Ghazwah of Mu'tah and the Northern Saraya and Prophetic Missions
غزوة مؤتة والسرايا والبعوث النبوية الشمالية
ناشر
عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية،المدينة المنورة
ایڈیشن
الأولى
اشاعت کا سال
١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م
پبلشر کا مقام
المملكة العربية السعودية
علاقے
عمان
مقدمة
أهمية الدّراسة، وسبب اختيار الموضوع:
لقد هيأ الله ﵎ أن أكون أحد خُدّام سيرة المصطفى ﷺ خلال العشر سنوات التي مضت من عمري، منذ أن سجّلت في الدّراسات العليا، حيث كانت البداية في مرحلة الماجستير، التي وفّقني الله ﷿ فيها باختيار موضوع السرايا والبُعُوث النبويّة، كبحث لرسالة الماجستير، لأرتبط منذ البداية ذلك الارتباط المحبَّب إلى نفسي منذ نعومة أظفاري، مع سيرة أحبّ الخلق وأكرمهم على الله ﵎، محمّد ﷺ، وسيرة أصحابه خير الخلق وأفضلهم بعد نبيّه ﷺ.
ولأنّ السرايا والبعوث النبوّية كانت كثيرة جدًا، فقد تمّ الاقتصار في الدراسة على السرايا والبعوث النبوّية حول المدينة ومكّة.
ولقد كانت تلك الدراسة دراسة نقدية وتحليلية لروايات السرايا والبعوث، غير مسبوقة - حسب اعتقادي - من حيث النقد والتحليل والتنظيم.
وكانت تلك تجربة شيقة وممتعة بالنسبة لي، رغم ما اكتنفها من صعوبات.
ولما طُلِبَ مني اختيار موضوع لرسالة الدكتوراه، أصرّ الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري - حفظه الله تعالى - الذي تولّى الإشراف عليَّ في مرحلة الماجستير، وجزءًا غير قليل في مرحلة الدكتوراه - على أن
1 / 19
أكمل دراسة بقية السرايا والبُعُوث، فكان ذلك الإصرار دافعًا قويًّا لي لمتابعة العمل، رغم علمي المسبق نتيجة التجربة السابقة أنّه لن يكون عملًا هيِّنًا.
فتقدّمت إلى القسم لتسجيل الموضوع، وذلك بعد وضع الخطة المناسبة التي وزَّعت عليها ما تبقى من السرايا والبعوث النّبوّيّة، وأضفت عليها غزوة باعتبار أنّها تدخل ضمن نطاق السرايا والبعوث النّبوّيّة، وذلك حسب اصطلاح أهل المغازي في تعريف الغزوة والسرية١. فكان العدد حوالي خمسٍ وأربعين سرية، نصفها مسند بروايات لدى كُتُب الحديث، والتفسير، وأسباب النّزول، والسيرة النّبوّيّة، والدلائل، وكتب التاريخ، وغيرها من المصادر، والنصف الآخر مرويّ بلا إسنادٍ في كتب السيرة والتاريخ.
وتشمل تلك السرايا والبعوث سرايا تأديبية، وبعوث دعوية، وأخرى قتالية، وسرايا تحطيم الأصنام، بالإضافة إلى سرية مؤتة التي أفردت لها فصلًا خاصًّا لكثرة وتعدّد الروايات الخاصّة بها.
كما تشتمل الخطّة على سرايا مبهمة، وأخرى لم ترد فيها روايات مفصَّلة، وهي تصل في عددها إلى أكثر من ثلاثين بعثًا وسرية.
وبعد أن عُرِضَ الموضوع على مجلس الكليّة الموقَّر، رأى المجلس اختصار الموضوع بتقليص عدد السرايا والبعوث بالتنسيق مع فضيلة المشرف.
١ انظر: بريك محمّد أبو مايلة: السرايا والبعوث النّبوّيّة حول مكّة والمدينة: ٤٣.
1 / 20
وبعد مناقشة الأمر مع فضيلته، اقترح عليَّ أن أقتصر على غزوة مؤتة مع السرايا والبعوث النّبوّيّة الشَمالية. وفعلًا تمَّ اختيار الموضوع بهذا العنوان: [غزوة مؤتة، والسّرايا والبعوث النّبوّيّة الشّماليّة - دراسة نقدية] .
