا ابْن بنت رَسُول الله أَرَأَيْت إِن صدني الْهدى فسلك بِي طَرِيق الردى أحسن بِي أم أَسَاءَ فَقَالَ ﵇ إِن مَنعك شَيْئا هُوَ لَك فقد ظلم وأساء وَإِن مَنعك شَيْئا هُوَ لَهُ فَإِنَّهُ يخْتَص برحمته من يَشَاء فأفحم القدري وبهت وَلم يجد جَوَابا وَهَذَا كَلَام حجَّته فِيهِ فَمَا يحْتَاج إِلَى بَيَان وَلَا إِقَامَة برهَان وَلَكِن لَا ينْتَفع بِهِ إِلَّا من خلقه الله للجنة فَأَما من خلقه للنار فَلَا يسمعهُ وَلَا يلج فِي جوانح قلبه لِأَن الله تَعَالَى لم يخلق لَهُ سمعا يعيه بِهِ وَلَا بَصِيرَة وَلَا فهما فَإِن الله تَعَالَى يَقُول فِي مُحكم كِتَابه ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ أضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير﴾ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿إِن الَّذين كفرُوا وظلموا لم يكن الله ليغفر لَهُم وَلَا ليهديهم طَرِيقا إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم﴾
1 / 18
وَقَالَ فِي آخَرين ﴿يُرِيد الله أَلا يَجْعَل لَهُم حظا فِي الْآخِرَة﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾
ثمَّ قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله يحول بَين الْمَرْء وَقَلبه﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالله يَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام﴾ فَعم بالدعوة ثمَّ قَالَ ﴿وَيهْدِي من يَشَاء إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ فَخص بالهداية
وَقَالَ تَعَالَى لنَبيه ﷺ فِي شَأْن من كَانَ حَرِيصًا على هدايته ﴿أَفَمَن زين لَهُ سوء عمله فَرَآهُ حسنا فَإِن الله يضل من يَشَاء وَيهْدِي من يَشَاء فَلَا تذْهب نَفسك عَلَيْهِم حسرات إِن الله عليم بِمَا يصنعون﴾ ثمَّ كرر الدُّعَاء لِقَوْمِهِ وَأظْهر الشَّفَقَة عَلَيْهِم وهم معرضون عَن إجَابَته
أنزل اللع تَعَالَى عَلَيْهِ ﴿وَإِن كَانَ كبر عَلَيْك إعراضهم فَإِن اسْتَطَعْت أَن تبتغي نفقا فِي الأَرْض أَو سلما فِي السَّمَاء فتأتيهم بِآيَة وَلَو شَاءَ الله لجمعهم على الْهدى فَلَا تكونن من الْجَاهِلين﴾
ثمَّ تمنوا عَلَيْهِ أماني وأقسموا بِاللَّه لَئِن أَتَاهُم مَا يتمنون ليُؤْمِنن بِهِ فَأنْزل الله
1 / 19
على نبيه ﷺ مجيبا لَهُم عَن تمنيهم وقسمهم فَقَالَ تَعَالَى ﴿وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم لَئِن جَاءَتْهُم آيَة ليُؤْمِنن بهَا قل إِنَّمَا الْآيَات عِنْد الله وَمَا يشعركم أَنَّهَا إِذا جَاءَت لَا يُؤمنُونَ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة ونذرهم فِي طغيانهم يعمهون﴾
ثمَّ لما كَانَ خَبِيرا بحالهم وعالما بمالهم أنزل على نبيه ﷺ فِي شَأْنهمْ تَبًّا لَهُم ووعيدا وتقريعا وتهديدا وتخريسا عَلَيْهِم وتنكيلا فَقَالَ
