ولا يصدر مثلها حتى عن ضعفاء العقول من الجهال؟ فبطل كلامه وزال مقصده ومرامه.
الوجه السابع: أن النبي ﷺ يعلم- عند النبهاني وأسلافه الغلاة- ما كان وما يكون، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فما فائدة إعلامه بما أعلمه به السبكي من أنه رجل شافعي المذهب أشعري العقيدة إلى آخر ما هذى به، فإنه إذا علم ما كان وما يكون- ومنه أعمال السبكي وأفعاله- فلأجل أي شيء يخبره به؟ لا يقال: إن ذلك كإخبار امرأة عمران بما وضعت، وهو الذي حكاه سبحانه بقوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١ الآية. قالوا: إن الله عالم بما كان فَلِمَ أخبرته امرأة عمران بما أخبرته؟ أجابوا: إن الخبر تارة يُقْصَدُ به إفادة المخاطب الحكم إذا كان غير عارف به، وتارة يقصد به إفادة لازم من لوازمه المفصلة في علم المعاني، ولازم خبر امرأة عمران هو التحزن والتحسر على خيبتها وانعكاس أملها، وحمل السبكي كلامه على ذلك مما لا وجه له.
وهذا الذي ذكرنا هـ- من أن الغلاة يعتقدون في النبي ﷺ ما ذكرناه- هو مما لم يمكنهم إنكاره، كيف والنبهاني على ما أسلفناه يقول إن النبي ﷺ موجود في كل مكان وكل زمان، وقد تكلمت يومًا مع أحد غلاة الرفاعية الزنادقة ومشركيهم- إذ استغاث بالرفاعي قبل الشروع في ذكرهم- فقلت له: هل يسمع الآن نداءك الرفاعي وهو في قبره في أم عبيدة ويمدك؟.
قال: نعم.
قلت: فإذا اتفق مثلك في بلاد كثيرة ومواضع متعددة ألوف مؤلفة وإن كانوا
١ سورة آل عمران: ٣٥- ٣٧.