إنّ الأهمية التي تمثلها هذه الدراسة، هو أنّ معظم الدراسات الحديثة للسرايا والبعوث النبوية هي في الغالب سرد المعلومات المختلفة التي وردت عنها في المصادر القديمة دون تمحيص، وبخاصّة ما ورد عنها في مغازي الواقدي، وتلميذه ابن سعد في طبقاته، باعتبارهما من المصادر القليلة القديمة المتوفرة التي أفردت أبوابًا كثيرة للسرايا والبعوث، مع إيراد معلومات مفصَّلة عن الأحداث، وقد يُعْذَرُ الباحثون المعاصرون في اعتمادهم هذين المصدرين فقد اعْتُمِدَ عليهما من قِبل معظم كُتّاب المغازي المتأخرين، أمثال ابن سيد الناس، والمقريزي، والحلبي، والشامي، والقسطلاني، والذهبي، وابن حجر، وابن القيم، وغيرهم.
وإنّه من استقراء منهجَي الواقدي، وتلميذه ابن سعد، في رواياتهما عن السرايا والبعوث، فقد لاحظت أنّ الواقدي يحشد معلومات وفيرة، وتفصيلية عن الأحداث، وربما ينفرد بها عن غيره من أهل المغازي، وقد تابعه في ذلك تلميذه ابن سعد، وبخاصّة الروايات التي يسوقها عن شيوخه بلفظ: «قالوا»، وهي في الغالب منقولة عن شيخه الواقدي لتطابق المعلومات بينهما.
والواقدي متروك عند المحدِّثين، لذلك حاولت قدر المستطاع عدم الاعتماد على روايته إلاّ في الجوانب التي لا تختصّ بالأمور العقدية والشرعية ونحتاج إليها لإكمال الإطار التاريخي للحادثة.
1 / 21
وباعتبار أنّ هذين المصدرين متداولان، وسهلا التناول، فقد كان الاعتماد عليهما كثيرًا بالنسبة لمن كتب عن السرايا والبعوث، بينما هنالك روايات وردت عن ثقات أهل المغازي، كعروة، والزهري، وموسى بن عقبة، ومحمّد بن عائذ، وغيرهم، ولكن لفقدها، وتناثر رواياتها في بعض الكتب والمصادر غير المتخصّصة، جعلها غير معروفة لدى الكثير ممّن كتب عن السرايا والبعوث من المعاصرين.
وكان من نتيجة هذا الأمر أن اختلطت المعلومات حول السرايا والبعوث، لأنّ من كتب عنها إنّما راعى عملية حشد المعلومات الواردة في المصادر المتوفرة، دون استقصاء وبحث عن الصحيح من الروايات، ودون تمحيص أو نقد، ممّا ولّد انطباعًا لدى البعض أنّ معظم الروايات التي تحدّثت عن تلك السرايا والبعوث إنّما هي في الغالب غير صحيحة، لأنّه رأى في بعضها نوعًا من المبالغة والتهويل ومخالفة المعقول، مثل ما ذكر عن عدد الروم وحلفائهم في مؤتة، وما ذكر - أيضًا - عن استمرار المعركة سبعة أيام.
أيضًا كان هنالك نوعٌ من الاختلاف والتناقض واللبس في بعض الروايات، مثل ما ذكر عن سرية زيد بن حارثة ﵁، إلى بني فزارة، وسرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني مرّة (الحرقات) .
إنّ هذه الدراسة باعتمادها تنويع المصادر المختلفة، وبخاصّة الموثوق منها مثل: كتب الحديث وغيرها من المصادر، كان من ثمارها تلك المعلومات التي قد يلاحظها القارئ لأوّل مرّة، مثل ما ذُكِرَ في رواية أبي قتادة ﵁، عن محاولة النبي ﷺ إمداد أهل مؤتة حينما بلغه خبرهم.
1 / 22
لقد أتاح لي استقراء كتب الحديث، والتفسير، وكتب التراجم، وبعض المخطوطات، الخروج بذخيرةٍ لا بأس بها من الروايات غير المشهورة وإنّني بذلك لا أدّعي الجدّة في الموضوع بمعناها المطلق، فعِلم المغازي ليس علمًا تجريبيًا، وإنّما هو من العلوم النقلية التي اسْتُفْرِغَتْ فيه الجهود العظيمة، على مرّ العصور مِمّن هم أفضل مني وأعلم. كما أنّ من الأمانة العلمية الاعتراف بالاستفادة من كتابات المعاصرين، وكانت بعض تلك الكتابات قد صِيغَت بأسلوبٍ أدبي رائعٍ، ولكنها في الحقيقة كتبت اعتمادًا على بعض روايات أهل المغازي دون تمحيص أو توثيق.