﴿وَلَو أننا نزلنَا إِلَيْهِم الْمَلَائِكَة وكلمهم الْمَوْتَى وحشرنا عَلَيْهِم كل شَيْء قبلا مَا كَانُوا ليؤمنوا إِلَّا أَن يَشَاء الله وَلَكِن أَكْثَرهم يجهلون﴾
وَقَالَ تَعَالَى عقيب هَذِه الْآيَات ﴿وَكَذَلِكَ جعلنَا لكل نَبِي عدوا شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ فذرهم وَمَا يفترون﴾
فَانْظُر كَيفَ جزم وَقطع بِأَنَّهُ لَو فعل لَهُم مَا تمنوه لما آمنُوا إِلَّا ان يَشَاء الله وَكَذَلِكَ مَا يَفْعَله شياطين الْإِنْس وَالْجِنّ بالأنبياء وعداوتهم لَهُم وَمَا يوحي بَعضهم إِلَى بعض زخرف القَوْل غرُورًا فَقَالَ ﴿وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ﴾ فعلق مَا صدر من غرورهم وعداوتهم للأنبياء ﵈ بمشيئته ﷻ وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ الْمَلأ الَّذين استكبروا من قومه لنخرجنك يَا شُعَيْب وَالَّذين آمنُوا مَعَك من قريتنا أَو لتعودن فِي ملتنا قَالَ أولو كُنَّا كارهين قد افترينا على الله كذبا إِن عدنا فِي ملتكم بعد إِذْ نجانا الله مِنْهَا وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾
1 / 20
فَأنْظر إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ كَيفَ تفطنوا لقدر الله وَأَن جَمِيع الكائنات منوطة بِمَشِيئَة الله سُبْحَانَهُ وَلذَلِك قَالَ بعض الْمُوَحِّدين مَسَاكِين الْقَدَرِيَّة خالفوا فِي اعْتِقَادهم قَول الله سُبْحَانَهُ وَهُوَ رَبهم وخالقهم ومالكهم وَإِلَيْهِ مآلهم ومرجعهم وخالفوا الْمَلَائِكَة الَّذين هم خَاصَّة الله والعارفون بِاللَّه وَصِفَاته وهم أَحَق بِمَعْرِفَة الْإِلَه ﷻ وبصفاته وَأَحْكَامه فِي خلقه وهم الْقَائِلُونَ مَعَ ذَلِك ﴿لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم﴾ وخالفوا أَنْبيَاء الله وهم خَزَنَة وحيه والمصطفون من خلقه وخالفوا أهل الْجنَّة وخالفوا أهل النَّار وخالفوا شيخهم فِي الضلال إِبْلِيس وَرَجَعُوا فِي إعتقادهم إِلَى سوء رَأْيهمْ وَمَا زين لَهُم وَلم يجدو محيصا وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ
أما مخالفتهم لقَوْل الله تَعَالَى
فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُول ﴿وَلَو شِئْنَا لآتينا كل نفس هداها وَلَكِن حق القَوْل مني لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾
وَقَول الله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَفس أَن تؤمن إِلَّا بِإِذن الله﴾
1 / 21
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾
ثمَّ مدحهم على مَا خلقه فيهم وحببه إِلَيْهِم وزينه فِي قُلُوبهم وَمَا كرهه إِلَيْهِم وَهُوَ من عَظِيم كرمهه وإحسانه وفضله وامتنانه كَمَا يَفْعَله مُلُوك الدُّنْيَا مَعَ خواصهم فِيمَا تشاهده العيان ينعم عَلَيْهِ بِحسن الملبوس والزينة فِي المركوب وَالْخَيْل المسومة وَالسِّلَاح وَآلَة الْحَرْب المحملة فَإِذا عرض عَلَيْهِ الْجنُود والجيوش فِي يَوْم الزينه وَأَعْجَبهُ زِيّ بعض خواصه استحسنه وَقَالَ مَا رَأَيْت فِي الجيوش وزي العساكر أطرف من فلَان وَلَا أزين من زيه
