يسألوا ذلك، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه ﷺ.
ولهم شبهة أخرى؛ وهي قصة إبراهيم ﵇ لما ألقي في النار، اعترض له جبريل في الهواء، وقال له: ألك حاجة، فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا١. قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركًا لم يعرضها على إبراهيم ﵇.
والجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبريل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ﴾ ٢. فلو أذن له أن يأخذ نار إبراهيم ﵇ وما حولها ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره الله تعالى أن يضع إبراهيم ﵇ عنهم في مكان بعيد لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل، وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلًا محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه أو يهبه شيئًا يقضي به حاجته، فيأبى ذلك المحتاج أن يأخذ ويصبر إلى أن يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟
هذا آخر ما قصدنا نقله من كتاب (كشف الشبهات) .
وقد خطر لي بيتان من الشعر في قصة إبراهيم ﵇ نظمهما بعض الأدباء العصريين وهما:
أصبحت ملة إبراهيم متبعًا ... لا أبتغي من سوى رب العلى بدلا
لو قال لي الروح جبرائيل هل لك من ... حاج لقلت له أما إليك فلا
وهذا هو التوحيد الذي يرغم أنف النبهاني وأضرابه من الغلاة الطغاة، وما نقلناه عن الشيخ كلام مفيد لذوي البصائر والأفهام، وقد سقط به ما ذكره النبهاني من توضيح مسألة الاستغاثة، فإن كلامه هنا مجرد إعادة عبارة سابقة
١ القصة لا أصل لها كما قال المحدث الألباني في "الضعيفة" (٢١) .
٢ سورة النجم: ٥- ٦.