وحيث إنّني كنت بين أمرين: إمّا أن أكتب من جديد في الموضوع، وذلك طبعًا بعد عمليتي النقد والتوثيق، أو أستفيد من كتابات بعض من سبقني، وبخاصّة في الروايات التي تتَّفِق مع منهجي في العمل، مع إضافة أسلوبي أحيانًا كثيرة.
فكان أن اخترت الأمر الثاني، لأنّني لن آتي بجديد غير ما كُتِب، فرحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، وحسبي أنني اجتهدت في تنويع المصادر مع اختيار الأصحّ قدر المستطاع، كما أجهدت نفسي في عمليتي النقد والتوثيق، وهما العمليتان اللتان لم أُسْبَق إليهما - حسب علمي - بمثل هذا التوسع والعمق، وإن كان هنالك بعض من سبقني بالنسبة لنقد الروايات، ولكنها كانت إمّا أعمالًا مختصرة، أو مقتصرة على روايات بعض أصحاب المغازي فقط.
1 / 23
خُطّة البحث:
تشتمل خطّة البحث على: مقدّمة، وثلاثة أبواب، يحتوي كلّ باب على عدّة فصولٍ، يندرج تحت كلّ فصلٍ عدّة مباحث، وبعض المباحث تحتوي على بعض المطالب، وخاتمة، ثم فهارس تفصيلية.
هذا وقد قسمت خطّة البحث وفق التسلسل التاريخي للأحداث، حيث كانت هنالك سرايا حدثت قبل غزوة مؤتة وسرايا بعدها، وحتى تكون الرسالة منسجمة مع التسلسل التاريخي للأحداث جعلت السرايا التي حدثت قبل مؤتة في الباب الأوّل، وسَمَّيْته: السرايا والبعوث النّبوّيّة الشّمالية قبل غزوة مؤتة، وجعلت الغزوة بفصولها ومباحثها في الباب الثاني، أما الباب الثالث فجعلته للسرايا التي حدثت بعد غزوة مؤتة، وسَمَّيْته: السرايا والبعوث النّبوّيّة الشّمالية بعد غزوة مؤتة.
وكانت الخطّة على النحو التالي:
تمهيد:
مقدّمة: وتشمتل على أهمية الموضوع، وسبب اختياره، والخطّة، والمنهج والصعوبات التي واجهتها، وشكرٍ وتقديرٍ.
الباب الأوّل: السرايا والبعوث النّبوّيّة الشّمالية قبل غزوة مؤتة، ويحتوي على ثلاثة فصول:
1 / 24
الفصل الأوّل: سرايا زيد بن حارثة ﵁، وهي السرايا التي ذكر أهل المغازي أنّ النبي ﷺ بعثها إلى المنطقة بقيادة حبّه زيد بن حارثة ﵁، وذلك لتأديب الأعراب الذين كانوا يشكلون خطرًا متناميًا على المسلمين الذين كانوا يتطلعون إلى المضي قدمًا في دعوتهم إلى الإسلام في المنطقة، وكانت ثلاث سرايا: الأولى إلى وادي القرى، والثانية: إلى حسمى، والثالثة إلى مدين.
الفصل الثاني: السرايا والبعوث النّبوّيّة إلى فدك، وهي السرايا والبعوث التي أرسلت إلى مناطق القبائل المشركة، التي كانت تسكن حول فدك، وهم: بنو سعد، وبنو مرّة، وغيرهم، وذلك في سياق الجهود المبذولة من النبي ﷺ لتحطيم الحلف الخيبري القائم بينها وبين يهود خيبر، وكانت ثلاث سرايا أيضا: الأولى بقيادة عليّ بن أبي طالب ﵁ إلى بني سعد، والثانية بقيادة بشير بن سعد إلى بني مرّة، والثالثة بقيادة غالب بن عبد الله الليثي إلى الحرقات.