وَإِذا حسن من الْمَخْلُوق هَذَا القَوْل فَهُوَ من خَالق الْخلق وأعمالهم أحسن وَأحسن فقس على ذَلِك جَمِيع مَا ورد فِي الْقُرْآن من الثَّنَاء الْجَمِيل على صَاحبه وَالْكل من صنع الله وخلقه مثل قَوْله ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر والحافظون لحدود الله﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَتلون كتاب الله وَأَقَامُوا الصَّلَاة وأنفقوا من مَا رَزَقْنَاهُمْ سرا وَعَلَانِيَة يرجون تِجَارَة لن تبور ليوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله إِنَّه غَفُور شكور﴾
ألهمهم لفعل الْخَيْر والأعمال الصَّالِحَة من تِلَاوَة كِتَابه الْكَرِيم وإقام الصَّلَاة وَنَفَقَة المَال وَهُوَ الَّذِي أَعْطَاهُم جَمِيع ذَلِك ويسرهم لَهُ ويسره عَلَيْهِم ثمَّ تفضل
1 / 22
عَلَيْهِم ومدحهم عَلَيْهِ وشكرهم ثمَّ سمى مَا يجازيهم بِهِ على ذَلِك أجرا وَمن أَيْن يسْتَحق العَبْد المربوب الْمَخْلُوق الْمَمْلُوك على خالقه وربه ومالكه وإلهه ومعبوده أجرا لَوْلَا جميل إحسانه وعظيم إمتنانه وجزيل كرمه وعطائه لَا عدمنا ذَلِك الْفضل الْعَظِيم والطول الجسيم
وَقَالَ تَعَالَى فِي آخر هَذِه السُّورَة مَا يُوَافق أَولهَا ويزيده وضوحا لمن أَرَادَ الله بِهِ خيرا وفهمه كِتَابه ﴿يمنون عَلَيْك أَن أَسْلمُوا قل لَا تمنوا عَليّ إسلامكم بل الله يمن عَلَيْكُم أَن هدَاكُمْ للْإيمَان إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿من يهد الله فَهُوَ المهتد وَمن يضلل فَلَنْ تَجِد لَهُ وليا مرشدا﴾
والآيات فِي مثل هَذَا الْفَنّ لَا تحصى قد ذكرهَا الشَّيْخ الْفَقِيه الإِمَام الأوحد أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن الْحُسَيْن بن الْجبَاب ﵀ عَلَيْهِ فِيمَا أملاه عَليّ وَهُوَ كتاب الاملاءله فِي مجلدين
وَأما قَول الْمَلَائِكَة فَقَالَت ﴿لَا علم لنا إِلَّا مَا علمتنا إِنَّك أَنْت الْعَلِيم الْحَكِيم﴾
1 / 23
وَأما قَول الْأَنْبِيَاء ﵈
فقد قَالَ شُعَيْب ﴿إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾
وَقَالَ نوح ﵇ ﴿وَلَا ينفعكم نصحي إِن أردْت أَن أنصح لكم إِن كَانَ الله يُرِيد أَن يغويكم هُوَ ربكُم وَإِلَيْهِ ترجعون﴾
وَقَالَ إِبْرَاهِيم ﴿لَئِن لم يهدني رَبِّي لأكونن من الْقَوْم الضَّالّين﴾
وَقَالَ ﴿الَّذِي خلقني فَهُوَ يهدين وَالَّذِي هُوَ يطعمني ويسقين﴾ الْآيَة أفرده بالهداية كَمَا أفرده بالخلق والرزق والشفاء وَالْأَمَانَة والاحياء وَالْمَغْفِرَة يَوْم اللِّقَاء والأمامية والقدرية فِي هَذِه الْآيَات يُؤمنُونَ بِبَعْضِهَا ويكفرون
1 / 24
بِبَعْضِهَا بيد أَنه لَو قيل لَهُم من خلق إِبْرَاهِيم الأواه لقالوا خلقه الله وَلَو قيل لَهُم من أطْعمهُ وسقاه لقالوا هُوَ الله وَلَو قيل لَهُم من أمرضه وشفاه لقالوا هُوَ الله ولوقيل لَهُم فَمن أَمَاتَهُ وأحياه لقالوا هُوَ الله وَلَو قيل لَهُم من يغْفر لَهُ يَوْم يلقاه لقالوا هُوَ الله ولوقيل فَمن الَّذِي إِلَى الْإِيمَان هداه قَالُوا وَلم يستحيوا هُوَ الَّذِي هدى نَفسه وَلم يهده الله وَنَفَوْا عَن الله سُبْحَانَهُ هدايته لإِبْرَاهِيم وهداية المهتدين أجميعن وأثبتوا لَهُ جَمِيع مَا تَضَمَّنت لَهُ هَذِه الْآيَات فليت شعري من الَّذِي قصر قدرَة الرب سُبْحَانَهُ وإرادته على بعض المقدورات والمرادات أَله مَعَ الله آله دون الله تَعَالَى الله عَمَّا يشركُونَ
وَهَكَذَا فعلت الحشوية إِذْ قيل لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ مَعنا إِن الاله ﷻ يعلم بِغَيْر قلب ويبطش بِغَيْر جارحة ويخلق بِغَيْر آلَة وَيسمع بِغَيْر أَصْمِخَة وآذان ويبصر بِغَيْر حدقة وأجفان فَمَا باله أَيْضا يتَكَلَّم بِغَيْر صَوت وحرف فَيكون كَلَامه سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ فضل كَلَام الله على كَلَام الْبشر كفضل الله على خلقه وَوجدنَا فضل الله على خلقه فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾ فَيجب أَن يكون لَيْسَ كَمثل كَلَامه كَلَام وَإِذا كَانَ عِنْدهم أَن كَلَام الله صَوت وحرف وَكَلَام المخلوقين صَوت وحرف فقد صَار كَلَامه مثل كَلَام المخلوقين فَلَا فضل لكَلَامه على كَلَام الْبشر وعرضوا كَلَام رَسُول الله ﷺ للكذب فِي قَوْله ﵇ فضل كَلَام الله على كَلَام الْبشر كفضل الله على خلقه
وَكَذَلِكَ مَا قَالَه شُعَيْب فِي الْآيَة الْمُتَقَدّمَة وَهِي قَوْله ﴿وَمَا يكون لنا أَن نعود فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاء الله رَبنَا﴾
1 / 25
وَقَالَ مُوسَى ﵇ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء أَنْت ولينا فَاغْفِر لنا﴾
فَهَذَا قَول أنبيائه وهم أعرف خلق الله برَبهمْ وبصفاته وكل مَا ينطقون بِهِ فَهُوَ مُسْتَفَاد من بارئهم كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْأَخْبَار عَن الْمُصْطَفى ﷺ ﴿وَمَا ينْطق عَن الْهوى إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾
الا ترى أَن مُوسَى صلى الله على نَبينَا وَعَلِيهِ حَيْثُ قَالَ لرَبه فِي مناجاته ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾
إِنَّمَا اسْتَفَادَ ذَلِك من قَوْله تَعَالَى فِي شَأْن قومه الَّذين عبدُوا الْعجل الَّذين اتَّخذهُ السامري لَهُم من الْحلِيّ وَقَالُوا هَذَا إِلَهكُم وإله مُوسَى وَكَانَ فِي حَال الْمُنَاجَاة فَقَالَ لَهُ ربه ﴿فَإنَّا قد فتنا قَوْمك من بعْدك﴾ فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قومه وَرَأى الْعجل مَنْصُوبًا لِلْعِبَادَةِ وَله خوار قَالَ ﴿إِن هِيَ إِلَّا فتنتك تضل بهَا من تشَاء وتهدي من تشَاء﴾
1 / 26