الفصل الثالث: بقية السرايا والبعوث النّبويّة قبل غزوة مؤتة، وهي ثلاث سرايا انطلقت إلى أماكن مختلفة لتحقيق أهدافٍ معيّنةٍ، وكانت السرية الأولى بقيادة عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى دومة الجندل؛ لدعوة ملكها وأهلها إلى الإسلام، والثانية
1 / 25
بقيادة بشير بن سعد ﵁ إلى الجناب، وذلك لضرب تجمعات الأعراب المعادية للمسلمين في عقر دارهم، والثالثة بقيادة كعب بن عمير ﵁ إلى ذات أطلاح، وكانت بعثة دعوية غدر بها الأعراب.
الباب الثاني: غزوة مؤتة، ويحتوي على سبعة فصول: تتحدث عن المعركة، وموقعها، وأسباب الغزوة، وتاريخها، وعن حشد القوات الإسلامية، وحشد قوات الحلفاء من الروم والعرب المنتصرة، ثم سير الأحداث وأخيرًا نتائج المعركة، والأحكام المستنبطة والدروس المستفادة.
هذا، ولقد حاول الباحث في هذا الباب أن يكون الانسجام والتناسق منتظمًا بين فصوله ومباحثه، وهكذا فإنّه لو رفعت عناوين فصوله ومباحثه لما اختل نظمه، وما انفرط عقده، ولألفيته متّسقًا في تناظم رائع وتناسق بديع.
الباب الثالث: السرايا والبعوث النّبوّيّة الشّمالية بعد غزوة مؤتة، وتحتوي على ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل: سرية عمرو بن العاص ﵁ إلى ذات السلاسل.
الفصل الثاني: سرية خالد بن الوليد ﵁ إلى الأكيدر.
الفصل الثالث: سرية أسامة بن زيد ﵄ إلى أبنى.
1 / 26
وهذه السرايا كانت لإخضاع العرب المنتصرة لسلطان المسلمين بتحطيم حلفهم - المعادي للمسلمين - مع الروم وذلك لإتاحة المجال للدعوة والدعاة أن يتحركوا بسلاسة وأمان في المنطقة.
الخاتمة: وتحتوى على أهمّ النتائج والدراسات التي توصل إليها الباحث.
الفهارس:
١- فهرس الآيات القرآنية.
٢- فهرس أطراف الأحاديث النّبويّة الشّريفة.
٣- فهرس أطراف الروايات.
٤- فهرس الأعلام المترجم لهم.
٥- فهرس الأماكن والبلدان.
٦- فهرس القبائل.
٧- فهرس المصادر والمراجع.
٨- فهرس الموضوعات.
هذا استعراض موجز لمفردات هذا البحث الذي منّ الله ﷾ فيه من دراسة غزوة مؤتة والسرايا والبعوث الشّمالية والتي بذل فيها الباحث غاية جهده، وربّما يكون قد فاته بعض السرايا والبعوث، ولكن لا يلام المرء مع اجتهاده.
1 / 27
منهج البحث:
أوّلا: كانت البداية هي محاولة استقصاء الروايات من مختلف المصادر التي كتبت عن السرايا والبعوث، سواء المتخصّص منها ككتب المغازي والسير، والشمائل، والدلائل، وكتب التاريخ المختلفة، وركّزت كثيرًا على كتب السُّنّة المختلفة من صحاح ومسانيد ومجاميع وزوائد، كذلك نظرت في كتب الطبقات وتراجم الرجال، بخاصّة كتب معرفة الصحابة، كما حاولت - قدر المستطاع - الإفادة من بعض المخطوطات.
ثانيًا: نقد هذه المرويات وفق منهج المحدّثين، حيث قام الباحث بدراسة الأسانيد وفق هذا المنهج، حسب ما أدّاه اجتهاده، ووسعه علمه المتواضع، وكان عمله في ذلك كما يلي:
١- بالنسبة للأحاديث والروايات المخرَّجة في الصحيحين أو في أحدهما، فلا تحتاج إلى نقد، لذلك لم أنظر في تراجم رجالهما، وإنّما أثبتّها مشيرًا إلى رقم الجزء والصحيفة فقط.
٢- نظر الباحث بعد ذلك في الأحاديث والروايات المخرَّجة في كتب السنن والمسانيد، مع قراءة متأنية في ترجمة رواتها، متتبعًا ألفاظ الأحاديث المختلفة، مع ذكر الشواهد والمتابعات التي ربّما ترد في كتب أخرى غير كتب الحديث.
1 / 28